إبتسام خنافر
أحياناً تشعر أنّ المكان يشيخ قبل سكّانه؛ يجرّ خطواته كأن الأرض أثقل مما تحتمل، والولاية التي كانت تُمسك الحديد بيد، والأمل باليد الأخرى، بدأت تفقد توازنها بين الفقر الذي يُرى، والفقر الذي يُصنَع على الورق.
ميشيغن… ليست غريبة عن الضيق، هي ولاية اعتادت على أن تعمل بيد وتنزف بالأخرى.
عرفت المصانع حين كانت السماء ممتلئة بالدخان، وعرفت البيوت الصغيرة حيث تكافح العائلات لتوفير قوت الغد، لكنّها اليوم تواجه شيئاً لم تعرفه من قبل: خلطاً مربكاً بين حاجة صادقة تختبئ خلف تعب الوجوه، وحاجة مزيفة تختبئ خلف أوراق ومصالح محسوبة بمهارة.
هناك فقر يتكئ على الحائط كي لا يسقط، وهناك فقر يقف مستقيماً، يمدّ يده بثقة، ويعرف تماماً من أين تؤكل الكتف.
وجوه تعرف التعب بصمت في مدن وبلدات ميشيغن، حيث يمكنك أن تلمس الفقر الحقيقي دون أن تحتاج إلى دليل. رائحته تأتي من المنازل المهترئة التي تُطفئ الأنوار باكراً لتوفّر الكهرباء، وتراه في خطوات نساء يخرجن قبل الفجر، ليلتقطن ما تبقّى لهن من كرامة العمل. أمّ تنظّف البيوت بنَفَس لا ينقطع، تغسل الأرض كأنها تغسل عنها خوف الأيام، ورجل يخرج من المصنع وكأنه خرج من معركة، يعلّق أمله على المساء الذي لا يأتي، وشاب يهرب من الديون كمن يهرب من قدرٍ ليس له يدٌ فيه، يحمل كتبه في يد، وبدلته في يد، ويحاول أن يلحق بالحياة قبل أن يفوته القطار.
هؤلاء لا يقفون على أبواب المساعدة بثقة، ولا يعرفون كيف يُسرّبون دخلاً، ولا يجيدون حيلة «الكاش» التي باتت لغة سرية في بعض الشوارع. هؤلاء إذا استحقوا القرش بكوه، وإذا وصلتهم المساعدة خجلوا منها، كأنّ الكرامة عندهم لا تُمسّ حتى حين يُمسّ الجوع.
ولاية البحيرات العظمى، التي تعرف معنى التعب جيداً منذ المستوطنين الأوائل الذين عملوا في عتالة الفرو، تعيش في هذا الزمن مشاهد لا تشبهها. مشاهد تجعل الذاكرة تقف مذهولة، وتجعل العدالة تعيد النظر في نفسها.
كم من مرّة وقفتُ في طابور السوبرماركت، ورأيت ذلك المشهد: امرأة بسيطة، تمسك بطاقة «الفود ستامب»
كأنها تمسك قلبها، تعدّ ما في السلة ثم تعيد
بعضه بخجل؟
وفي الطابور ذاته، يدٌ تلمع بسوار ذهبي، وحقيبة فاخرة تساوي طعام شهر لعائلة كاملة، تخرج منها بطاقة
«الفود ستامب» نفسها، بكل ثقة ووقاحة.
ذلك المشهد لا يمرّ عابراً. إنه يدخل إلى القلب ويترك فيه سؤالاً ثقيلاً: كيف يمكن للرفاه أن يرتدي قناع الفقر؟ وكيف تستطيع يد متخمة أن تأخذ ما خُصّص ليد مرتجفة؟
ليس الغضب هنا غضباً اقتصادياً فقط، إنما هو غضب أخلاقي. غضب من فكرة أن الفقر تحوّل عند البعض إلى مهارة لا إلى معاناة.
إن دخول غير المستحقين إلى منظومة الدعم ليس تفصيلاً بسيطاً في دفتر حكومي. إنه حجر يسقط في الماء فتتسع دوائره يوماً بعد يوم. الضرائب ترتفع، فالمال العام ليس نهراً لا يجف. والدعم يتراجع ويذهب لغير ستحقيه. والطابور بات طويلا بمن لا يعرفون معنى الحاجة. الأرقام تتضخم والفقر يبدو أوسع مما هو عليه
في الحقيقة.
تُستهلك برامج الرعاية حتى ينقطع نَفَسها، وكأنّها تركض خلف سراب. غير أن الخطر الأكبر ليس في الحسابات، بل في القلوب، في ذلك الشعور الذي يتسرّب إلى المواطن حين يرى أن جهده لا يُكافأ، وأن غشه لا يُكشَف، وأن القانون يقف عاجزاً أمام من يتفنون في الالتفاف عليه.
إن الفقر الذي لا تتناوله الصحف والإعلام كثيراً، هو فقر الثقة التي تكاد تبلغ حد الانعدام. فالعدالة، حين تُرهق، تحتاج إلى من يعيد لها صوتها.
إصلاح منظومة الدعم ليس حرباً على الفقراء، بل حماية لهم من أولئك الذين يأخذون أماكنهم في الطابور.
والمراجعة ليست تضييقاً، بل محاولة لإعادة الأشياء إلى حجمها الطبيعي، ولإعادة الضوء إلى ممرّاتٍ بدأت تظلم. فالفقر الحقيقي لا يهدد البلاد، بل يهددها الفقر الذي يتزيّن بالفقر. إنه الفقر الذي يختبئ خلف ورق لا خلف وجع.
لن تتغيّر الأمور بين ليلة وضحاها، ولن تعود العدالة إلى صوتها العالي بدون جهد، لكنّ البداية ليست معقّدة كما تبدو. فهي أن نرى الحقيقة كما هي، أن نقف مع المحتاج الحقيقي ولو بكلمة، وأن نقف في وجه المتحايل ولو بصمت، لأنّ المجتمع الذي يبكي فقره الحقيقي، لا يجب أن يُهزَم بفقرٍ مصطنع، ولا يجب أن يسمح للظلال أن تغطّي وجهه، فالعدالة مهما تأخرت تعود، والمجتمع مهما انحنى يقف، والحق مهما ضل يلقى طريقه، إن كان في الطريق من يبحث عنه فعلاً






Leave a Reply