ديربورن – إبتسام خنافر
تستعد مدينة ديربورن لاستضافة المسيرة السنوية لذكرى أربعينية استشهاد الإمام الحسين (ع)، وسط تشديد البلدية على تطبيق إجراءات السلامة والصحة العامة خلال الفعالية التي يتخللها تقديم مشروبات ومأكولات مجانية لآلاف المشاركين.
وشدّد المجلس البلدي خلال اجتماعه الدوري في 14 تموز (يوليو) المنصرم، على ضرورة تطبيق لوائح السلامة والصحة العامة على كامل عملية إعداد الطعام وتوزيعه خلال المناسبة التي تجذب أعداداً متزايدة من الزوار، عاماً بعد آخر.
وفيما أثار موقف المجلس البلدي، تساؤلات حول تطبيق قيود جديد على الفعالية الدينية، أكد مسؤولون في مدينة ديربورن لصحيفة «صدى الوطن»، أن المجلس أراد فقط إعادة التذكير باللوائح الصحية المعمول بها منذ سنوات، مشددين على عدم استحداث أي قواعد جديدة خاصة بالمناسبة التي دأب «مركز كربلاء الإسلامي» على المشاركة في تنظيمها منذ عقدين ونيف.
وتنطلق المسيرة، التي تجذب سنوياً مواكب مشاركة من مختلف الولايات المتحدة الأميركية وكندا، عند الساعة الثانية بعد الظهر من يوم الأحد المقبل، المصادف في الثاني من آب (أغسطس) الجاري، وذلك، من أمام «مركز كربلاء الإسلامي» على شارع وورن باتجاه منتزه «فورد وودز» قرب تقاطع شارعي غرينفلد وفورد، حيث سيقام مهرجان خطابي حاشد وخيم عاشورائية لتقديم المأكولات والمشروبات.
تصريح لإقامة المسيرة
أوضح رئيس مجلس بلدية ديربورن، مايك سرعيني، أن ما شهده مجلس المدينة، كان في إطار عملية منح التصريح لإقامة المسيرة بعد تقدم المنظّمين بطلب رسمي، وهو الإجراء المعتاد الذي تتبعه المدينة مع جميع الفعاليات والتجمعات الجماهيرية الكبرى.
وقال سرعيني لصحيفة «صدى الوطن» إن إصدار التصريح يسمح للمدينة بالاستعداد للفعالية من خلال توفير العدد المناسب من أفراد الشرطة والإسعاف والطوارئ والموظفين، بما يضمن تنظيم الحدث وتأمين سلامة المشاركين.
وأضاف أن مسيرة الأربعين تُقام في ديربورن منذ سنوات دون تسجيل مشكلات تُذكر، ولذلك جاءت موافقة المجلس ضمن الإجراءات الطبيعية التي تعتمدها المدينة، ولم تتضمن أي تغييرات على طبيعة المسيرة أو آلية تنظيمها.
وعن سبب تشديد البلدية على ضرورة تطبيق إجراءات السلامة هذا العام، أوضح سرعيني بأن المدينة تعتمد في استعداداتها لكل نسخة من المسيرة على الملاحظات التي تُسجل خلال العام السابق، بهدف تحسين التنظيم وتفادي تكرار أي ملاحظات قد تؤثر على سلامة المشاركين.
وأوضح أن التركيز هذا العام انصبّ على إجراءات إعداد الطعام، بعد ورود تقارير في السنوات الماضية عن استخدام بعض المشاركين لقلّايات الزيت داخل الحدائق العامة، وهو أمر لا تسمح به لوائح المدينة أو دائرة الصحة في مقاطعة وين.
وأضاف أن الطهي مسموح في الأماكن المخصصة لذلك حصراً، لكن استخدام القلاّيات التي تعمل بالزيت داخل الحدائق العامة غير مسموح به، وهو ما استدعى إعادة التذكير بالقواعد القائمة قبل إقامة الفعالية.
وأكد أن الهدف من ذلك ليس الحد من تقديم الطعام أو تغيير طبيعة المناسبة، وإنما ضمان إعداد الطعام ونقله وتقديمه بطريقة آمنة تحافظ على سلامة المشاركين.
ليست قيوداً جديدة
ونفى سرعيني لصحيفة «صدى الوطن» ما تردد عن فرض قيود جديدة على المسيرة، مؤكداً أن اللوائح التنطيمية التي جرى الحديث عنها قائمة بالفعل.
وقال: «هذه ليست قيوداً جديدة على الإطلاق، بل هي قواعد سارية منذ سنوات. وعندما نلاحظ أن هناك من لا يدرك هذه القواعد أو لم يلتزم بها في السابق، فإننا نحرص على إعادة التذكير بها قبل إقامة الفعالية التالية».
وأضاف أن البلدية أوضحت للمنظمين اشتراطات الصحة والسلامة والوقاية من الحرائق، فضلاً عن الاستثناءات الممكنة وفق الأنظمة المعمول بها.
وأشار إلى أن مخالفة القواعد ستؤدي إلى تحرير غرامات بحق المخالفين، كما يحدث في أي فعالية عامة أخرى، مؤكداً أن القوانين تطبق على الجميع دون استثناء.
التنظيم.. تحدٍ يتطلب شريكاً واحداً
ولفت سرعيني إلى أن التحدي الأكبر الذي تواجهه البلدية حيال مسيرة الأربعين يتمحور حول تحديد آلية التواصل مع المنظمين.
وأوضح أن الفعالية لا تخضع لإشراف جهة تنظيمية رسمية واحدة، وإنما مجموعة من الأشخاص والمتطوعين الذين يعملون معاً لإنجاح المناسبة، مما يجعل إيصال التعليمات ومتابعة التفاصيل أكثر صعوبة. وأضاف أن رئيس البلدية، عبدالله حمود، طرح فكرة أن تتولى مؤسسة أو لجنة رسمية واحدة تنظيم المسيرة مستقبلاً، بغرض تسهيل التواصل مع البلدية وتعزز التنسيق بين الجانبين.
وختم سرعيني حديثه لـ«صدى الوطن» بالتأكيد على أن مسؤولية المدينة هي حماية جميع المشاركين، متمنياً أن تشهد المسيرة هذا العام مشاركة ناجحة وآمنة.
وفي السياق نفسه، أكد حسن عباس، المتحدث الإعلامي باسم بلدية ديربورن، أن المدينة عززت بالفعل تواصلها مع منظمي المسيرة. وقال لـ«صدى الوطن» إنه «مع تزايد أعداد المشاركين، اغتنمت المدينة الفرصة هذا العام، لإعادة التواصل مع المنظمين والعمل معهم لضمان إقامة فعالية آمنة للجميع»، معرباً عن تطلعه إلى «مسيرة ناجحة تحمل رسالة السلام والعدالة».
الشيخ الحسيني يوضح
من جانبه، رأى إمام «مركز كربلاء الإسلامي» في ديربورن، الشيخ هشام الحسيني، أن الجدل الذي روّجت له بعض وسائل الإعلام المحلية حول إجراءات السلامة والصحة العامة خلال المناسبة السنوية يعود إلى فهم غير دقيق لطبيعة التوجيهات التي أصدرتها البلدية.
وفي السياق، أكد الحسيني أن الإسلام لا يرى أي تعارض بين الالتزام بإجراءات السلامة وإحياء الشعائر الدينية، بل يعتبر أن المحافظة على الإنسان والنظام والنظافة جزء من القيم التي يدعو إليها الدين.
وأردف بأن معظم التوجيهات التي جرى التشديد عليها هذا العام لم تتعلّق بطبيعة الطعام، وإنما بكيفية إعداده ونقله وتقديمه بشكل آمن.
وأوضح أن التركيز انصبّ على أماكن الطهي، وإبعاد مصادر النار عن الخيام، والحفاظ على درجات حرارة الطعام أثناء نقله وتوزيعه، وهي إجراءات تهدف إلى حماية المشاركين ولا تمسّ جوهر المناسبة أو رسالتها.
وأضاف أن المنظمين رحّبوا بهذه الإرشادات، وحرصوا على توعية المتطوعين بها، لأنها تصب في مصلحة الجميع وتساعد على إنجاح المناسبة.
خدمة الزوار
وأكد الشيخ الحسيني أن تقديم الطعام والشراب خلال مسيرة الأربعين التي تقام نسختها الرابعة والعشرين هذا العام في ديربورن ليس مجرد نشاط مرافق للمسيرة، بل يمثل أحد أبرز مظاهر الكرم والعطاء المرتبطة بإحياء هذه المناسبة العظيمة.
وقال إن أبناء الجالية يشاركون في خدمة الزائرين كلٌّ بحسب إمكاناته، فمنهم من يقدم الطعام، وآخرون يقدمون الماء أو الشاي أو المشروبات الأخرى، في صورة تعكس روح التكافل والإيثار التي تحملها رسالة الإمام الحسين (ع). وأضاف أن الالتزام بإجراءات السلامة لا ينتقص من هذه الرسالة، وإنما يساعد على استمرارها بصورة أكثر تنظيماً وأماناً.
رسالة تتجاوز حدود المناسبة
ويرى الحسيني أن مسيرة الأربعين التي تقام تحت شعار «مسيرة من أجل العدالة» لم تعد مجرد مناسبة لإحياء ذكرى دينية، بل أصبحت أيضاً مناسبة إنسانية وثقافية تعرّف المجتمع الأميركي بالمبادئ التي نهض من أجلها الإمام الحسين، وفي مقدمتها العدالة، والكرامة الإنسانية، وخدمة الآخرين.
وأشار إلى أن الشباب باتوا اليوم يشكلون العمود الفقري للجهد التنظيمي، وأنهم نجحوا في نقل رسالة المناسبة إلى الأجيال الجديدة، بلغة تتناسب مع المجتمع الأميركي، مع المحافظة في الوقت نفسه على الثوابت والقيم.
ومن المقرر أن تنطلق مسيرة الأربعين بعد صلاة الظهر يوم الأحد المقبل، باتجاه منتزه «فورد وودز»، حيث تلقى الكلمات وتقام الفعاليات الدينية والثقافية، وسط عشرات الخيام التي تستقبل الزوار وتقدم لهم الطعام والمشروبات.
ويشارك في تنظيم المناسبة عدد كبير من المساجد والحسينيات، إلى جانب مئات المتطوعين من الجاليات العربية والإسلامية، فيما تُلقى كلمات باللغتين العربية والإنكليزية للتعريف برسالة الإمام الحسين (ع) وقيمها الإنسانية.







Leave a Reply