إبتسام خنافر
يكبر المرء، يشيب شعره، يرى أبناءه يكبرون وأحفاده يملأون البيت، ثم يرحل. هكذا عرفنا سنّة الحياة، أو هكذا أحببنا أن نفهمها.
الفقد موجع في كل حال، ولكنه حق في نهاية المطاف. حين تسترد الحياة شيئاً من حقها ويترك الراحل وراءه من الذكريات ما يكفي ليحيا في قلوب أحبّته.
في ما مضى كان للموت هيبة. إذا دخل بيتاً، شعر به الحيّ كله، وأخذ الحزن والحداد حقهما من الوقت والصمت والعزاء.
اليوم، أصبح الموت يأتي أسرع من قدرتنا على الحزن: صورة على شاشة، اسم، تاريخ، دعاء، ثم خبر آخر وغياب آخر.
ليست المأساة في كثرة الأموات وحدها، بل في خوفنا من أن نعتاده إلى حد التجاهل.
فالموت، في زمن السرعة، لم يعد ينتظر الشيب. يأتي لطفل لم يعرف من الحياة إلا أولها، ولشاب كانت أحلامه أطول من عمره، ولأب ما زال أطفاله ينتظرون عودته، ولأم ما زال أبناؤها يحتاجون حضنها. ويأتي أحياناً إلى بيت يستعد لحياة جديدة: خاتمان يلمعان، صور فرح حديث، وأحاديث عن بيت وأطفال وعمر سيكبر فيه اثنان معاً. ثم لا يأتي ذلك الغد.
صرنا لا نبكي حياة انتهت فقط، بل حياة لم تُعش أصلاً.
في غزة ولبنان… هناك أطفال رأوا ما كان يجب ألا يعرفوه في أعمارهم. طفل كان بالأمس ينام مطمئناً لأن أباه في البيت، فأصبح رجلاً صغيراً عليه تحمل مسؤولية البيت. وآخر كان وطنه الأول حضن أمه، فإذا به يبحث عنها في صورة.
حين يقسو المشهد نستطيع أن نغلق الشاشة. أما من يفقدون الآباء في سن الطفولة لا يملكون شاشة يغلقونها، المشهد هو حياتهم.
كيف نشرح لطفل معنى الأرض والحدود والنفوذ والأطماع، وهو لم يعرف من الأرض إلا بيته ومدرسته والطريق الذي يعيده إلى أهله؟ الطفل لا يعرف خرائط الكبار، يعرف رائحة أمه وصوت أبيه وشعوره بأن هناك من سيحميه حين يخاف. هذا هو وطنه الأول، وحين يُسلب منه كل ذلك، يكون قد خسر وطناً كاملاً قبل أن يتعلم معنى الوطن.
كما نسأل الأطفال: ماذا تريدون أن تصبحوا عندما تكبرون؟ أما اليوم فنسأل: هل سيكبرون؟
يأتي الحادي عشر من أيلول هذا العام مثقلاً بثلاث سنوات من غياب والدي. وما زالت كلمة «أبي» أكبر من أن يحوّلها الزمن إلى مجرد ذكرى. حين أنظر إلى طفل خسر أباه صغيراً، يمسّ وجعه وجعي من مكان عميق. أنا حين أشتاق إلى أبي، أعود إلى عمر عشته معه، إلى صوته وملامحه وأيام أعرفها بنفسي. ذلك الطفل، إلى أين يعود حين يشتاق؟ إلى صورة؟ إلى حكاية تبدأ بـ«كان أبوك…»؟
أنا أشتاق إلى ذكريات عشتها مع أبي، ولكن بعض هؤلاء الأطفال يشتاقون إلى ذكريات لم تحدث أصلاً. ولهذا أدرك الآن كم كانت نعمة كبيرة أن يكون لي مع أبي عمر يستطيع الغياب أن ينهيه، ولا يستطيع أن يمحوه.
تغيّر معنى العمر في عيني. فأن يشيب من نحبّ أمامنا، نعمة، أن تتجعد أيديهم، وتبطؤ خطواتهم، ويروا أبناءهم يكبرون، إنها نعمة. حتى أن يقول الإنسان: «لقد تعبت من العمر»، نعمة، فكم من إنسان لم يُمنح من العمر ما يكفي ليتعب منه؟
هنا يكمن الفرق الأكثر وجعاً: كنا نخاف الموت لأنه نهاية حياة، أما اليوم فنخاف الموت لأنه لم يعد صبوراً.
لم نعد نبكي من رحلوا وحدهم، بل ما رحل معهم أيضاً: طفلاً لم يكبر وشاباً لم يشِب وأباً لم يرَ أبناءه يكبرون، وبيتاً لم تمتلئ غرفه، ويدَين كان يفترض ألا تفترقا حتى تتجعّدا.
والأقسى أن يصبح كل هذا عادياً، أن يصبح الشهيد رقماً والطفل صورة والأم الثكلى مشهداً مألوفاً.
الأرقام لا تموت. البشر هم الذين يموتون.
وراء كل رقم إسم كانت أم تناديه، ومكان على مائدة وصوت وضحكة وشخص كان ينتظر.
لا ينبغي أن يصبح الموت مألوفاً، لا في غزة، ولا في لبنان، ولا في أي أرض يدفع أطفالها ثمن أطماع لم يقترفوها وحروب لم يقرروها. فأي أرض نريدها إن كان ثمنها أن يكبر الأطفال بلا آباء أو أمهات أو ذكريات؟
وسط كل هذا، علينا أن نتعلم الحياة من جديد، أن ننتبه إلى صوت الأب قبل أن يصبح تسجيلاً، وإلى وجه الأم قبل أن يصبح صورة، وإلى اليد التي نستطيع أن نمسكها الآن قبل أن توارى الثرى.
علينا أن نتعلم كيف نجعل أمنياتنا أبسط: أن يطيل أعمار من نحب، وأن يشيب الشباب ويكبر الأطفال بحضن أهلهم…






Leave a Reply