محمد العزير
في أيلول سبتمبر ١٩٨٤، وبعد سنتين على الاجتياح الإسرائيلي المدمر للبنان، الذي قاده المجرم آرييل شارون وانتهى إلى احتلال بيروت وارتكاب المجزرة البشعة في مخيمي صبرا وشاتيلا، وفي ظل الحرب الأهلية التي تفاقمت وتناسلت حروباً عبثية لم توفر أية منطقة من الشمال إلى الجنوب، انطلقت من جنوب شرقي ولاية ميشيغن مبادرة شخصية على يد المهندس الشاب أسامة السبلاني، لتأسيس صحيفة ثنائية اللغة حملت اسم «صدى الوطن» في مهمة متعددة الأهداف، لتكون صوتاً للعرب الأميركيين الذين كانوا في بداية طريقهم نحو العمل المؤسسي، ومصدراً لأخبار الوطن الأم، ينقل الأحداث والمواقف من لبنان وفلسطين واليمن والعراق وبقية الأقطار العربية، ومنبراً للرأي، ومنصة متقدمة في مواجهة الإعلام الأميركي الصهيوني الهوى، لتقديم صورة حقيقية عن العرب، مقيمين ومغتربين، الذين كانوا موضع «شيطنة» دؤوبة للصحف والمجلات والشاشات التقليدية في الولايات المتحدة.
كانت تلك المبادرة نوعاً من المغامرة غير المضمونة لأسباب عديدة أبرزها الانقسامات الحادة في المجتمع العربي الأميركي نفسه، وعدم وجود تمويل تأسيسي أو رأسمال تشغيلي أو سوق إعلاني محلي، وكان على الصحيفة الوليدة أن تسير منذ عددها التجريبي الأول أن تسير بين النقاط في جو دائم المطر، وأن تحاول المشي بمهنية بين الألغام الكثيرة وتلافي المطبات الفتنوية الناجمة عن اضطرابات الوطن الأم، من الشحن الانقسامي على وقع الحروب المتكاثرة في لبنان، ومثلث الضغائن اللبنانية الفلسطينية السورية، والتجييش المذهبي المرافق للحرب العراقية الإيرانية، والاحتقانات الفئوية المصاحبة للتوترات الداخلية في اليمن والعراق، وصولاً إلى المناكفات الداخلية ذات الطابع الشخصي في أوساط العرب الأميركيين.
رغم كل هذه الظروف غير المؤاتية، نجحت «صدى الوطن» في تثبيت أقدامها متسلحة بسلوك مهني واضح والتزام بالقضايا الحيوية عربياً، وفي طليعتها قضية فلسطين، ومحلياً بالإصرار على تمكين العرب الأميركيين والدفاع عن حقوقهم المدنية والدستورية، وتأييد العمل المؤسسي في كافة المجالات، والسعي المستمر لبناء جسور التفاهم والتعاون مع المجتمع المدني الأميركي، خصوصاً المؤسسات المستعدة لسماع الصوت العربي الأميركي بعيداً عن السلبية والتنميط في الإعلام والعمل الاجتماعي والنقابي والحزبي، لتتحول «صدى الوطن» خلال فترة وجيزة إلى مرجعية لا غنى عنها، والى مدرسة صحافية استقطبت الكثير من الأقلام والكفاءات والمواهب الشابة.
ليس سراً أن رحلة «صدى الوطن» خلال السنوات الـ٤٢ الماضية لم تكن سهلة على الإطلاق، ولم يكن طريقها يوماً مفروشاً بالورود، ولكن للأسف، كانت معاناتها الأكبر في محيطها الذي كانت تعمل في خدمته، فطالما تعرضت لحملات مقاطعة داخلية بدوافع شخصية أو فئوية، كما عمد البعض في أكثر من مناسبة إلى «مصادرة» أعدادها من أماكن التوزيع وإتلافها لأنها نشرت خبراً «مزعجاً» لشخصية أو مؤسسة ما، ومن الطرائف المحزنة مثلاً، أن القيمين على مؤسسة وطنية رائدة في مجال الدفاع عن الحقوق الدستورية للعرب الأميركيين، أقدموا على منع توزيعها خلال المؤتمر السنوي للمؤسسة والذي كان منعقداً في واشنطن العاصمة، وأن أحد «رجال الأعمال» عمد خلال فترة تعثر مؤسفة إلى شراء المبنى الذي كانت مكاتبها فيه، فقط ليقوم بإتلاف أرشيفها الكامل. وكان على «صدى الوطن» في كل مرة أن تلتزم الصبر تأكيداً على مبادئها الداعية إلى التخفيف من المشاحنات مع أن القانون كان كفيلاً بحمايتها لو شاءت أن تدعي على المتطاولين، لكنها لم تفعل ذلك.
بين الالتزام المبدئي والسلوك المهني والعزيمة الهائلة لناشر «صدى الوطن» ورئيس تحريرها الزميل أسامة السبلاني، أفلحت الصحيفة في تكريس موقعها كمرجعية عربية أميركية على المستوى الوطني ككل وليس في ميشيغن وحدها، وصارت مقصد السياسيين والمرشحين الراغبين في معرفة مواقف العرب الأميركيين أو استمالة تأييدهم وأصواتهم، أو تزكية الصحيفة لحملاتهم، كما صارت المحطة الأولى لأية وسيلة إعلامية تريد إجراء تحقيقات ميدانية في منطقة ديترويت، وأصبح أسامة السبلاني الصوت العربي الأول في الصحف والمجلات وعلى الشاشات، وموضع تكريم مهني وأكاديمي وصولاً إلى إطلاق اسمه على شارع رئيسي في ديربورن، كما أدخل قاعة مشاهير الصحافة في ميشيغن قبل ذلك.
في مقالته عن ذكرى التأسيس، المنشور في العدد الأخير من الصحيفة، تعهد السبلاني، بعد سرده للتحديات التي واجهت مسيرته، والتي تزداد الآن في ظل الاندثار التدريجي للصحف الورقية أميركياً وعالمياً، أن تواصل «صدى الوطن» مسيرتها، وقال إنها ملتزمة برواية قصة العرب الأميركيين والدفاع عن حقوقهم، والاحتفاء بنجاحاتهم، والإضاءة على مكامن الخلل والتقصير، ورفع صوتهم بشجاعة ومسؤولية ومناقبية مهنية لا تتزعزع. هذا موقف يستحق الثناء، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً لا بد منه. وإذا طرحت افتتاحية العدد الأول من «صدى الوطن» مطلع العام ١٩٨٥، سؤالاً بارزاً «لمن هذه الجريدة وكيف ستكون؟»، فقد وفّرت السنوات الـ ٤٢ الماضية الجواب على السؤال المزدوج بوضوح، ومن الطبيعي أن يكون السؤال الآن «لمن ستكون صدى الوطن؟».
حتى الآن، يستند حضور« صدى الوطن» إلى شخص أسامة السبلاني وعزيمته، لكنها في الوقت نفسه صارت جزءاً هاماً من النسيج العربي الأميركي، فماذا سيكون مصيرها إذا تقاعد السبلاني أو غاب عن المشهد؟ مع التمني له بطول العمر. من سيحمل عبء المسؤولية ومن سيضمن استمرارها ويحفظ موقعها؟ المسألة ليست مجرد إرث شخصي والصحيفة ليست شركة تجارية عادية، بل هي أقرب إلى مؤسسة عامة تعني العرب الأميركيين ككل، ولذلك يقتضي الأمر أن يكون مستقبلها مسؤولية جماعية يمكن البدء في ترجمتها منذ الآن، بوجود السبلاني وبمشاركته الفعالة في إيجاد صيغة تكفل ديمومتها، والأرجح أنه قادر على ذلك.
ربما تكون الخطوة الأولى في خلق مجلس إدارة يتم اختيار أعضائه من الكفاءات الموجودة بين العرب الأميركيين، وكثيرة هي المؤهلات المناسبة لمهمة من هذا النوع، سيؤدي وجود مجلس إدارة متجانس إلى توفير إطار مؤسسي يعمل وفق ضوابط مهنية يرفد الصحيفة بما تحتاجه من إعلاميين وكتّاب وموظفين لضمان إستمرارها وتطويرها، كذلك يمكن العودة إلى فكرة قديمة طرحها السبلاني نفسه قبل سنوات، ولم تلق في حينه التجاوب المطلوب، ومفادها تحويل الصحيفة إلى شركة مساهمة يكون القرار المالي والإداري حصيلة تفاعل جماعي يتجاوز الشخصنة أو التفرد. ومن يرى ماذا حل بالصحف اللبنانية التي كانت تستند إلى شخص مؤسسها، وخصوصاً جريدة «السفير» التي أقفلت أبوابها عندما تدهورت الحالة الصحية لناشرها ورئيس تحريرها الراحل الأستاذ طلال سلمان، لا بد أن يخشى على «صدى الوطن» من مصير مشابه، أو مصير الصحف التي انتقلت إلى ورثة غير مناسبين.
ثمة حقيقة لا بد من الإشارة إليها، وهي صعوبة إيجاد شخص لقيادة الصحيفة كما فعل السبلاني بنجاح على مدار العقود الماضية، وهذه النقطة ينبغي أن تكون الحافز الأول لتشكيل إدارة جماعية تتولى مواصلة المسيرة بعد ٤٢ سنة من الجهد الفردي لرجل أتى إلى الإعلام من مجال مختلف تماماً، ومن حقه أن يتخفف قليلاً من الأعباء اليومية، وأن يفكر في تقاعد مستحق، ويرتاح إلى مستقبل مشروعه الذي كان شغله الشاغل لعقود طويلة تمثل معظم سنوات حياته.





Leave a Reply