إبتسام خنافر
في البداية، لم يكن أحد يتحدث عن السياسة. ليس لأنها غابت، بل لأنها أصبحت أثقل من أن تُقال بصوت عال.
الناس استيقظوا، خرجوا إلى أعمالهم، وأكملوا أيامهم كما يفعلون دائماً.
الأخبار موجودة، ولكنها تمرّ كما تمرّ موسيقى في مكان عام: تسمعها، ولا تجذبك بما يكفي لتصغي إليها.
شيء ما تغيِّر في الطريقة.
لم نعد نقرأ العالم من عناوينه الكبيرة، ولا من خطابات السياسيين، ولا من الأرقام التي تُلقى علينا بثقة لا تشبه الواقع.
أصبحنا نقرأه من أماكن أخرى، من الاقتصاد اليومي:
من الأسعار التي ترتفع بلا إعلان، من الخطط التي تَؤْجَّل بلا تفسير، من القرارات الصغيرة التي يتخذها الناس وكأنهم يستعدون لشيء لم يُعلن بعد.
ومن العلاقات أيضا. الحب، تحديداً، أصبح مرآة دقيقة لما يحدث في العالم.
في السابق، كان الحب وعدأ. اليوم، أصبح حساباً.
ليس لأن المشاعر ضعفت، بل لأن المستقبل نفسه
أصبح فكرة غير مستقرة.
لم يعد السؤال: هل نحب بعضنا؟ بل: هل نقدر الآن؟ الانتظار دخل العلاقات كما دخل السياسة والاقتصاد بإنتظار التحسن، انتظار الوضوح انتظار أن يهدأ كل شيء قليلاً قبل أن نلتزم.
وهكذا، صار العالم كله يعيش في وضع الانتظار.
لم يبدأ الأمر بقرار كبير. بدأ بتأجيل صغير: مكالمة لم تُجرَ، جملة حُذفت قبل الإرسال، موعد أَجّل إلى وقت
«أنسب».
كان يحبها، ولم يشك في ذلك. لكن الحب، حين يعيش في عالم مرتبك، يتعلّم الحذر.
كان يخاف أن يقول شيئاً يتحوّل لاحقاً إلى وعد.
والوعد، في هذه الأيام، صار يشبه ديون الكريديت كارد. سهل أن يؤخذ، صعب أن يُسدَّد.
في الأخبار، كانوا يتحدثون عن أزمات، عن توترات، عن قرارات مصيرية في غرف مغلقة. لكن الناس لم يعودوا يتفاعلون مع ذلك مباشرة.
كانوا يراقبون تفاصيل أخرى: سلوك الأسواق، توتر العلاقات، الصمت الذي يطول أكثر مما يجب: حتى الطعام صار إشارة.
طلب زائد في توقيت غريب… نشاط غير معتاد في أماكن لا تُذكر… تفاصيل لا تعني شيئاً وحدها، لكنها مجتمعة تقول: هناك شيء لا يُقال. كما في الحب تماماً.
كانت تكتب له أحياناً رسائل عادية وبسيطة. لم تكن تطلب شيئاً، لكنها كانت تترك مساحة ليطلب هو.
وكان يردّ -ليس ببرود- بل بحذر. يترك الكلمات آمنة، بلا مستقبل، بلا التزام.
كان يظن أنه يحمي العلاقة كما تظن الدول أنها تحمي إقتصادها حين تؤجّل القرارات الصعبة. وكما يظن السياسيون أنهم يحافظون على الاستقرار حين يؤجّلون المواجهة.
لكن التأجيل، حين يطول، لا يُبقي على شيء.
هو فقط يؤخّر الخسارة إلى أن تصبح أهدأ … وأقل وجعا.
في يوم ما، جلس أمام اسمها طويلاً. لم يكن هناك خلاف، ولا مشكلة، ولا كلمة ناقصة. كان هناك فقط عالم غير واضح، وعلاقة تحاول أن تعيش داخله.
كتب لها رسالة بسيطة. قرأها… تخيِّل ما قد يأتي بعدها… ثم مسحها.
وفي الجهة الأخرى، كانت تنتظر أيضا. ليست لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت تقرأ العالم بالطريقة نفسها، وتشعر أن التوقيت لم يعد مضموناً.
ومثلما تفعل الأسواق حين تفقد الثقة، انسحبت خطوة إلى الخلف.
لم يحدث شيء درامي. لا وداع. لا انفجار عاطفي.
فقط مسافة صغيرة كبرت ببطء.
في الأخبار، استمروا في الحديث عن كل شيء كان .شيئاً واحداً كان واضحاً لمن يراقب التفاصيل العالم لم يعد يثق بنفسه.
يظهر ذلك في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي الحب.
في تلك الليلة، فهم أخيرا أن الانتظار ليس فضيلة، بل أصبح لغة العصر. لغة نتحدث بها حين لا نعرف ماذا نفعل، وحين نخاف أن نختار، وحين نفضّل التحمّل على أن نكون واضحين
لكن الحب لا يعيش في حالة الاحتمال طويلاً. كما لا تعيش المجتمعات، ولا الاقتصادات، ولا الحقيقة.
الانتظار، في النهاية، ليس حياداً، وإنما قرار مؤجَّل.
وحين تُؤجّل القرارات، بما يكفي، تحسم نفسه بنفسها.
وفي الحبّ، كما في العالم، أكبر خسارة ليست أن تخطئ، بل أن ننتظر حتى يفوت الوقت الذي قد يسمح للخطأ أن يكون
إنقاذاً..






Leave a Reply