ديترويت
ديترويت، التي كانت تضمّ قبل عام ونيّف أكثر من 78,500 منزل مهجور ومتهالك، أصبحت اليوم موطناً لأكثر من 120 ألف قطعة أرض خالية، وسط أسئلة محيرة حول كيفية إعادة استثمار هذه المساحات الشاسعة لمواصلة نهضة المدينة التي كانت على شفا الإفلاس عام 2013.
فبعد أكثر من عقد من إطلاق أوسع عملية لهدم المباني المهجورة والمتداعية في تاريخ أميركا، باتت المدينة تحتوي اليوم –بحسب هيئة «بنك أراضي ديترويت»– على 122,929 قطعة أرض خالية، معظمها كان منازل لعائلة واحدة قبل أن يهجرها سكانها تدريجياً على مدار العقود الماضية.
في بعض الشوارع حالياً، يفوق عدد قطع الأراضي الخالية عدد المنازل القائمة. وبالمجمل، تبلغ مساحة هذه الأراضي مجتمعة 18 ميلاً مربعاً من العقارات الشاغرة. وهنا يكمن التحدي الأصعب، بحسب الخبراء.
ويعود هذا الكم الهائل من الأراضي الشاغرة جزئياً إلى جهود بلدية ديترويت التي قامت بإزالة عشرات آلاف المنازل المهجورة خلال السنوات الـ12 الماضية، بتكلفة ناهزت 515 مليون دولار.
وحتى الآن، قامت البلدية بهدم حوالي 31 ألف منزل، فضلاً عن بيع وترميم 31 ألف منزل آخر، فيما يجري التخطيط حالياً لهدم 297 منزلاً إضافياً بحلول نهاية العام الجاري.
بنك الأراضي
بينما يعرب سكان العديد من الأحياء عن سعادتهم بإزالة المنازل المهجورة، يبقى السؤال الأهم: ماذا نفعل الآن؟ وهل يمكن بناء منازل جديدة فوق الأراضي الخالية؟
في هذا الصدد، تقول تامي دانيلز، الرئيسة التنفيذية لهيئة «بنك أراضي ديترويت»، التي تُعدّ أكبر مالك للعقارات في المدينة بأكثر من 59 ألف قطعة أرض شاغرة، إن ديترويت تقف الآن عند «مفترق طرق»، وأمامها «فرصة لتحويل معضلة أخرى إلى قيمة عظيمة».
ويمتلك «بنك أراضي ديترويت» حوالي 48 بالمئة من إجمالي الأراضي الشاغرة في المدينة. أما الباقي فهو مملوك للقطاع الخاص.
وقالت دانيلز: «إن الأراضي الشاغرة المملوكة للقطاع العام في ديترويت، يفوق أي مدينة أميركية أخرى»، موضحة أن بنك الأراضي يعمل على تشجيع سكان ديترويت على شراء وتطوير العقارات التي يملكها، عبر برنامجين مختلفين للتملك، وهما برنامج «العقار المجاور» وبرنامج «عقار الجوار».
وصُمّم برنامج «العقار المجاور» لأصحاب المنازل الواقعة على حدود قطع أرض شاغرة مملوكة لبنك الأراضي، بحيث يمكنهم شراء العقار الخالي مقابل 100 دولار فقط بشرط ألا يكونوا متخلفين عن سداد ضرائب الملكية العقارية وألا تزيد مساحة العقار عن 7,500 قدم مربع.
وتُعرض قطع الأراضي المؤهلة للبرنامج حصرياً على الجيران لمدة 180 يوماً قبل أن تُتاح للآخرين.
أما برنامج «عقار الجوار» فيتيح لسكان الحي، الذين يعيشون على بُعد 500 قدم من العقارات المملوكة للبنك، فرصة شرائها مقابل 250 دولاراً، شريطة أن يكون استخدام الأرض «مُعتمداً» من قِبل جهة مجتمعية، مثل نادي الحيّ.
وبفعل هذين البرنامجين، بادر سكان ديترويت في بعض الأحياء إلى إنشاء مزارع حضرية وحدائق خاصة على قطع الأرض المجاورة لعقاراتهم. كما نجح آخرون في إقامة حدائق ومساحات عامة ضمن أحيائهم عبر ضم العقارات الشاغرة إلى بعضها البعض. وبالفعل، افتُتحت إحدى الحدائق العامة الخريف الماضي في شرق المدينة على أرض كانت تُستخدم سابقاً كمكبّ غير شرعي للنفايات.
ويُدرج بنك الأراضي حالياً، نحو 20,000 قطعة أرض من مخزونه ضمن برنامجي «العقار المجاور» و«عقار الجوار»، بينما تجري الاستعدادات لطرح المزيد من العقارات للبيع بحلول نيسان (أبريل) القادم.

منازل جديدة؟
بالنسبة لكثيرين لا يبدو تحويل الأراضي الخالية إلى مزارع وحدائق خاصة أو عامة، كافياً لمواصلة مسيرة تعافي ديترويت، حيث يعرب هؤلاء عن رغبتهم في رؤية منازل جديدة تشيّد فوق تلك العقارات الشاغرة، مما يساهم في تحسين جودة المعيشة في الأحياء ويلبي احتياجات النمو السكاني للمدينة.
ورغم أن الواقع الاقتصادي والديموغرافي في عموم ولاية ميشيغن، فضلاً عن وضع سوق الإسكان الخامل بشكل عام، يجعل تحقيق هذا الهدف صعباً في الوقت الراهن، إلا أن بنك الأراضي صرّح بأنه يسعى لضمان «إعادة استخدام الأراضي الشاغرة استخداماً مُنتجاً يُلبي احتياجات ديترويت السكنية المُتطورة».
ولكن خلال عام 2025 بأكمله، صدرت 31 رخصة فقط لبناء منازل جديدة في المدينة، فيما حددت رئيسة البلدية الجديدة، ماري شيفيلد، هدفاً يتمثل في بناء 1,000 منزل جديد في ديترويت خلال فترة ولايتها الأولى التي تمتد لأربع سنوات.
يرى المراقبون أنه على قادة المدينة وضع خطط شاملة لإيجاد استخدامات جديدة للأراضي غير المستغلة، بمن فيهم جانيل أوكيف من منظمة «استمروا في تنمية ديترويت»، وهي منظمة غير ربحية تدعم القطاع الزراعي في المدينة.
وقالت أوكيف: «عندما نفكر في 18 ميلاً مربعاً من الأراضي غير المستغلة، فمن المرجح أن يكون هناك متسع كافٍ لاستغلالها على أكمل وجه»، مؤكدة أن المقاربة يجب ألا تقتصر على توجه واحد، بل يجب أن تنظر في استخدامات متنوعة سواء عبر بناء منازل جديدة أو إقامة حدائق أو أراض زراعية.
ودعت أوكيف، سكان ومسؤولي ديترويت إلى التفكير في استخدامات مبتكرة للأراضي الخالية، مثل إنشاء غابات وأراض رطبة مفتوحة فضلاً عن إنشاء منتزهات جديدة، مضيفة بأن مسؤولي بنك الأراضي، بالتعاون مع البلدية، يتيحون بالفعل، للسكان ونوادي الأحياء دوراً محورياً في تحديد مستقبل الأراضي الشاغرة في مناطقهم وعليهم الاستفادة من ذلك.
وقد أعدّت منظمة أوكيف تقريراً، العام الماضي يوصي بإجراءات محددة ينبغي على البلدية اتخاذها في إطار استراتيجية موحدة على مستوى المدينة، وتشمل تعزيز الالتزام بضرائب العقارات وقوانين البناء وإنشاء شبكة متصلة من المساحات المفتوحة تربط الأحياء ببعضها، إلى جانب مواصلة البحث عن سبل لتمويل ترميم المنازل القائمة وإعادة تأهيلها.
بدوره، قال جون روتش، المتحدث باسم البلدية، إن وضع استراتيجية شاملة لمعالجة تحدي الأراضي الشاغرة في ديترويت يتطلب عملية تخطيط شاملة على مستوى المدينة تبدأ باستطلاع آراء السكان، مؤكداً أن هذه العملية جارية حالياً، على حد قوله.






Leave a Reply