ابتسام خنافر
في المدن البعيدة، لا يُقاس الشتاء بدرجات
الحرارة، بل بقدر ما يُوقظ من ذاكرة، وبما يتركه في القلب من دفءٍ لا تراه العيون.
ليس الثلج ما يغيّر شكل المدينة، بل الذكريات التي
تستيقظ معه حين يهبط بصمت.
في كل شتاءٍ بعيد، أفتش عن نفسي بين ندف الثلج الأولى، كأنني أبحث عن صوتٍ قديمٍ يهمس: (ما زلتَ هنا».
فكل مدينةٍ يهبط فيها الثلج تُعيد تعريف الصمت على طريقتها، أما في ديربورن، فحين تثلج، يتكلّم الحنين
بلهجةٍ بيضاء.
أول ثلج في الغربة لا يُنسى، لأنه لا يهبط على
الشوارع فقطّ، بل على القلب أيضاً.
هناك صباحات تأتي مختلفة. تستيقظ فيها وكأنك ولدتَ من جديد. تفتح الستارة فلا ترى العالم كما تركتَه بالأمس، بل مغطّى بطبقةٍ بيضاء ناعمة، تشبه رسالة من السماء تقول:
«اهدأ، كل شيء يبدأ من جديد».
في ذلك الصباح، كانت ديربورن مزيجاً من الفصول:
ثلجُ خفيف يغطي الأرض كوشاحٍ من حرير، وأوراقٌ حمراء وصفراء تودّع أغصانها، وعشَّبٌ أخضر ما زال يقاوم البرد كأنه يرفض الاعتراف بانتهاء الربيع.
كأن الأرض أرادت أن تختصر دورة الحياة كلها في مشهدٍ واحد.
جلستُ قرب النافذة، فنجان القهوة بين يديّ، والبخار
يتسلّل كأفكارٍ لا تريد أن تُقال.
كنتُ أراقب المشهد وأغوص في رأسي، أفكر بكل
ما كان، وبكل ما لم يكن.
رنّ الهاتف، فكسر رنينه الصمت العميق.
«شو عم تعملي؟».
قلتُ الجواب المعتاد: («ولا شي، قاعدة)».
لكنني في الحقيقة كنت أفعل كل شيء. كنتُ أعيش وأتذكر وأحاور نفسي بصمتٍ لا يسمعه أحد.
ثم جاءت الدعوة إلى الفطور.
كأن الصباح نفسه مدّ يده وقال لي: ((هيا، اخرجي من أفكارك قليلاً … فالعالم جميل أيضاً في الخارج».
خرجتُ
كانت الشوارع تكتسي طبقةً من البياض الخفيف والأشجار تلمع تحت الضوء كأنها تبتسم.
في السيارة، كان صوت سلوى القطريب ينساب مثل دفءٍ خفيفٍ فوق البرد، تغنّي بنبرتها الحنونة:
«خدني معك على دربٍ بعيدة، مطرح ما كنّا ولاد
صغار».
ومع كلّ كلمة، كنتُ أشعر كأن شيئاً في داخلي
يُفتح على مهل:
بابٌ قديم في الذاكرة لم يُطرَق منذ زمن.
كانت تتابع: ((ودفّي ربيعي بشمس جديدة، نسّيني يوم اللي صرنا كبار».
فابتسمتُ، ثم صمتُ طويلاً.
كم يشبهنا هذا الرجاء، نحن الذين نحمل في حقائبذ تلوباً صغيرة تشتاق لطفولتها،. نعيش حاضراً مزدحم بالحنين إلى ما كان أبسط، أصدق، وأقرب إلى الدفء.
كانت الأغنية في تلك اللحظة أكثر من موسيقى؛
كانت همساً دافئاً يتسلّل بين نبضاتي.
همستُ مع الأغنية: «قول للهوا ينسّيني… يوم اللي صرنا كبار»، وشعرتُ أن شيئاً في قلبي بدأ يذوب، كما يذوب الثلج على زجاج الذاكرة.
أعدتُ الأغنية أكثر من مرة،
وكانت تمشي معي، لا أمامي ولا خلفي، بل توازي
دقات قلبي كأنها تعرفني.
ذلك الدرب البعيد يشبه ما نحمله في الغربة من شوقٍ مؤجّل، ومن حبّ لم يقل كلمته بعد، ومن خوفٍ صغيرٍ من أن نصحو يوماً ولا نجد شيئاً يشبهنا.
عند الإشارة، فتحتُ الهاتف: الثلج على الشاشات…
ووجوه من الوطن.
امتلأت الشاشة بصور الثلج: أطفال يضحكون، سياراتٌ مغطاة بالبياض، وشرفاتٌ تكتسي النعومة فسها التي تراها أمامك.
الناس في ديربورن وخارجها يحتفلون ب«الثلجة
الأولى»، ترافقها أغنيات فيروز:
«رجع كانون… والثلج عم بيدقّ الشبابيك… ورجعت
أيام الشتوية».
كانت فيروز تُغنّي وكأن صوتها لا يأتي من راديو أو هاتف، بل من ذاكرةٍ جماعية نعيشها كلنا أينما كنا.
أغنية بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل ما لا يُقال:
دفء البيوت القديمة، ورائحة الصوبيا، وأحاديث العائلة حين كان البرد يجمعنا
فيروز في تلك اللحظة لم تكن تُغنّي عن الطقس،
بل عن الوطن حين يُختصر في صوتٍ.
ولذلك، حين تسمعها وأنت بعيد، تشعر أن الشتاء لم يأتِ ليُبردك، بل ليذكرك أن قلبك ما زال هناك، في مكانٍ يُسمّى البيت.
أبتسمتُ. كم يشبهنا هذا الحنين.
بحث عن دفءٍ في صوتٍ عتيق، ونتشارك على
الشاشات ما كنا نعيشه في الشوارع ذات يوم.
فى الغربة، نصنع من التفاصيل أوطاناً صغيرة، ومن الأغاني، بيوتاً مؤقتة تعيدنا إلينا قليلاً…
حين وصلتُ إلى الفطور، سبقتني رائحة الزعتر.
جلستُ أمامٍ أول منقوشةٍ في أول ثلجةٍ. شعرتُ أنني تناول شيئاً أكبر من وجبة فطور.
كل لقمةٍ كانت بطعم وطن، وكل رشفة شاي حكاية.
في الخارج الثلج، وفي الداخل دفء، وفي المَنتصف
إنسان يحاول أن يتصالح مع الحياة.
بعد الفطور، جلستُ أراقب الثلج من جديد.
حتى القطط كانت تراقب المشهد من خلف النافذة، تمدّ أكفّها نحو الزجاج، تحاول لمس الندف البيضاء، ثم تتراجع بدهشة.
ضحكتُ بخفوت، وشعرتُ أنني أشبهها. أمدّ يدي نحو الحياة بخوفٍ وفضول،
أريد أن ألمسها، لكن دون أن أبتعد عن الأمان كثيراً.
ذلك اليوم، علّمني أن الفصول ليست في السماء
فقط، بل فينا نحن أيضاً.
نحزن فنصبح خريفاً، نسكت فنصبح شتاءً، نحلم
فنصير ربيعاً من جديد.
الثلج لا يأتي ليجمّد الحياة، بل ليعيد ترتيبها…
ينظّف الشوارع من ضجيجها، والقلوب من تراكماتها…
ربما لهذا، حين يهبط الثلج، نشعر أن شيئاً فينا يُشفى.
ذلك الصباح لم يكن عن الطقس، بل عن الإنسان
في بحثه الدائم عن معنى بسيط:
عن دفءٍ في البرد، عن صوتٍ مالوف في الغربة،
عن شيءٍ يذكره بأنه ما زال حيّاً.
لثلج الأول لمٍ يصنعٍ رجالاً من الثلج، لكنه صنع في داخلي سكينة، ورغبة في أن أعيش اللحظة كما هي، بكل ما فيها من حبّ وشوقٍ وخوفٍ وجمال وربما لا نحتاج أكثر من هذا:
نافذة مفتوحة على العالم، فنجان قهوة، أغنية من زمن جميل، وبعض الثلج ليذكرنا أن الحياة، مهما تغيّرت، ما زالت تعرف كيف تَدهشنا.
في ديربورن، كما في أي مكانٍ على الأرض، حين تنظر إلى الثلج الأول، ستشعر أن العالم يتوقف لحظة وأن شيئا فيك يهدأ، وشيئا آخر يستيقظ.
قد تكون بعيداً عن وطنك، لكن دفء الذكرى لا يُغادرك، فالحنين هو الثلج الحقيقي. ينزل بصمت، لكنه بغيّر ملامح كل شيء.






Leave a Reply