آناربر
لم تحتَج إدارة «جامعة ميشيغن» في آناربر لأكثر من ساعات قليلة لتؤكد إذعانها التام لإرادة أنصار إسرائيل على حساب حرية التعبير، حيث سارع رئيس الجامعة إلى استنكار خطاب أحد المتحدثين في حفل التخرج الربيعي، يوم السبت الماضي، لمجرد إشادته بالطلاب المناهضين لحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.
وخلال الحفل، خرج رئيس مجلس شيوخ هيئة التدريس المنتهية ولايته في «جامعة ميشيغن»، ديريك بيترسون، عن نص خطابه للإشادة بالنشطاء الطلابيين الذين «فتحوا قلوبنا على ما تنطوي عليه حرب إسرائيل في غزة من ظلم ولاإنسانية». وأثار التعليق غضب أعضاء مؤيدين لإسرائيل في مجلس أمناء الجامعة وأفراد من المجتمع المحلي ممن عبروا عن استيائهم عبر الإنترنت، وصولاً إلى حدّ اتهام بيترسون بمعاداة السامية.
وفي بيان عاجل صدر مساء اليوم نفسه، وصف رئيس الجامعة دومينيكو غراسو تصريحات البروفسور بيترسون بأنها «جارحة وتفتقر إلى مراعاة مشاعر العديد من أفراد مجتمعنا الجامعي»، مؤكداً أنه سيعمل مع الإدارة على مراجعة برامج حفلات التخرج المستقبلية. وأضاف: «إننا نأسف للألم الذي تسبّبت فيه هذه التصريحات في يوم خُصّص للاحتفال بالإنجازات والتفوّق. ولهذا السبب، تتقدم الجامعة باعتذارها».
وجاءت كلمة بيترسون التي قوبلت بترحيب عارم من قبل الخريجين وسط تداعيات لا تزال مستمرة للاحتجاجات الطلابية التي شهدتها الجامعة ضد الاحتلال الإسرائيلي وحربه على غزة في الفترة الممتدة من أواخر عام 2023 وحتى أوائل عام 2025.
وقد واجه العديد من النشطاء الطلابيين والمجتمعيين تهماً جنائية تتعلق بالتعدي على الممتلكات ومقاومة الشرطة، شملت تهماً وجهتها المدعية العامة لولاية ميشيغن، دانا نسل، بذريعة تعرض منازل ومكاتب بعض قيادات «جامعة ميشيغن» – بمن فيهم الرئيس السابق سانتا أونو وأعضاء في مجلس الأمناء – لأعمال احتجاج وتخريب.
وعلاوة على ذلك، وفي مطلع ولايته الثانية، أدرجت إدارة الرئيس دونالد ترامب «جامعة ميشيغن» ضمن قائمة من المؤسسات التعليمية التي ستخضع للتحقيق، وذلك للاشتباه في سماحها بتفشي ظاهرة معاداة السامية داخل الحرم الجامعي.
وفي هذا الإطار جاء بيان غراسو ليتنصل تماماً من خطاب بيترسون، بوصفه «غير لائق، ولا يمثل الموقف المؤسسي للجامعة القائم على الحياد»، مشدداً على أن بيترسون قد خرج عن نص الكلمة التي شاركها مع إدارة الجامعة قبل بدء حفل التخرّج. وأضاف رئيس الجامعة أن التعليق المذكور يُعد «غير لائق، ولا يمثل الموقف المؤسسي للجامعة القائم على الحياد».
لا تراجع
ردّاً على بيان غراسو والانتقادات الصادرة عن بعض أعضاء مجلس الجامعة والمرشحين لشغل عضوية المجلس، صرّح بيترسون، يوم الاثنين المنصرم، لوسائل إعلام محلية، بأن كلمته خلال حفل التخرّج لم تكن تهدف إلى إثارة الانقسام أو الجدل، موضحاً أنه كان فقط يرغب في الاحتفاء بإرث النشاط الطلابي داخل الجامعة، ورأى أنه من الواجب ذكر الطلاب الذين طالبوا بإنهاء حرب غزة، ووقف استثمارات الجامعة في إسرائيل وفي قطاع تصنيع الأسلحة.
وقال بيترسون، أستاذ التاريخ والدراسات الأفريقية في «جامعة ميشيغن»، إنه «في يوم تكريم الخريجين، أردتُ تكريم النشطاء الطلابيين وتسليط الضوء على الدور الذي أدّوه في صياغة معالم هذه الجامعة لتصبح ما هي عليه اليوم»، بمن فيهم الطلاب المناهضون لحرب غزة.
كما أعرب بيترسون عن دهشته إزاء بيان غراسو، مشيراً إلى أنه كان يتمنى لو أن رئيس الجامعة أظهر التزاماً أكبر بحماية وجهات نظر أعضاء هيئة التدريس، لا سيما تلك التي لا تُعد «غير معقولة».
وقال بيترسون: «لقد صغتُ كلمتي بطريقة تهدف إلى جعلها بعيدة قدر الإمكان عن إثارة الجدل». وأضاف: «لو أتيحت لي الفرصة لتكرار الأمر، لأضفت التعبير عن تعاطفي مع ضحايا السابع من أكتوبر 2023… وكذلك مع الطلاب الذين بادروا بتكريم ذكراهم»، مؤكداً أنه «لم يكن في أي شيء قاله ما هو معادٍ للسامية».
وأضاف أن بيانه قد خضع لمراجعة كاملة من قبل الجامعة. وقال إن الجامعة أوصت بعدم الإشارة إلى الحرب باعتبارها «إبادة جماعية» أو تسمية مجموعات طلابية بعينها – وهو ما لم يفعله بيترسون – وذلك تجنباً لإثارة «استياء غير ضروري».
وانتشرت مقاطع فيديو قصيرة للخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي، فيما نشر بيترسون نسخة أطول على «يوتيوب»، تظهر تناوله لتاريخ النشاط الطلابي في الجامعة، بدءاً من نضال النساء للالتحاق بالجامعة مروراً بحركة الطلاب السود، ووصولاً إلى الطلاب المؤيدين لفلسطين.
وأكد بيترسون في تصريحات لاحقة، أنه كان يسعى من خلال كلمته باسم الهيئة التدريسية إلى الاحتفاء بالنشاط الطلابي داخل الحرم الجامعي عموماً، موضحاً أنه استعرض تاريخاً موجزاً للأشخاص الذين ناضلوا ضد «الوضع الراهن» ليجعلوا من الجامعة ما هي عليه اليوم؛ بدءاً من النساء اللواتي ناضلن من أجل الحصول على حقهن في الالتحاق بالجامعة.
كما أشار إلى قبول الجامعة للطلاب والأساتذة اليهود في وقت كانت فيه جامعات أخرى ترفضهم بسبب معتقداتهم الدينية، كما أشاد بنشاط الطلاب السود الذين سعوا للدفع باتجاه وضع منهج دراسي يعكس تجربتهم وهويتهم بصورة أدق. وقال بيترسون خلال حفل التخرج في آناربر: «إن عظمة هذه المؤسسة لا تقتصر فحسب على أكتاف وإنجازات طلابنا الرياضيين، الذين يستحقون كل ما يمكننا تقديمه لهم من تهاني؛ بل إن عظمة هذه الجامعة ترتكز أيضاً على شجاعة وقناعة الطلاب الناشطين، الذين دفعوا بهذه الجامعة قدماً على طريق العدالة».
ودافع بيترسون عن خطابه لاحقاً بالقول: «لا ينبغي أن يكون من المثير للجدل أن يُظهر المرء تعاطفه مع اللاإنسانية والظلم في حرب إسرائيل على غزة». وأضاف: «جامعة ميشيغن ليست مدرسة لتأهيل الطلاب أكاديمياً فحسب، بل مؤسسة تُعلّمهم مواجهة الخلافات بشجاعة».
وأكد أن التعاطف مع المظلومين فضيلة إنسانية أساسية، وهي صفة يتعيّن على الطلاب تعلّمها بغض النظر عن توجّهاتهم السياسية، وأن النشاط الطلابي جزء من تاريخ الجامعة العريق، لافتاً إلى أن «الطلاب لا يحتاجون إلى حنان عاطفي مفرط، بل إلى التشجيع لمواجهة عالم مليء بالعيوب والظلم».
هجوم شرس
من جانبها، وصفت عضو مجلس أمناء «جامعة ميشيغن»، الجمهورية سارة هابرد، ما ورد في خطاب بيترسون بأنه «مثير للقلق ومخيب للآمال»، ملمحةً إلى إمكانية اتخاذ إجراءات تأديبية بحقه.
وقالت هابرد في منشور عبر منصة «أكس»: «من الصعب للغاية فرض عقوبات ذات مغزى على أعضاء هيئة التدريس الذين يتمتعون بوضع التثبيت الوظيفي؛ ولكن بصفتي قيادية، يمكنني المساعدة في تحديد النبرة العامة ورسم التوقعات الخاصة بسلوكهم المهني». وأضافت: «لقد كان سلوكه غير لائق بمكانة قائدٍ لأعظم جامعة في العالم».
وتابعت قائلة: «بصفتنا مجلس إدارة الجامعة، تتاح لنا فرصة لإحداث تغييرات دائمة من شأنها تصحيح مسار هذا النوع من السلوك. وإنني أتطلع قدماً لمناقشة هذا الأمر مع زملائي في مجلس الأمناء ومع الإدارة الجامعية».
كذلك، شنّ المرشحان الجمهوريان لعضوية مجلس أمناء الجامعة، مايكل شوستاك ولينا أبستين، هجوماً حاداً إلى إدارة الجامعة لسماحها لبيترسون بالتحدث في حفل التخرج، رغم «سجله المثير للانقسام».
وفي بيان مشترك صدر عنهما عقب الحفل، أعرب شوستاك وأبستين عن خيبة أملهما إزاء خيار بيترسون «إلقاء خطاب معادٍ لإسرائيل أمام خريجينا وعائلاتهم والعالم الذي يراقبنا».
وصرّح شوستاك بأنه كان ينبغي للجامعة أن تدرك أن بيترسون سيدلي بهذا النوع من التعليقات نظراً لتاريخه الذي يشمل تمرير قرارات تدعو الجامعة إلى سحب استثماراتها من إسرائيل وقطع شراكاتها البحثية مع المؤسسات الإسرائيلية.
وقال شوستاك: «خلاصة القول هي أنه كان ينبغي التوضيح بجلاء شديد أنه لا ينبغي له التطرق لتلك القضية المشحونة عاطفياً بالنسبة للجامعة». وأضاف أن حفل التخرج «من المفترض أن يتمحور حول الطلاب، وليس حول أمر يقع على بعد 6,000 ميل»، مستدركاً بأنه «مؤمن بحرية التعبير بالمطلق؛ ومع ذلك، فإن هناك وقتاً ومكاناً وأسلوباً ملائماً لمثل هذه التعليقات، وهذا الحفل لم يكن هو الوقت أو المكان المناسب لذلك».
مقلد يدافع
المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس أمناء الجامعة، أمير مقلد، انبرى للدفاع عن حق بيترسون بالتعبير، وقال في بيان إن «جامعة ميشيغن»، «تمتلك تقليداً عريقاً يتمثل في رفع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس لأصواتهم بشأن القضايا المصيرية في عصرهم، بدءاً من الجلسات التثقيفية حول حرب فيتنام، وصولاً إلى الحركات المطالبة بالحقوق المدنية وحقوق العمال وحقوق الإنسان».
وقال المحامي العربي الأميركي الذي تبرّع بتمثيل العديد من النشطاء الطلابيين أمام المحاكم، إن كلمة البروفسور بيترسون عكست تقاليد الجامعة الحقيقية، مشيداً بإقراره «بأصوات الطلاب وبالدور الذي تؤديه الجامعة في تعزيز الحوار المفتوح والمشاركة النقدية البنّاءة».
وصرّح مقلد بأنه لا يؤيّد أيّ شكل من أشكال الكراهية، بما في ذلك معاداة السامية ورهاب الإسلام والعنصرية ضد السود؛ غير أنه أكد أن «حماية الطلاب من الكراهية يجب ألا تأتي على حساب قمع التعبير السلمي والمشروع، أو التهرّب من خوض النقاشات الصعبة».
ويخوض مقلد في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، السباق على مقعدين مفتوحين في مجلس «جامعة ميشيغن» بعد ترشيحه من قبل الحزب الديمقراطي إلى جانب العضو الديمقراطي الحالي في المجلس بول براون، بمواجهة المرشحين الجمهوريين شوستاك وأبستين.
ويتكوّن مجلس الجامعة العريقة من ثماني مقاعد يسيطر الديمقراطيون حالياً على ستة منها، بمن فيهم العضو الحالي المؤيد لإسرائيل جوردان آكر، الذي استبعده مؤتمر الحزب الديمقراطي من السباق لصالح مقلد.







Leave a Reply