فارمينغتون هيلز
مثُلت سيدة الأعمال العربية الأميركية، فاي بيضون، الأربعاء الفائت، أمام «المحكمة 47» في مدينة فارمينغتون هيلز، حيث وجهت إليها 16 تهمة جنائية من قبل مكتب الادعاء العام بولاية ميشيغن، من ضمنها إدارة مشروع إجرامي والسرقة عن طريق الاحتيال وتقديم مستندات مالية مزورة لاستغلال منحة حكومية بقيمة عشرين مليون دولار للإثراء الشخصي.
وخلال الجلسة، دفعت المديرة التنفيذية السابقة لـ«غرفة التجارة العربية الأميركية» ببراءتها عبر التزام الصمت، الذي وثقته المحكمة بـ«غير مذنبة»، قبل أن يُطلق سراحها بكفالة مالية إلى حين مثولها مجدداً أمام القضاء في 20 أيار (مايو) الجاري.
ووافقت المحكمة على منح بيضون (62 عاماً) كفالة شخصية بقيمة 50 ألف دولار سيتم دفعها في حال تخلفها عن حضور جلسات المحاكمة، مشترطة تسليم جواز سفرها خلال 24 ساعة لضمان عدم مغادرتها الولايات المتحدة، إضافة إلى إلزامها بإنهاء إجراءات أخذ البصمات الجنائية قبل موعد الجلسة المقبلة أمام القاضية مارلا باركر.
وكانت مدعي عام ولاية ميشيغن، دانا نسل، قد أعلنت يوم الاثنين الماضي عن توجيه 16 تهمة جنائية ضد بيضون تتضمن الاحتيال والسرقة المزعومة لأموال منحة حكومية بقيمة 20 مليون دولار كان مجلس ميشيغن التشريعي قد أقرها لصالح منظمة «غلوبال لينك إنترناشونال» التي أسستها بيضون بالتزامن مع إجراءات إقرار المنحة وخلال توليها منصب المديرة التنفيذية لـ«غرفة التجارة العربية الأميركية».
وجاءت منحة مؤسسة بيضون الوليدة ضمن حزمة مالية بقيمة مليار دولار تم تخصيصها في ميزانية الولاية لعام 2022 تحت بند تمويل 114 منظمة غير ربحية تحظى برعاية خاصة من أعضاء المجلس التشريعي الذي كان يهيمن عليه الجمهوريون آنذاك.
قائمة الاتهام
شملت قائمة الاتهام الصادرة بحق بيضون ما يلي: تهمة واحدة تتعلق بإدارة مشروع إجرامي تصل عقوبتها إلى السجن لمدة 20 سنة، وسبع تهم بتداول ونشر مستندات مزورة عقوبتها السجن لـ14 سنة عن كل تهمة، بالإضافة إلى تهمة بالتزوير ذات العقوبة المماثلة، وكذلك تهمة واحدة بالسرقة عن طريق التحويل لمبلغ يتجاوز 20,000 دولار وعقوبتها 10 سنوات سجن، إلى جانب ست تهم أخرى بالسرقة عن طريق التحويل لمبالغ دون 20,000 دولار، والتي تصل عقوبتها إلى السجن لمدة خمس سنوات.
وزعمت نسل أن بيضون أدارت مشروعاً إجرامياً لاستخدام تلك الأموال في نفقات شخصية ولإثرائها الخاص، كما كذبت مراراً وتكراراً على «مؤسسة التنمية الاقتصادية بميشيغن» (MEDC) عند الإبلاغ عن كيفية استخدامها للمال العام.
وأضافت نسل: «إن العملية التي تم من خلالها اقتراح هذه المنحة ومنحها وإدارتها لا تحمل أي تشابه تقريباً مع عمليات المنح التقليدية، ولم تكن ممكنة إلا من خلال نظام يزاوج بين المحسوبية السياسية والرقابة المتدنية».
ووفقاً لبيان تم نشره على الموقع الإلكتروني لمكتب الادعاء العام بميشيغن، حصلت بيضون على «منحة تعزيز ميشيغن» لعام 2022 بهدف إنشاء منظمة لجذب المواهب والشركات العالمية إلى ميشيغن تحت إشراف مؤسسة MEDC، وهي المؤسسة التي كانت بيضون تشغل عضويتها التنفيذية وقت نيل المنحة. وبالرغم من تخصيص هذه الأموال العامة لجذب الاستثمارات، إلا أن جهود شركتها «غلوبال لينك إنترناشيونال» لم تنجح في نقل أي نشاط تجاري إلى الولاية، بل تم استغلالها لتحقيق مكاسب شخصية وتأمين راتب سنوي ضخم لنفسها بقيمة 550,000 دولار.
وزعم البيان بأن بيضون قامت بتزوير فاتورة من مكتب محاماة وتقديمها لمؤسسة MEDC لتضليلها بشأن النفقات وصرف أموال المنحة على تكاليف قانونية شخصية، كما قدمت وصفاً كاذباً لعقد إيجار بقيمة 40,800 دولار، وإيصالاً باللغة الفرنسية لشراء سجادتين تونسيتين يدويتي الصنع بأكثر من 6,000 دولار مدعيةً أنها تكاليف لاستضافة مستثمرين في الخارج.
وأضاف بيان الادعاء العام بأن بيضون ادّعت كذباً أن تكاليف طعام لمناسبتين في عام 2023 كانت لفعاليات تخص منظمة «غلوبال لينك إنترناشونال»، بينما كانت في الحقيقة لتغطية نفقات عشاءين استضافت خلالهما رئيس بلدية ديترويت السابق، مايك داغن، في منزلها الخاص، بالإضافة إلى استخدام أموال المنحة في مشتريات شخصية شملت أثاثاً وديكوراً منزلياً من «رويس للإضاءة» بأكثر من 5,000 دولار ومستلزمات حدائق من «آيس هاردوير» بقيمة 1,400 دولار، وصولاً إلى تقديم تقارير كاذبة بهدف منع وقف المنحة وضمان استمرار سحب راتبها الشخصي.
وكان الادعاء العام بميشيغن قد بدأ تحقيقاً رسمياً حول المنحة التشريعية المقدّمة لـ«غلوبال لينك إنترناشونال» في عام 2024، وهو ما أدى لاحقاً إلى قيام مؤسسة MEDC بوقف صرف المنحة الحكومية في 18 آذار (مارس) 2025، وذلك بعد حصول منظمة بيضون على عشرة ملايين دولار من أصل عشرين مليوناً مخصصة لها.
وجاء تعليق المنحة إثر ظهور تقارير تكشف عن مخالفات مالية، ليقوم مكتب المدعي العام في أيلول (سبتمبر) المنصرم بتجميد ما يزيد عن 6.3 مليون دولار من أموال تلك المنحة المودعة في حسابات مصرفية مرتبطة ببيضون، وفق بيان نسل.
وفيما رفضت بيضون الإجابة على أسئلة الصحفيين أمام منزلها في فارمينغتون هيلز، يوم الأربعاء الماضي، قال محاميها فينسنت هايشا: «على مدى الأشهر الستة الماضية، حاول مكتبنا إثبات الطبيعة غير المنطقية للادعاءات ضد السيدة بيضون. ولكن رغم تلك الجهود، من الواضح أن أطرافاً معينة شعرت بالحاجة إلى تعزيز هذا المشهد العلني بطريقة لا تدعمها الأدلة التي رأيناها ولا المواد التحقيقية التي نمتلكها، وكالعادة سنحتفظ بأفضل حججنا لقاعة المحكمة».
فتح الملفات
جاء التحقيق في هذه القضية على خلفية تقارير استقصائية من صحيفة «ديترويت نيوز» التي كشفت بأن المنظمة غير الربحية التي تلقت المنحة لم تُسجل رسمياً إلا بعد إقرار ميزانية ولاية ميشيغن لعام 2022.
ومع أن «غلوبال لينك» لم تكن مسجلة رسمياً لدى الولاية إبان تلقّي المنحة، حيث تم تسجيلها في مقاطعة أوكلاند بعد فترة وجيزة من الحصول على التمويل، إلا أن السجلات العامة أظهرت بأن بيضون أنفقت 408 آلاف دولار على رواتب الموظفين خلال الشهور الثلاثة الأولى من تسلّمها 10 ملايين كدفعة أولى من المنحة، ليتبين لاحقاً بأن الموظفين المزعومين لم يكونوا سوى بيضون نفسها مع موظف آخر.
كما شملت المصاريف 11 ألف دولار من أموال دافعي الضرائب كنفقات لتغطية سفرها وحضورها لمؤتمر في العاصمة المجرية بودابست، وكذلك إنفاق 4,500 دولار ثمناً لماكينة تحضير القهوة، إضافة إلى 100 ألف دولار لرعاية «أسبوع ميشيغن للتكنولوجيا»، و130 ألف دولار كأتعاب لشركات قانونية واستشارية خلال الشهور التسعة الأولى من عمل المنظمة المزعومة.
وبيّنت السجلات أيضاً بأن بيضون خصصت لنفسها راتباً سنوياً بقيمة 550 ألف دولار سنوياً، كما دفعت 40 ألف دولار لمشتريات الأثاث، الذي جرى شحن جزء منه إلى منزلها الكائن في مدينة فارمينغتون هيلز، فيما شحن الجزء الآخر إلى عنوان في مدينة برمنغهام، وهو العنوان الذي كان من المفترض أن يتم اتخاذه مقراً للمنظمة غير الربحية.
وكانت بيضون تتمتع بعلاقات وطيدة مع الحاكمة الديمقراطية غريتشن ويتمر التي عينتها في عام 2019 في عضوية لجنة العلاقات الأميركية الشرق أوسطية، وفي اللجنة الاستشارية لمؤسسة التنمية الاقتصادية بميشيغن (MEDC) التي تشرف سنوياً على توزيع وإدارة ومنح حوافز حكومية بعشرات ملايين الدولارات للمؤسسات القائمة، وكذلك للمؤسسات قيد التأسيس.
وحين حصلت بيضون على الدفعة الأولى من أموال المنحة، كانت لا تزال تشغل منصب المديرة التنفيذية لـ«غرفة التجارة العربية الأميركية» التي أفاد مسؤولوها لاحقاً بأنه كان من المفترض منها أن تستحصل على التمويل لصالح الغرفة التجارية، إلا أنها قامت بدلاً من ذلك بتأسيس منظمتها الخاصة لتضمن المنحة لنفسها، ثم غادرت الغرفة لتقود المؤسسة الجديدة المسجلة بعنوان منزلها في مدينة فارمينغتون هيلز.







Leave a Reply