ابتسام خنافر
هناك أشياء لا نعرف متى بدأت، لكنها تبقى معنا كأنها وُلدت داخلنا منذ البداية. أشياء تتسلل إلى حياتنا بهدوء، مثل الضوء الذي يدخل من نافذة قديمة، أو رائحة القهوة في صباحٍ شتوي. صوت هاني شاكر كان واحداً من تلك الأشياء. لم نجلس يوماً لنقرر أن نحبه، لكنه كان موجوداً دائماً؛ في البيوت، في الطريق، في المساءات الطويلة، وفي قلوبنا قبل أن نفهم حتى معنى الحب.
كبرنا في بيوتٍ أصواتها أكثر من أثاثها. كاسيت يدور بلا ملل، إخوة يرددون الأغاني، وضحكات تنتقل من غرفة إلى أخرى. كنا صغاراً لا نفهم الكلمات كلها، لكننا نحفظ الإحساس. وأختي الصغيرة كانت تقول «اثلطفك» بدلاً من «استلطفك»، وتضحك، وكأنها دون أن تدري منحت الأغنية بُعداً آخر يخصّنا نحن وحدنا.
ثم كبرنا قليلاً، وبدأت الأغاني تأخذ شكلاً آخر. لم تعد مجرد ألحان، بل صارت مرايا نرى أنفسنا فيها. في المراهقة، حين يصبح القلب هشاً وسريع الارتباك، كنا نسمع «لو بتحب حقيقي» وكأننا ننتظر جواباً من الحياة. ونحلم بلحظة نقول فيها لشخصٍ ما: «يا ريتني قابلتك قبل ما قابل حد..»، وكأن الحب الحقيقي لا يجب أن يأتي متأخراً أبداً.
في ذلك الزمن، كان الحب يختبئ في التفاصيل الصغيرة. سيارة تمرّ ببطء تحت الشرفة، أغنية ترتفع قليلاً لتصل إلى أسماع شخص معين، وفتاة تقف خلف الستارة تنتظر تلك اللحظة وكأنها موعدها الوحيد مع العالم. أحياناً كانت تخرج بعذرٍ بسيط، درس أو زيارة صديقة، لكنها في الحقيقة كانت تخرج لترى وجهاً واحداً فقط. تمرّ أمامه لثوانٍ، يراها وتراه، وينتهي الأمر عند هذا الحد… لكن تلك الثواني كانت تكفي لتعيش عليها أياماً عديدة.
وحينما كان يختلف الحبيبان، لم تكن هناك رسائل طويلة ولا اعتذارات واضحة. كان هناك صمت… ثم أغنية. يعود الصوت هذه المرة أهدأ، أثقل، وكأنه يحمل خوفاً لا يُقال: «ما تهدديش».. لم تكن مجرد أغنية، بل محاولة أخيرة للبقاء، وخوفاً حقيقياً من أن يتحوّل الحب إلى مجرد ذكرى.
وفي لحظات الحب الصافية، لم تكن هناك جملة تختصر المشاعر أكثر من «إن كنت بحر أنا السحاب وإن كنت حرف أنا الكتاب».
كانت تبدو بسيطة، لكنها تحمل عمراً كاملاً من التعلق، وكأنها تقول إن هذا الحب ليس جزءاً من الحياة.. بل الحياة كلها.
كبرنا ونحن نحمل هذه الأغاني معنا دون أن نشعر. عشنا «بحبك يا غالي» قبل أن نقولها لأحد، ووجدنا أنفسنا في «حكاية كل عاشق»، وابتسمنا مع «أنا بعشق ضحكتك». وحين ضاقت بنا الدنيا، عدنا إلى «يا عيون حزينة»، وحين لم يتبقّ شيء، بقيت «إلا الذكريات».
حتى الفرح، كان له صوت أيضاً. «علّي الضحكاية.. علّي» لم تكن مجرد أغنية، بل كانت طريقة كاملة للحياة، كأن الضحكة نفسها تستحق أن تُغنّى.
ومرت السنوات. تغيّرت الوجوه، أُغلقت الشرفات، اختفت السيارات التي كانت تحمل الأغاني ليلاً، لكن الأغاني بقيت كما هي، تعيدنا كلما تعبنا من العالم إلى نسخٍ قديمة من أنفسنا ظننا أننا فقدناها.
في الأول من نوفمبر 2025، حين ذهبنا إلى حفل هاني شاكر في ميشيغن، شعرتُ أنني لا أدخل قاعة حفلات، بل أدخل ذاكرة جماعية. الناس لم تكن تستمع فقط، كانت تستعيد حياتها. كل شخص هناك كان يحمل قصة مرتبطة بأغنية، حباً قديماً، أو حلماً لم يكتمل.
وهو.. كان يبتسم طوال الوقت.
ابتسامته كانت دافئة، كأنّه يعرف أن الناس لا تأتي فقط لسماعه ورؤيته، بل لتتذكّر. غنّى «بحبك يا غالي» و«حكاية كل عاشق» و«علّي الضحكاية»… كانت كل أغنية تطوف على ناسها لتذكّرهم بما كان.
وفي نهاية الحفل، ختم بـ«هو إنتِ لسه بتسألي… إنتِ بالنسبة لي إيه». لم تكن أغنية ختامية، بل وداعية. في تلك اللحظة، بدا صوته ممتلئاً بكل شيء عشناه معه؛ الحب الأول، الشوق، الحنين وكل القلوب التي تعلّمت أن تحب بصوت أمير الغناء العربي.
غنّى بحنانٍ موجع، كأنه أراد للمرة الأخيرة أن يترك جزءاً من روحه في قلب كل شخصٍ منا. ترك لنا أكثر من 600 أغنية و29 ألبوماً غنائياً.
واليوم، حين أعود إلى كل ذلك، لا أسمع الأغاني كما هي… بل كما عشتها. أعود إلى البيت القديم، إلى الشرفات، إلى الطرقات الهادئة، وإلى أختي وهي تقول «اثلطفك» وتضحك، فأفهم أخيراً أن الأغاني لا تبقى كما كُتبت.. بل كما سُمعت.
ولهذا، ستبقى «استلطفك» أغنية جميلة، لكن «اثلطفك» ستبقى نحن.








Leave a Reply