التقرير الأسبوعي
دخل التفاهم الإطاري بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، الأسبوع الماضي، مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تحولت أجواء التهدئة إلى تصعيد عسكري وسياسي متبادل يشي بهشاشة الاتفاق، لاسيما فيما يتعلق بملفَّي مضيق هرمز وجبهة جنوب لبنان، وسط رغبة إسرائيلية جامحة بتخريب المسار التفاوضي وفق «تفاهم إسلام آباد».
وبينما نصّت مذكرة التفاهم الموقّعة في 17 حزيران (يونيو) الجاري، على وقف الأعمال العسكرية بين واشنطن وطهران، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وتهيئة الظروف لمفاوضات تمتد 60 يوماً، لم يستمر الهدوء طويلاً وسرعان ما تبادل الطرفان الاتهامات بخرق بنود المذكرة، على وقع تبادل ضربات عسكرية محدودة بينهما، دون نسف وقف إطلاق النار بالكامل.
وشنّت واشنطن غارات استهدفت مواقع عسكرية إيرانية على الساحل الجنوبي وفي محيط مضيق هرمز ردّاً على هجوم غامض بطائرة مسيرة على ناقلة تجارية في مضيق هرمز، فيما ردّ الحرس الثوري الإيراني باستهداف «ثماني منشآت رئيسية تابعة للجيش الأميركي» في المنطقة، بينها «قاعدة علي السالم» في الكويت ومقر الأسطول البحري الخامس في البحرين.
وفي حين أكدت الولايات المتحدة أن إيران هي من خرقت المذكرة عبر استهداف الملاحة الدولية، أصرّت طهران على أن الضربات الأميركية جاءت أولاً، وأنها اضطرت إلى ممارسة حقها في الرد.
ويرى المراقبون أن غياب آلية واضحة لمراقبة تنفيذ الاتفاق أو الفصل في الخروق يهدد بتحويل كل حادث ميداني في منطقة مضيق هرمز إلى أزمة سياسية، مع تمسك كل طرف بروايته الخاصة.
أما على أرض الواقع، وبعد التوتر العسكري المحدود، سجلت حركة الملاحة في مضيق هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب في أواخر شباط (فبراير) الماضي، حيث شهدت الملاحة التجارية وتدفقات الطاقة تعافياً متسارعاً تدعمه زيادة مطردة في أعداد السفن وناقلات النفط العابرة، ما يشي باستمرار مسار «إسلام آباد» التفاوضي الذي يشكل لبنان أحد أبرز عقده في ظل التعنت الإسرائيلي برفض الانسحاب من كامل المناطق المحتلة جنوباً.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أميركي كبير أن واشنطن وطهران ستلتقيان الثلاثاء المقبل في الدوحة لتسوية الخلاف بشأن مضيق هرمز، بعد أن اتفقتا على وقف الضربات ومواصلة الاجتماعات في سويسرا.
عقدة لبنان
رغم الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز والخلاف الأميركي–الإيراني المعقّد حول طريقة إدارته في المستقبل، تبقى العقدة الأكبر أمام نجاح «تفاهم إسلام آباد»، متمثلة بجبهة لبنان، حيث يخوض الطرفان الإيراني والإسرائيلي كباشاً إستراتيجياً لفرض رؤية كل منهما لوقف إطلاق النار في جنوب لبنان.
وأمام الرفض الإسرائيلي المطلق للمسار الذي تسعى طهران إلى فرضه في لبنان عبر واشنطن، والذي يُنظر إليه داخل الكيان على أنه هزيمة استراتيجية كاملة أمام محور المقاومة، تتمسك وزارة الخارجية الإيرانية بانسحاب إسرائيل الكامل وضمان سيادة لبنان ووحدة أراضيه كشرط لاستدامة أي تفاهم يتعلق بإنهاء الحرب مع واشنطن.
وإزاء الوضع المعقد، كان لا بد لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتشددة التي وضعت في غرفة الإنعاش السياسي بعد صدمة «تفاهم إسلام آباد»، أن يسعى إلى الالتفاف على الشروط الإيرانية بمحاولة فرض واقع جديد في بلاد الأرز، فجاء توقيع لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، على «اتفاق إطارٍ» في العاصمة الأميركية واشنطن، الأسبوع الماضي، كخشبة خلاص قدمتها السلطة اللبنانية لدولة الاحتلال عبر إعطائه رسمياً حرية الحركة داخل ما يسمى بـ«الشريط الأمني» جنوبي لبنان، وحرية البقاء داخل هذا الشريط إلى حين نزع سلاح المقاومة، على حد قول نتنياهو نفسه.
وكشف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى جانب السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر والسفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة، عن الاتفاق الذي نشرته وزارة الخارجية يوم السبت 27 يونيو الجاري.
وخلال مراسم توقيع الاتفاق التي رفعت فيها أعلام الدول الثلاث جنباً إلى جنب، قالت سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض إن الاتفاق «خطوة أولى على طريق استعادة السيادة اللبنانية ووحدة الأراضي وتأمين وقف دائم ونهائي للأعمال العدائية وتمكين شعبنا من العودة إلى أرضه». بدوره، قال السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر إن الاتفاق يضع «إيران خارج الصورة، وحزب الله خارج الصورة أيضاً، والطريق إلى السلام بين إسرائيل ولبنان بات مفتوحاً».
اتفاق التفافي
الخطوة قوبلت بترحيب كبير داخل إسرائيل مقابل مخاوف جدية في لبنان من مخططات متجددة لإشعال فتنة داخلية، مع انجرار السلطة الحالية وراء رغبات نتنياهو وحلفائه في واشنطن دون مراعاة لدستور لبنان وتاريخ المقاومة.
وبينما وقّع وفدا لبنان وإسرائيل، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، اتفاق إطارٍ يطلق يدَي جيش الاحتلال في الجنوب، لم ينتظر رئيس الجمهورية جوزاف عون طويلاً ليمنح الاتفاق صفة «الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة الكاملة»، رغم أن الوقائع الميدانية والسياسية والتصريحات الإسرائيلية المتصلة به لا تشير إلى أي تحوّل فعلي في وقف الحرب، بل على العكس، توحي بتكريس واقع أمني جديد في الجنوب يشرّع استمرار الاستهداف الإسرائيلي ويمنح الاحتلال هامشاً إضافياً للبقاء في القرى المحتلة، في التفاف صريح على الجهود الإيرانية لفرض الانسحاب الإسرائيلي من لبنان.
فمن جانبه، وصف نتنياهو توقيع اتفاق الإطار مع لبنان بـ«الإنجاز الكبير» لإسرائيل و«ضربة قوية لإيران التي حاولت فرض انسحاب علينا من جنوب لبنان»، مؤكداً أن الاتفاق يعني عدم وجود دور لإيران وحزب الله في لبنان، وحققنا إنجازاً كبيراً لإسرائيل».
وأضاف نتنياهو: «سنسمح بتمكين الجيش اللبناني من بدء السيطرة على منطقتين تجريبيتين بجنوب لبنان، وإسرائيل ستبقى في الحزام الأمني حتى تجريد حزب الله من سلاحه».
إلى ذلك قالت رئاسة الوزراء الإسرائيلية: «وقّعنا مع لبنان إطار عمل يهدف للتوصل إلى اتفاقات مستقبلية، وأن إطار العمل الثلاثي مع لبنان يمثّل إنجازاً كبيراً لإسرائيل وهو ينهي محاولات إيران فرض انسحاب كامل من جنوب لبنان ويمنع إيران وحزب الله من أي دور في لبنان».
وأضافت رئاسة الوزراء: «اتفقنا مع لبنان على مشروع تجريبي لنزع سلاح حزب الله سينفذ بجنوب وشمال نهر الليطاني خارج الخط الأصفر بمنطقتين قريبتين من الخط الأصفر»، علماً بأن المنطقتين المذكورتين لم تدخلهما قوات الاحتلال قط، وفق ما أفاد به مصدر أمني لصحيفة «صدى الوطن».
وختمت رئاسة الوزراء الإسرائيلية بيانها بالقول: «سنحافظ على حرية العمل العسكري داخل الشريط الأمني بلبنان وسنحافظ على الشريط الأمني في لبنان حتى نزع سلاح حزب الله».
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، تنص الخطة على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من مناطق محددة في جنوب لبنان، يتبعه انتشار الجيش اللبناني وتفكيك البنية العسكرية التابعة لـ«حزب الله» في تلك المناطق.
وفي السياق، حذرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، نقلاً عن مصادر دبلوماسية، من أن فشل لبنان في تنفيذ الاتفاق قد يضع سيناريو اندلاع جولة ثالثة من الحرب على جدول الأعمال خلال الأشهر المقبلة، وربما حتى قبل بداية شهر أيلول (سبتمبر) القادم.
سلوك مريب
إزاء سلوك السلطة اللبنانية المريب إلى حد التواطؤ مع الاحتلال، يحذر المراقبون من مساعٍ إسرائيلية حثيثة لإثارة الفوضى وفرض واقع جديد يحول دون فرض الحل الإيراني في لبنان، وذلك من خلال استغلال ضعف السلطة الحالية وموقفها المعادي للمقاومة التي تواصل التصدي لقوات الاحتلال جنوباً.
وبالفعل، أثار «اتفاق الفتنة» غضباً سياسياً وشعبياً في أنحاء متفرقة من لبنان، غير أن الأمور ظلت ضمن حدود المعقول، وسط حرص الجيش والأجهزة الأمنية على حفظ السلم الأهلي بالتوازي مع امتناع قوى المقاومة عن اتخاذ أي خطوات تصعيدية ضد الاتفاق، الذي اعتبره «حزب الله» «غير موجود» أصلاً.
من جهة أخرى، قال رئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري، في تصريح مقتضب له تعليقاً على اتفاق واشنطن: «يا أهلي في لبنان، كل لبنان، إنها الفتنة!» داعياً إلى عدم الانجرار إليها والحذر وضبط النفس، مستنداً في ذلك إلى قول الإمام علي بن أبي طالب: «كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فيُركب ولا ضرعاً فيُحلب».
ونقلت مصادر الرئيس بري لـ«صدى الوطن» استياءه العارم من مضمون الاتفاق «الفتنوي»، مؤكداً أنه في حال لجأت السلطة إلى محاولة فرضه على أرض الواقع، فإنه سوف يعمل على إسقاطه بكل قوة، كما فعل في معركة إسقاط اتفاق «17 أيار» خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وبعد ساعات من الإعلان عن الاتفاق الإطاري، رفض الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم المفاوضات، مؤكداً أن إسرائيل مطالبة بالانسحاب من جميع الأراضي اللبنانية من دون أي شروط. وقال قاسم في كلمة متلفزة: «يجب أن تخرج إسرائيل من الأراضي اللبنانية بلا شروط، وأي التزام ينتقص من سيادة لبنان لن يمر… وليس لأحد الحق في توقيع أي اتفاق».
ودعا أيضاً المسؤولين اللبنانيين إلى تبني موقف وطني موحد ورفض ما وصفه بـ«الإملاءات الإسرائيلية».
وأضاف: «لا تطبيع مع إسرائيل، ولا إنهاء للعداء وفق الشروط الإسرائيلية، ولا مكاسب لإسرائيل، ولا أي وجود إسرائيلي، ولو جزئياً، على الأراضي اللبنانية».
ولم يكن «حزب الله» طرفاً في المفاوضات التي جرت في واشنطن، كما يواصل رفض أي اتفاق يشترط نزع سلاحه في جميع أنحاء لبنان، معتبراً أن قرارات الأمم المتحدة السابقة تلزمه فقط بإزالة وجوده العسكري من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وليس التخلي الكامل عن سلاحه.
بدوره، أكد عضو كتلة «الوفاء للمقاومة»، النائب حسن فضل الله، أن المقاومة ستواصل التمسك بسلاحها وخيارها في مواجهة الاحتلال، معتبراً أن الاتفاق الذي أبرمته السلطة «لن يبصر النور» وأن أي تسوية إقليمية لن تتم من دون ضمان وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال.
وانتقد فضل الله أداء السلطة، معتبراً أنها «وقّعت على صكّ استسلام تغلّب على مفهوم الدولة ذات السيادة الوطنيَّة»، وأنها «لم يكن لديها أي مشكلة في بيع الجنوب وأهله وتبرئة الاحتلال من جرائمه».
ورأى فضل الله أن السلطة «قوّضت أسس الدولة عندما تنكّرت للدستور والميثاق الوطني وخالفت القوانين»، مضيفاً أنها «تظنُ أنَّها تستطيع بدعم أميركي ضرب التوازنات الوطنية وتغييب طائفة بأكملها للتلاعب بمصير الجنوب».
وأضاف أن «من في السلطة ليسوا سوى أفراد ينتهي مفعول صلاحيتهم، وهم سيرحلون، وأما المقاومة وسلاحها ورجالها باقون لتحرير الأرض وحماية الشعب».
ثبات الموقف الإيراني
أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن مذكرة التفاهم مع واشنطن تنصّ على أن الحرب يجب أن تنتهي في جميع الجبهات بما في ذلك لبنان، معرباً عن أسفه لأن «اعتداءات الكيان الصهيوني ما زالت مستمرة»، ومشدداً على أنه من واجب ومسؤولية الحكومة الأميركية وقف هجمات الكيان على لبنان، ويجب أن يحدث انسحاب من المناطق المحتلة، لأن ذلك مذكور في مذكرة التفاهم».
بدوره، أكد رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف في اتصال هاتفي مع رئيس مجلس النواب اللبناني أن إنهاء الحرب في لبنان وضمان سيادته ووحدة أراضيه كان من أهم المواضيع التي نوقشت في محادثات سويسرا، كجزء مهم من البند الأول لمذكرة تفاهم إسلام آباد.
وقال قاليباف إن هدف إيران الجاد هو وضع حد للحرب في لبنان وعودة النازحين وإنهاء الاحتلال وخروج إسرائيل من الأراضي اللبنانية. وأوضح رئيس مجلس الشورى أنه في محادثات سويسرا تقرر تشكيل وحدة مراقبة النزاع تضم إيران وأميركا ولبنان.
من جهته، أفاد بري بأن مخرجات سويسرا تصب في مصلحة الشعب اللبناني، غير أن إسرائيل تحاول الالتفاف بطرق أخرى على قضية استعادة سيادة لبنان وسلامة أراضيه بموجب مذكرة إسلام آباد.
وشدد بري على أن تفاهم واشنطن (الاتفاق الإطاري) بين لبنان وإسرائيل، هو مؤامرة وفتنة.
وفي ختام الاتصال، شدد قاليباف وبري على ضرورة الإسراع في عقد اجتماع وحدة التحكم في النزاع لضبط الحرب وإنهائها في لبنان.







Leave a Reply