التقرير الأسبوعي
بينما كان ملايين المشيّعين يشاركون في مراسم وداع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، في جولة جنائزية مهيبة امتدت لستة أيام وشملت مدناً إيرانية وعراقية، دخلت مذكرة التفاهم الموقّعة بين الولايات المتحدة وإيران، الأسبوع الماضي، اختباراً مفصلياً مع تجدد الضربات العسكرية المتبادلة بين الطرفين وسط خلاف مستعر حول مستقبل مضيق هرمز الاستراتيجي، وتحريض إسرائيلي متزايد على العودة إلى لغة الحرب.
فرئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو الذي يسعى لإقناع الرئيس الأميركي بمواصلة الحرب على إيران، جدّد موقفه بوضوح من أن «الحرب لم تنتهِ بعد»، وأن «إيران لن تمتلك أسلحة نووية سواء باتفاق أو بدونه».
وإزاء التحريض الإسرائيلي الذي بلغ حد الترويج لتقرير استخباراتي غامض بشأن مخطط إيراني مزعوم لاغتيال ترامب، كشف تبادل الضربات المحدودة بين الولايات المتحدة وإيران، يومي الأربعاء والخميس الماضيين، أن الطرفين لا يتجهان إلى حرب شاملة بقدر ما يستعدان لمعركة طويلة تقوم على الضغط المتبادل ورفع كلفة المواجهة.
وفي حين ترى واشنطن أن الضربات العسكرية المحدودة والعقوبات الاقتصادية قد تجبر طهران على تقديم تنازلات، تراهن الجمهورية الإسلامية على ورقة الجغرافيا وخنق طرق الطاقة العالمية باعتبارها وسيلة الردع الأكثر فاعلية بعد أن أثبتت الحرب محدودية تأثير القوة العسكرية وحدها.
يأتي ذلك، وسط استمرار الاتصالات الإقليمية لاحتواء التصعيد في ظل تحذيرات متبادلة واستعدادات إسرائيلية لجولة جديدة من الحرب.
تشييع خامنئي
اختُتمت يوم الخميس الماضي مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومواراة جثمانه الثرى في مدينة مشهد، حيث ووري الثرى في مسقط رأسه إلى جوار مرقد الإمام الرضا (ع)، بحسب وصيته.
وشهدت مشهد استعدادات واسعة لمراسم الدفن، حيث رُفعت صور خامنئي ولافتات تشييع ضخمة في مطار مشهد ومحطات المترو، وتوافد آلاف الأشخاص إلى شوارع المدينة وهم يرفعون الأعلام الإيرانية والرايات الحمراء ويرددون هتافات من بينها «الموت لأميركا».
ونقل التلفزيون الرسمي عن محافظ مشهد، حسن حسيني، توقعه مشاركة نحو 15 مليون شخص في مراسم الدفن، وهو ما يزيد بأكثر من خمسة أضعاف على عدد سكان المدينة.
وكانت مراسم الوداع والتشييع قد بدأت يوم الجمعة الماضي في مصلى «الإمام الخميني» بطهران، وذلك بعد أربعة أشهر من اغتيال خامنئي عن عمر ناهز 86 عاماً. وقد شهد ذلك اليوم استقبال المسؤولين الإيرانيين للوفود الأجنبية المعزية، قبل أن تنطلق يوم السبت الفائت مراسم الوداع الشعبي. وبعد استمرار تلك المراسم ليوم إضافي، جابت الجنازة شوارع طهران يوم الاثنين الماضي لإقامة المراسم الرئيسية، لينتقل بعدها الجثمان يوم الثلاثاء إلى مدينة قم جنوبي العاصمة، ومن هناك إلى العراق.
وفي العراق، شاركت حشود كبيرة، الأربعاء الماضي، في مراسم وداع خامنئي في مدينتي النجف وكربلاء، بمشاركة عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، من بينهم الرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، إضافة إلى قادة عسكريين، أبرزهم قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني.
وقُتل خامنئي وعدد من أفراد عائلته في 28 شباط (فبراير) المنصرم بقصف أميركي إسرائيلي استهدف مقر إقامته بالعاصمة طهران، في بداية عملية «الغضب الملحمي» التي فشلت في زعزعة النظام الإيراني.
وأكد قائد مقر «خاتم الأنبياء» المركزي، بمناسبة مراسم الدفن، أن القوات المسلحة الإيرانية عازمة على ملاحقة المسؤولين عن اغتيال المرشد ومحاسبتهم، مشدداً على أن العقاب سيطال الجناة «عاجلاً أم آجلاً».
عودة التصعيد
تزامنت مراسم تشييع خامنئي مع تجدد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، إذ اعتبر الرئيس ترامب أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع إيران في 17 حزيران (يونيو) المنصرم قد انتهى، متوعداً بتوجيه ضربات جديدة قوية، بعد تبادل للضربات أعقب إطلاق نار نُسب إلى إيران على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز.
بدوره، وجه ترامب تحذيراً شديد اللهجة إلى إيران، مؤكداً أن الضربات الأميركية الأخيرة جاءت رداً على قصف سفن تجارية، ومتوعّداً برد أقسى في حال تكرار الهجمات.
وجاء تحذير ترامب بعد إعلان واشنطن توسيع ضرباتها ضد أهداف داخل إيران، شملت مواقع عسكرية وموانئ وقدرات مرتبطة بتهديد الملاحة في مضيق هرمز.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن تنفيذ ضربات إضافية ضد إيران، بهدف تقويض قدرتها على تهديد حرية الملاحة، محملة طهران مسؤولية الهجمات التي استهدفت سفناً تجارية في المضيق.
وفي طهران، أكد الجيش الإيراني مقتل ثمانية من عناصره جراء الضربات الأميركية الأخيرة التي استهدفت مواقع متفرقة في جنوب البلاد. وأفادت وزارة الصحة الإيرانية بأن الهجمات الأميركية في يومي 8 و9 تموز (يوليو) الجاري استهدفت خمس محافظات إيرانية وأسفرت عن مقتل 14 شخصاً وإصابة 78 آخرين.
في المقابل، أعلن «الحرس الثوري الإيراني» عن استهداف قواعد أميركية في البحرين والكويت والأردن، مهدّداً بأنه «إذا كرّر الجيش الأميركي عدوانه على إيران، فلن تكون قواعده الأخرى في المنطقة آمنة». كما حذّر «الحرس» من أن «أيّ مغامرات أميركية أو تدخّل في تحديد مسارات الملاحة في مضيق هرمز، ستواجَه برد حاسم، وستعرقل بشكل خطير عملية إعادة الفتح التدريجي للمضيق، وستعرّض مصالح الدول المستفيدة لخطر جسيم».
وتُجمع تحليلات الصحف والمواقع الإخبارية – مثل فايننشال تايمز وتلغراف والغارديان وأكسيوس – على أن انهيار مذكرة التفاهم التي كان من المفترض أن تمهد لمفاوضات الحل الدائم، «لم يكن مفاجئاً»، بل جاء نتيجة أزمة ثقة مزمنة بين واشنطن وطهران، إذ اتهم كل طرف الآخر بعدم تنفيذ التزاماته، لتتحول الهدنة إلى مجرد استراحة قصيرة قبل استئناف المواجهة.
بين الدبلوماسية والتحريض
على وقع تبادل الضربات المحدودة بين إيران والولايات المتحدة، تجددت مساعي التهدئة عبر عواصم إقليمية شملت إسلام آباد والدوحة ومسقط وأنقرة، فيما واصلت إسرائيل تأهّبها لاحتمال الانضمام إلى «جولة ثالثة» من الحرب مع إيران.
وبحسب تقرير لصحيفة «تلغراف» فإن إدارة ترامب تقف حالياً أمام ثلاثة خيارات رئيسية: شن حرب واسعة ضد إيران، أو مواصلة سياسة الضربات المحدودة والضغوط الاقتصادية، أو العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أكثر مرونة.
وفيما لوحظ تراجع التصريحات الأميركية، وخاصة من الرئيس ترامب، الذي وجد نفسه في قلب المأزق من جديد، ذكرت محطة «سي أن أن» الأميركية أن باكستان وقطر تحاولان إعادة الطرفَين الإيراني والأميركي إلى طاولة المفاوضات.
كما أجرى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، محادثات هاتفية مع قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، وهو الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران، وأكد له أن «هجمات أميركا على إيران انتهاك لبنود مذكرة التفاهم»، محذّراً من «أيّ مغامرة قد يقدم عليها الجيش الأميركي».
كذلك، بحث عراقجي التطورات الأخيرة، في اتصالات هاتفية منفصلة مع نظرائه السعودي فيصل بن فرحان، والقطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، والعماني بدر البوسعيدي، والتركي حاقان فيدان.
ومن جهتها، سعت إسرائيل إلى ملء الفراغ الأميركي بالتحريض على العودة إلى الحرب. واعتبر نتنياهو أن «الحرب لم تنتهِ بعد وأن تحدّيات جديدة تبرز أمامنا»، مضيفاً أن «سياستنا واضحة بأن إيران لن تمتلك أسلحة نووية سواء باتفاق أو من دونه».
أمّا وزير حربه، يسرائيل كاتس، فأكد «أننا مستعدون لجولة قتال ثالثة في إيران»، بينما قال رئيس الأركان، إيال زامير «إننا نراقب عن كثب ما يحدث في إيران ولبنان ونحن على أهبة الاستعداد للتحرك الفوري».
وعلى صعيد متصل، أفادت قناة «كان» العبرية بأن «إسرائيل معنيّة بالحصول على موافقة ترامب لضرب إيران»، لكنها لا تزال، حتى الآن، خارج المواجهة المباشرة الجارية بين واشنطن وطهران. وبحسب التقرير، يقدّر الإسرائيليون أن تبادل الضربات سيستمرّ عدة أيام، وأن تل أبيب تحتاج «ضوءاً أخضر» أميركياً قبل أيّ مشاركة فيه.
كذلك، نقلت صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، عن مصادر، أن إسرائيل «جاهزة للانضمام» إلى ضربات أميركية مستقبلية «إذا طُلب منها هذا الأمر»، وأنها أثبتت وقوفها إلى جانب الولايات المتحدة، لكنها «لا ترغب في إعادة الإسرائيليين إلى الملاجئ من دون ضرورة».
وبدورها، نقلت «القناة 15» العبرية عن مصادر إسرائيلية تقديرها أنه «حتى الآن، ليست لدى إيران مصلحة في إقحامنا في أحداث المنطقة، ولذا، لا يتمّ إطلاق النار في اتجاه إسرائيل».
وفي السياق، أجرى ترامب، مساء الخميس المنصرم، اتصالاً مع نتنياهو لإطلاعه على «التحركات الأميركية الأخيرة في الخليج»، وفق ما أعلن مكتب نتنياهو. وجرت هذه المحادثة «في إطار الاتصالات المنتظمة» بين الزعيمين اللذين جدّدا التأكيد على «مواصلة التنسيق» بين واشنطن وتل أبيب في مختلف المجالات، بحسب بيان صادر عن مكتب نتنياهو نُشر عبر منصة «أكس».
وأضاف البيان «شدد نتنياهو، من جانبه، على خطورة التصريحات التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحلفاؤه ضد وجود دولة إسرائيل، وعلى ضرورة إقامة مناطق أمنية على امتداد الحدود الإسرائيلية».
وجاء البيان الإسرائيلي بعد توتر العلاقات بين ترامب ونتنياهو المعارض لمذكرة التفاهم مع إيران، حيث قال الرئيس الأميركي في تصريح له يوم الاثنين الماضي، إن نتنياهو «يعرف من هو الرئيس» في العلاقة بين أميركا وإسرائيل.
وجاءت ملاحظته، التي تختصر حالة التوتر غير المعهودة بين البيت الأبيض وتل أبيب، في سياق الحديث عن زيارة قريبة لواشنطن طلبها نتنياهو للاجتماع مع ترامب، على الأرجح يوم الاثنين المقبل في 13 الجاري، وإن كان الموعد لم يُحسم رسمياً بعد.
ويسعى نتنياهو إلى توظيف اللقاء المرتقب مع ترامب، انتخابياً، على ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية بينها «القناة 12» و«كان 11» وصحيفة «هآرتس»؛ إذ أشارت الأخيرة نقلاً عن مصدر في «الليكود» إلى أن نتنياهو يسعى إلى «بناء حملته الانتخابية على أساس التعاون الوثيق مع ترامب في رسم ملامح الشرق الأوسط».
من جهة أخرى، نقلت شبكة «سي أن أن» عن مسؤولين أميركيين أن تقرير إسرائيل حول اغتيال ترامب «قد يكون محاولة لدفعه نحو التصعيد»، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة لم تتحقق بنفسها من المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية بشأن الخطة المزعومة.
ملف لبنان
انعكس تجدّد المواجهة بين واشنطن وطهران على المسار اللبناني، حيث تراهن قوى السلطة على المضي قدماً في اتفاقها الإطاري لنزع سلاح المقاومة بالتعاون مع دولة الاحتلال، وذلك عبر مشاركتها في اجتماع روما، المقرر يومي 15 و16 تموز الجاري، بين وفد سلطة الوصاية ووفد الاحتلال الإسرائيلي برعاية أميركية، ثم في زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون المرتقبة إلى واشنطن للقاء الرئيس ترامب في 21 تموز.
وبعد رد الفعل المهادن داخلياً تجاه الاتفاق الإطاري، يمضي عون في المسار التنازلي للاحتلال باعتبار أن حجم المعارضة الداخلية لا يفرض على السلطة إعادة النظر في موقفها، وأن الدعم العربي والدولي لا يزال قائماً بما يسمح بالمضي في تنفيذ الاتفاق عبر اجتماع روما.
ويرى فريق عون أن «حزب الله» بات في موقع ضعيف جداً، ولم يعد قادراً على القيام بأي مبادرة داخلية، وأن خلافات تعصف بقيادته، فيما تُدار قراراته بصورة كاملة من قبل الحرس الثوري الإيراني. ويضيف هؤلاء أن الحرس الثوري نفسه ليس موحداً في مقاربته للمرحلة الحالية، ما يعزز قناعة هذا الفريق بأنه «لا يوجد ما يعيق الاندفاعة نحو تنفيذ الاتفاق». وانطلاقاً من ذلك، لا يرى الفريق الرئاسي أن ثمة حاجة حالياً إلى عرضه على مجلس الوزراء، باعتبار أن هذه الخطوة مؤجلة إلى حين تحقيق تقدم في صياغة مشروع اتفاق شامل.
وبينما يُشِيع عون أن عدم إحالة الاتفاق إلى مجلس الوزراء جاء نتيجة تفاهم بينه وبين رئيسي الحكومة ومجلس النواب، يؤكد المراقبون أن فتح نقاش داخل الحكومة قد يعرقل المضي في الخطوات التنفيذية للاتفاق.
وفي وقت كانت أوساط لبنانية تحاول استيضاح حقيقة ما دار بين ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع بشأن لبنان، وإعلان الرئيس الأميركي أن الشرع قدّم له تعهّدات بشأن المساعدة في التعامل مع حزب الله، أكّد الرئيس نبيه بري لصحيفة «الأخبار» أن «سوريا ليست في هذا الوارد»، مشدداً على أن لقاءه مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مؤخراً «طُرحت فيه كل الأمور بوضوح شديد».
وأضاف أنه «في نهاية المطاف، لا بد من العودة إلى ما ورد في شأن لبنان في مذكرة التفاهم الإيرانية–الأميركية» التي بدأ التفاوض عليها في إسلام آباد.







Leave a Reply