لانسنغ
سجلت ولاية ميشيغن، الأسبوع الماضي، ارتفاعاً صاروخياً في عدد المصابين بمرض طُفَيلي مجهول المصدر يصيب الجهاز الهضمي ويتسبب في إسهال مائي شديد وحركات أمعاء متكرّرة ومفاجئة.
ومنذ رصد الإصابة الأولى بطفيل «سيكلوسبورا» في ميشيغن يوم 22 حزيران (يونيو) الماضي، كشفت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية عن تسجيل 1,250 إصابة بحلول صباح الخميس 9 تموز (يوليو) الجاري، من بينهم حوالي أربعين شخصاً نقلوا إلى المستشفيات لتلقي العلاج من حالات الجفاف الشديد.
وأثار التفشي السريع لهذا المرض الطفيلي الذي عادة ما يصيب سنوياً حوالي خمسين شخصاً فقط في ميشيغن، حالة قلق واسعة بين المسؤولين الصحيين في ظل عجز السلطات حتى الآن عن تحديد مصدر انتشار العدوى، رغم وضع فرضيات أولية بوجود منتجات زراعية ملوثة بطفيل «سيكلوسبورا».
ويمكن أن يصاب الأشخاص بالعدوى عن طريق تناول طعام أو مياه تحتوي على الطفيلي.
وتبدأ أعراض الإصابة عادة بعد حوالي أسبوع من تناول الطعام الملوث، ولكنها قد تظهر في أي وقت بين يومين إلى 14 يوماً، وتشمل الأعراض الرئيسية التي قد تستمر لمدة أسبوعين تقريباً، نوبات متكررة من الإسهال المائي الشديد وفقدان الشهية وحمى خفيفة.
وينصح المسؤولون الصحيون بضرورة الحفاظ على رطوبة الجسم عبر شرب السوائل المعززة في حال الإصابة، وطلب الرعاية الطبية الفورية إذا كان الإسهال حاداً ومصحوباً بالحمى. وفي حال عدم تلقي العلاج المناسب فإن المرض قد يعاود الظهور في وقت لاحق.
البحث عن المصدر
بينما تواصل السلطات في ميشيغن إحصاء الإصابات المتزايدة يومياً، أطلقت وزارة الصحة المحلية بالتعاون مع وكالات صحية محلية وفدرالية، تحقيقاً مستمراً لتحديد مصدر العدوى المتفشية في ميشيغن و27 ولاية أخرى.
وكانت سلطات ميشيغن قد أعلنت للمرة الأولى عن تفشي المرض بعد رصد أولى الإصابات في 22 يونيو الماضي. وتوالى منذ ذلك الحين تسجيل الحالات التي تركّزت في الجزء الجنوبي الشرقي من الولاية، تحديداً ضمن مقاطعات: وين وأوكلاند وواشطنو وماكومب وليفينغستون ومونرو وليناوي وجاكسون وشياواسي.
ورغم تسجيل عشرات الحالات في مقاطعة وين، التي تضم مدينة ديربورن، لم تعلن السلطات حتى الآن عن وجود بؤرة تفشٍ داخل المدينة، كما لم تربط الحالات بأي مطعم أو متجر أو مورد غذائي بعينه.
وامتدت الإصابات إلى مناطق مجاورة في أوهايو، حيث سجلت مقاطعة لوكاس أكثر من 300 إصابة، فيما تجاوز عدد الحالات في شمال غربي أوهايو حاجز 500 إصابة بحلول الأربعاء الماضي.
وتواجه السلطات الصحية صعوبة في تحديد مصدر التفشي، نظراً لتعقيد التحقيقات المرتبطة بطفيلي «السيكلوسبورا» وصعوبة تعقب مصادر التلوث الغذائي المسببة للعدوى.
وقالت كبيرة المسؤولين الطبيين في ميشيغن، ناتاشا باغداساريان، إن المعطيات تشير بوضوح إلى وجود «تفشٍّ مترابط» في الوقت الحالي، بينما تتواصل التحقيقات الصحية لتحديد مصدر العدوى ونطاق انتشارها.
وتقود وزارة الصحة في ميشيغن، بالتعاون مع وزارة الزراعة والتنمية الريفية في الولاية، ودوائر الصحة المحلية إلى جانب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (سي دي سي)، تحقيقاً موسعاً يشمل إجراء مئات المقابلات مع المصابين، إلى جانب مراجعة أماكن التسوق والوجبات التي تناولوها، وتحليل سلاسل توزيع المنتجات الزراعية، في محاولة للوصول إلى القاسم المشترك بين الحالات.
ولم تتمكن السلطات حتى الآن من تحديد المنتج الغذائي أو المزرعة أو شركة التوزيع التي تقف وراء العدوى، كما لم تصدر أي قرار بسحب أي منتج من الأسواق. وهذا الغموض يجعل من الصعب معرفة ما إذا كان الخطر قد انحسر أم أن المستهلكين ما زالوا معرضين له.
وأوضحت باغداساريان أن الفرضية الرئيسية لدى الوزارة حالياً تشير إلى أن التفشي مرتبط على الأرجح بمنتجات زراعية؛ وقد أصدرت الوزارة توجيهات بهذا الشأن خلال عطلة نهاية الأسبوع الموافقة لعيد الاستقلال الأميركي في الرابع من يوليو.
وقالت: «تركز تلك التوجيهات بشكل أساسي على مصادر حالات التفشي السابقة لهذا المرض؛ فقد رصدنا حالات تفشٍ سابقة مرتبطة بتناول توت الرازبيري والخس والكزبرة والريحان والبازلاء والبصل الأخضر».
وأشارت باغداساريان إلى أن غسل توت الرازبيري قد يكون صعباً بسبب «تلك الثنايا والشقوق الصغيرة» الموجودة فيه، واقترحت تناول التوت المجمّد كخيار قد يقلل من خطر الإصابة بطفيل «سيكلوسبورا».
ونصحت أيضاً بشراء رؤوس الخس الكاملة بدلاً من الخس المغسول مسبقاً والمعبأ في أكياس، مشددة على ضرورة إزالة الأوراق الخارجية لرأس الخسّ وغسله جيداً.
وفيما يتعلق بالمنتجات الغذائية الأخرى، قالت: «أي صنف يمكن طهيه، ينبغي طهيه»، ويشمل ذلك الكزبرة والريحان والبصل الأخضر.
ولم تقتصر الإصابات على سكان ولاية ميشيغن، حيث أفادت وكالة «سي دي سي» الفدرالية بتسجيل مئات الحالات في 27 ولاية أميركية أخرى.
تفشٍّ مقلق
يرى اختصاصي الأمراض المُعدية الدكتور حسان دكروب أن ما تشهده الولاية لا يمثل مجرد زيادة موسمية، بل يعكس مؤشرات تستحق التوقف عندها. ويقول إن تفشيات داء «السيكلوسبورا» غالباً ما تدل على تلوث واسع في سلسلة إمدادات المنتجات الزراعية الطازجة، موضحاً أن حالات الإصابة بهذا الطفيلي تسجل اتجاهاً تصاعدياً منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، حتى بدأ بعض الخبراء يتحدثون عن تحوله إلى مرض متوطن في بعض المناطق النامية حول العالم.
وفي السياق، يشير اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي والتنظير المتقدم في مستشفى «هنري فورد»، الدكتور مازن الأطرش، إلى أن الارتفاع الكبير في عدد الإصابات قد يكون نتيجة تداخل عدة عوامل تشمل تلوث الخضروات أو الفواكه الطازجة، وزيادة استهلاك المنتجات الزراعية خلال أشهر الصيف، وتأثير الأمطار الغزيرة أو الفيضانات التي قد تؤدي إلى تلوث مياه الري بفضلات الصرف الصحي، فضلاً عن ازدياد حركة السفر، التي تساهم في انتقال العدوى عبر حدود الولايات.
ويتفق الطبيبان على أن ما يجعل التفشي الحالي مختلفاً ليس فقط عدد الإصابات، وإنما أيضاً تعقيد الظروف التي قد تكون ساهمت في حدوثه، وهو ما يفسر استمرار التحقيقات حتى الآن من دون الوصول إلى نتيجة حاسمة.
صعوبة المهمة
يوضح الدكتور دكروب أن هذا النوع من التفشيات يُعد من أكثر التفشيات الوبائية تعقيداً، إذ إن أعراض المرض لا تظهر مباشرة بعد تناول الطعام الملوث، بل قد يستغرق الأمر ما بين يومين إلى أسبوعين قبل ظهور المرض. وخلال هذه الفترة يكون الشخص قد تناول عشرات الوجبات واشترى منتجات من متاجر مختلفة وربما تناول الطعام في أكثر من مطعم أو منزل، ما يجعل تحديد مصدر العدوى أمراً بالغ الصعوبة.
ويضيف اختصاصي الأمراض المُعدية في مجموعة «كورويل» الصحية أن المنتجات المرتبطة بالمرض تكون في الغالب خضروات أو فواكه طازجة سريعة التلف، وهو ما يعني أنها تكون قد استُهلكت أو تم التخلص منها قبل أن تبدأ فرق الصحة العامة إجراء مقابلاتها مع المرضى.
ولهذا السبب، لا تعتمد السلطات الصحية على سؤال واحد أو مقابلة واحدة، بل تبدأ تحقيقاً وبائياً معقداً يقوم على مقابلة كل مريض على حدة، ومراجعة قائمة الأطعمة التي تناولها خلال الأسبوعين السابقين لظهور الأعراض، ثم مقارنة الإجابات بين مئات المصابين بحثاً عن قاسم مشترك. وإذا ظهرت مادة غذائية تتكرر بين عدد كبير من الحالات، يبدأ المحققون بتتبع مسارها من المتجر إلى الموزع، ثم إلى المزرعة أو بلد المنشأ.
ويؤكد دكروب أن هذه العملية قد تستغرق أسابيع، بل وأحياناً أشهراً، خصوصاً عندما تكون المنتجات قد مرت عبر سلسلة طويلة من المزارعين والموردين وشركات النقل والتخزين قبل وصولها إلى رفوف المتاجر.
ويرى أن تكرار تفشيات «السيكلوسبورا» خلال السنوات الأخيرة يكشف عن تحديات حقيقية تواجه منظومة سلامة الغذاء، موضحاً أن الطبيعة المجزأة لسلسلة توريد المنتجات الزراعية الطازجة، إلى جانب التأخر في ظهور الأعراض، تصعّب من مهمة تحديد مصدر الإصابة.
ولا يستبعد دكروب أن تكون التغيرات المناخية جزءاً من الصورة. فبحسب رأيه، تؤثر تغيرات أنماط الطقس، مثل الأمطار الغزيرة والفيضانات، في جودة مياه الري والظروف الزراعية، بينما تؤدي العولمة واتساع حركة استيراد المنتجات الزراعية حول العالم إلى انتقال الأغذية عبر دول وقارات عدة قبل وصولها إلى المستهلك، ما يزيد من فرص انتشار الطفيلي، ويعقّد عملية تحديد مصدره.
وفي السياق، يؤكد الدكتور الأطرش أن الارتفاع غير المسبوق الذي تشهده ولاية ميشيغن من حيث عدد الإصابات بالمرض الطفيلي المتوطن في دول العالم النامية، لا يعود إلى عامل واحد، بل هو نتيجة تداخل عوامل مختلفة يصعب حصرها. ودعا اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي إلى ضرورة أخذ أسباب التفشي الحالي على محمل الجد، «لكن من دون إثارة الذعر»، موضحاً أنه لا يمكن القول إن الوضع بات تحت السيطرة الكاملة قبل تحديد مصدر العدوى.







Leave a Reply