ديربورن – إبتسام خنافر
في وقتٍ تتسابق فيه شركات التكنولوجيا لتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، وتختصر الهواتف الذكية ملايين الكتب والمراجع في شاشة صغيرة، قد يبدو الحديث عن مكتبة عامة أقرب إلى استحضار مؤسسة تنتمي إلى زمن مضى. فالمعلومة أصبحت متاحة بضغطة زر، والكتب تُقرأ إلكترونياً، وبرامج الذكاء الاصطناعي باتت تلخّص الروايات وتكتب النصوص بلمح البصر.
ووسط هذا التحول المعرفي المتسارع، سيحسم الناخبون في ديربورن، يوم الرابع من آب (أغسطس) المقبل، نظرتهم إلى أهمية نظام المكتبات العامة من خلال التصويت على مقترح انتخابي بتجديد ضريبة الملكية العقارية المخصّصة لتمويل مكتبات المدينة لمدة عشر سنوات قادمة.
ففي معظم الدول، تتولى الحكومات تمويل المكتبات العامة وإدارتها بالكامل، من دون أن يكون للمواطنين دور مباشر في اتخاذ القرار. أما هنا، فالصورة مختلفة. إذ يعتمد جزء رئيسي من ميزانيات المكتبات العامة على أموال دافعي الضرائب وموافقتهم.
بمعنى آخر، فإن استمرار المكتبة وتطور خدماتها لا يرتبطان بقرار إداري، بل بثقة المجتمع بها ومدى استعداده للاستثمار فيها.
أكثر من مكتبة
داخل مكتبة «مئوية هنري فورد»، لا يستقبل الزائر رفوف الكتب وحدها. ففي إحدى الزوايا، ينشغل طالب جامعي بطباعة نموذج صممه باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد. وعلى مقربة منه، يشارك أطفال في نشاط علمي يتعرفون من خلاله إلى مبادئ الهندسة بطريقة تفاعلية. وفي الطابق نفسه يجلس باحث عن عمل أمام أحد أجهزة الحاسوب لإعداد سيرته الذاتية، بينما يستعد عدد من الطلاب لامتحاناتهم.
هذه المشاهد لا تنتمي إلى جامعة أو مركز تكنولوجي فحسب وإنما هي جزء من الحياة اليومية داخل مكتبات ديربورن العامة، التي أعادت تعريف دورها بما يتجاوز كثيراً فكرة استعارة الكتب.
تقول المديرة الجديدة لمكتبات ديربورن العامة، باتريشيا بودزيكوفسكي لصحيفة «صدى الوطن»، إن أكبر اعتقاد خاطئ ما زال سائداً هو أن المكتبة لا تزال مكاناً لحفظ الكتب وإعارتها فقط.
وتوضح أن رؤيتها تقوم على تحويل المكتبة إلى «قلب للتعلم مدى الحياة والمشاركة المجتمعية»، بحيث يشعر جميع السكان، على اختلاف أعمارهم وخلفياتهم، بأنها مساحة ينتمون إليها.
وتضيف أن المكتبات أصبحت تمثل ما يصفه المختصون بـ«المكان الثالث»، أي المكان الذي يقصده الناس بعد المنزل والعمل أو المدرسة، ليس فقط للقراءة، وإنما للتعلم والعمل والالتقاء بالآخرين والمشاركة في الأنشطة المجتمعية.
ولم يأتِ هذا التحول مصادفة، فقد فرضته التغيرات المتسارعة التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين. غير أن مكتبات ديربورن لم تبدأ رحلتها مع هذا التحول، حيث تمتد جذورها إلى نحو قرن من الزمن، حين بدأت خدمات المكتبة العامة تتطور بالتوازي مع نمو المدينة واتساعها، حتى أصبحت اليوم تضم ثلاثة فروع تخدم مختلف أحياء ديربورن، وهي «براينت» و«أسبر» بالإضافة إلى أكبر الفروع وأكثرها شهرة، «مكتبة مئوية هنري فورد» التي افتُتحت عام 1969 بالذكرى المئوية لمولد رائد صناعات السيارات الأميركي، لتصبح منذ ذلك الحين، القلب الرئيس لمنظومة المكتبات العامة في المدينة.
خدمات عصرية
لم يعد معظم الزوار يقصدون المكتبة لاستعارة كتاب فحسب، وإنما كذلك للحصول على خدمات وأدوات قد يصعب عليهم الوصول إليها في أماكن أخرى، أو تكون كلفتها مرتفعة إذا لجأوا إلى القطاع الخاص.
في مكتبات ديربورن، يستطيع الطالب استخدام طابعة ثلاثية الأبعاد لإنجاز مشروع جامعي، أو تحويل فكرة إلى نموذج أولي باستخدام أجهزة القطع بالليزر أو الاستفادة من برامج تصميم احترافية كانت حتى وقت قريب مقتصرة على الجامعات أو الشركات المتخصصة.
وتشير بودزيكوفسكي إلى أن مختبر التصنيع الرقمي DLab يمثل أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فإلى جانب معدات التصنيع الرقمي، يتيح المختبر خدمة رقمنة أشرطة الفيديو القديمة والأشرطة الصوتية والشرائح الفوتوغرافية وتحويلها إلى ملفات رقمية مجاناً.
وخلال السنة المالية 2025، استفاد من خدمات المختبر أكثر من 35 شخصاً شهرياً، فيما أنجز المختبر أكثر من 550 عملية تحويل رقمي كل شهر، وهي خدمات قد تكلف مئات الدولارات إذا أُنجزت لدى شركات متخصصة.
ولا يقتصر التحول على التكنولوجيا الحديثة. ففي مختبر SparkLab يتعلم الأطفال مبادئ العلوم والهندسة والفنون والرياضيات من خلال التجربة والتطبيق العملي، فيما يتيح LendingLab استعارة أدوات ومعدات وأجهزة تعليمية ومنزلية، في توسع يعكس التحول الذي شهدته المكتبات العامة خلال السنوات الأخيرة.
كما توفر مكتبات ديربورن لمستخدميها قواعد بيانات احترافية يصعب على كثير من الأفراد الاشتراك فيها بصورة شخصية، إلى جانب آلاف الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية والأفلام والمواد الرقمية عبر منصات متنوعة مثل Libby وHoopla وKanopy، فضلاً عن برامج لتعلم اللغات، وقواعد بيانات متخصصة في الاستثمار والفنون والبحث الأكاديمي.
وترى بودزيكوفسكي أن الهدف من إدخال هذه التقنيات ليس ملاحقة التطور التقني بحد ذاته، وإنما إزالة الحواجز التي قد تمنع الأفراد من التعلم واكتساب المهارات، مؤكدة أن المكتبة أصبحت مساحة تتيح للجميع الوصول إلى المعرفة والأدوات الحديثة، بصرف النظر عن أوضاعهم الاقتصادية أو خلفياتهم الاجتماعية.
مساحة للمجتمع بأكمله
ولا يقتصر دور المكتبة على التكنولوجيا أو المصادر الرقمية، حيث يمتد إلى توفير خدمات مجتمعية تعكس احتياجات مختلف فئات السكان.
فقد خصصت مكتبات ديربورن زوايا للأمهات المرضعات، ومركزاً لمساعدة المحاربين القدامى، كما أصبحت جميع فروعها معتمدة من منظمة Kulture City لتوفير بيئة أكثر شمولاً للأشخاص الذين يعانون إعاقات غير ظاهرة أو اضطرابات في المعالجة الحسية، في خطوة تعكس توجه المكتبات إلى أن تكون مساحة متاحة للجميع لا تستثني أحداً.
وفي السياق، تؤكد بودزيكوفسكي، التي تعمل في مكتبات ديربورن منذ ثلاثة عقود، أن المكتبة لا تُقاس بما تحتويه من كتب فقط، وإنما بقدرتها على إزالة الحواجز أمام التعلم، وخلق بيئة يشعر فيها جميع أفراد المجتمع بأنهم مرحب بهم، بغض النظر عن أعمارهم أو ظروفهم أو احتياجاتهم.
وتنعكس هذه الفلسفة أيضاً على طبيعة رواد المكتبة.
فالطالب الجامعي علي صبح يقول لـ«صدى الوطن» إنه لم يعد ينظر إلى المكتبة باعتبارها مكاناً لاستعارة الكتب، بل باعتبارها جزءاً أساسياً من حياته الجامعية.
ويضيف: «خلال فترة الامتحانات أقضي ساعات طويلة في المكتبة لأنها توفر الهدوء وقاعات الدراسة وأجهزة الحاسوب والمراجع التي أحتاجها. من الصعب أن أجد مكاناً يجمع كل ذلك بالمستوى نفسه ومن دون أي تكلفة».
ولا تقتصر أهمية المكتبات على التجارب الشخصية، وإنما تؤكدها الأرقام والبيانات أيضاً. فخلال السنة المالية 2025، أصدرت مكتبات ديربورن 3,253 بطاقة عضوية جديدة، فيما تجاوز عدد حاملي البطاقات النشطة 22 ألف عضو، وهو ما يعكس استمرار الإقبال على خدمات المكتبة رغم التوسع الكبير في البدائل الرقمية.
كما أظهرت بيانات الإعارة أن كتب الأطفال المصورة جاءت في صدارة المواد الأكثر استعارة، تلتها الروايات ثم الأفلام وكتب القراءة المبكّرة والقصص المصورة للأطفال، في مؤشر يؤكد أن الكتاب الورقي ما زال يحتفظ بمكانته إلى جانب الوسائط الرقمية، لا في منافستها.
لكن كل هذه الخدمات، من المختبرات الرقمية إلى البرامج التعليمية، ومن قواعد البيانات الإلكترونية إلى المساحات المجتمعية، من يدفع ثمن كل هذه الخدمات؟
قد تبدو معظم الخدمات التي تقدمها مكتبات ديربورن مجانية بالنسبة للمستفيدين، لكنها في الواقع تقوم على نموذج تمويل يرتبط مباشرة بالمجتمع المحلي.
وسيكون هذا التمويل على المحك في انتخابات الرابع من أغسطس القادم، حيث سيصوت الناخبون على مقترح بتجديد ضريبة الملكية العقارية (ميليج) المخصصة لتمويل المكتبات العامة بمقدار مِل واحد سنوياً لمدة عشر سنوات (المل الواحد يساوي واحداً بالألف من القيمة الضريبية للعقار). أي أن مالك المنزل الذي تبلغ قيمته الضريبية ١٠٠ ألف دولار مثلاً، سيدفع حوالي مئة دولار سنوياً للمساهمة في تمويل مكتبات المدينة.
وتوضح المديرة باتريشيا بودزيكوفسكي أن ضريبة «الميليج» تشكل المصدر الرئيسي لتمويل مكتبات ديربورن، فيما تُستكمل بقية الميزانية من خلال مصادر أخرى، تشمل الغرامات الجزائية، وصندوق مكتبات ولاية ميشيغن، وعائدات قانون ميشيغن لاستقرار المجتمعات المحلية LCSA، إلى جانب التبرعات والدعم الذي تجمعه منظمتا «أصدقاء مكتبة ديربورن» و«مؤسسة مكتبة ديربورن». وهما منظمتان غير ربحيتين تدعمان المكتبة وبرامجها.
عملية تطوير مستمرة
لا يقتصر أثر هذا التمويل على تشغيل المكتبات اليومية، بل يمتد أيضاً إلى تطوير بنيتها التحتية. فقد خضعت مكتبة هنري فورد خلال السنوات الأخيرة لعملية تجديد شاملة بملايين الدولارات لمواكبة احتياجات القرن الحادي والعشرين، عبر إضافة مساحات تعليمية حديثة ومختبرات رقمية ومرافق متنوعة.
ويقول المتحدث الإعلامي باسم بلدية ديربورن، حسن عباس لـ«صدى الوطن»، إن المكتبات لم تعد مجرد مؤسسات ثقافية، حيث أصبحت جزءاً من البنية الأساسية التي تعتمد عليها المدينة في التعليم وتنمية المهارات وتعزيز المشاركة المجتمعية.
وأضاف أن الاستثمار في المكتبات يعني توفير بيئات تعليمية للأطفال ومساحات دراسية للطلاب وخدمات للباحثين وبرامج ثقافية للعائلات وكبار السن، إضافة إلى دعم رواد الأعمال من خلال التكنولوجيا والخدمات الرقمية.
كما يشير عباس إلى أن ميزانية المكتبات تخضع لمراجعة سنوية ضمن موازنة المدينة، وتراقبها لجنة مكتبات ديربورن لضمان توجيه الأموال العامة نحو خدمات تتوافق مع احتياجات السكان.
وفي ما يتعلق بتجديد ضريبة الميليج، يوضح عباس أن الناخبين سيصوتون على مِل واحد، فيما يملك مجلس المدينة صلاحية إضافة ما يصل إلى مِل آخر عند الحاجة إلى تنفيذ مشاريع تطويرية. وقد بلغ إجمالي الضريبة بالفعل، 1.54 مل لعدة سنوات قبل أن يرتفع إلى ٢ مل لتمويل مشاريع تحديث فروع المكتبة، بما فيها فرعا «براينت» و«أسبر» اللذان يشهدان حالياً أعمال تطوير ستضيف مساحات جديدة مخصصة لبرامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون والرياضيات STEAM.
هل تستحق هذا التمويل؟
رغم الدعم الواسع الذي تحظى به مكتبات ديربورن مع كل استفتاء ضريبي، لا يخلو النقاش هذه المرة، من أصوات تتساءل عما إذا كانت المكتبات ما تزال بحاجة إلى مستوى التمويل نفسه، في ظل الانتشار الواسع للوسائط التكنولوجية الذكية وسهولة الوصول إلى المعلومات.
وفي هذا الصدد، يرى محمود بيضون أن هذا السؤال مشروع، ويقول لـ«صدى الوطن» إن معظم الناس أصبحوا يحصلون على المعلومات خلال ثوانٍ عبر الإنترنت دون الحاجة إلى تكبد عناء زيارة المكتبة والمرور عبر الإجراءات الروتينية، متسائلاً عمّا إذا كان من الأفضل توجيه جزء من الأموال العامة إلى خدمات أخرى.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي غيّر الطريقة التي يبحث بها الناس عن المعرفة، ولذلك أصبح من الطبيعي أن يعيد البعض، النظر في حجم الإنفاق على المكتبات.
في المقابل، ترى سهام الزين أن قيمة المكتبة لا تُقاس بحجم الضريبة التي يدفعها السكان، وإنما بالأثر الذي تتركه في المجتمع والصورة التي يقدمها المجتع عن نفسه. وتقول: «المكتبة اليوم تخدم الطفل قبل دخوله المدرسة والطالب في الجامعة والأم وكبير السن وكل من يريد تعلم لغة جديدة أو اكتساب مهارة أو البحث عن عمل». وأضافت «عندما تمول المكتبة، فأنت لا تمول رفوفاً من الكتب، وإنما تستثمر في فرص قد لا يجدها كثير من الناس في أي مكان آخر».
وبينما يجادل البعض بتراجع الإقبال على مكتبات ديربورن في ظل تزايد أعداد المهاجرين الذين لا يجيدون اللغة الإنكليزية، تحرص إدارة المكتبات على تطوير مجموعاتها بمختلف اللغات، وفي مقدمتها اللغة العربية، وذلك بالتعاون مع مؤسسات محلية، من بينها «المتحف العربي الأميركي الوطني» ومنظمة «أكسس»، فضلاً عن تنظيم فعاليات وبرامج تعكس التنوع الثقافي لسكان المدينة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن المكتبة يجب أن تكون مساحة يرى فيها كل فرد نفسه وثقافته ولغته.
أما بالنسبة إلى تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فلا ترى بودزيكوفسكي أن ذلك يمثل تهديداً للمكتبات، بقدر ما يشكل حافزاً يدفعها إلى تطوير رسالتها.
وتؤكد المكتبية المخضرمة أن مهمة المكتبة لم تعد تقتصر على توفير المعلومات، لأن المعلومات أصبحت متاحة في كل مكان، وإنما أصبحت تتمثل في تعليم الناس كيفية التحقق من صحتها، والتمييز بين المصادر الموثوقة والمعلومات المضللة، وفهم أدوات الذكاء الاصطناعي واستخدامها بصورة واعية ومسؤولة.
وختمت بالقول إن ما تقدمه المكتبات ستظل الشاشات عاجزةً عن تقديمه، وهو: الإرشاد الإنساني، والمساحات المشتركة، والتفاعل المباشر، والشعور بالانتماء إلى مجتمع يتعلم معاً.







Leave a Reply