العودة إلى المدارس: الغلاء يعيد ترتيب حسابات العائلات
ديربورن – إبتسام خنافر
مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، تعود الحقائب والدفاتر والأقلام والملابس والأحذية إلى قوائم مشتريات العائلات، غير أن الاستعداد للمدرسة هذا العام يأتي وسط ارتفاع تكاليف المعيشة واضطرار الكثير من الأسر إلى التقشف في الإنفاق، لاسيما في حال تعدد الأبناء وتراكم المصاريف.
لا تعيش جميع الأسر، الظروف نفسها. فهناك عائلات ميسورة تستطيع استيعاب هذه النفقات، وأخرى تنتظر التخفيضات وتقارن الأسعار، فيما تحتاج أسر أخرى إلى بعض المساعدة. لكن بين هذه الفئات المختلفة، يبقى ارتفاع تكاليف الاحتياجات اليومية، من الطعام والملابس إلى القرطاسية والبنزين، حديثاً يتكرر بانتظار قرع الجرس الأول من العام الدراسي الجديد.
وبحسب أحدث بيانات الاتحاد الوطني لمتاجر التجزئة، من المتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق على مستلزمات العودة إلى المدارس لطلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي يبلغ 43.3 مليار دولار هذا العام، مقارنة بـ39.4 مليار دولار في 2025، فيما تخطط الأسر لإنفاق حوالي 863 دولاراً في المتوسط على الملابس والأحذية والقرطاسية والأجهزة الإلكترونية. وفي ظل هذه الكلفة، يقول 78 بالمئة من المتسوقين أن ارتفاع الأسعار يدفعهم إلى البحث عن العروض وسبل التوفير.
المدرسة لا تنتظر
ينطلق العام الدراسي في الديربورنين يوم الاثنين المقبل في 24 آب (أغسطس) الجاري، ولكن بالنسبة إلى علي جابر، وهو أب لثلاثة أبناء في مدارس ديربورن العامة، بدأت حسابات المصروف قبل ذلك بأيام.
يوضح جابر لصحيفة «صدى الوطن» أنه لم يسافر مع أبنائه هذا الصيف إلى لبنان، بداية بسبب الأوضاع الأمنية هناك، ولكن أيضاً بسبب ارتفاع الأسعار ورغبته في المحافظة على مدخراته، خصوصاً مع مخاوفه من احتمال فقدان عمله خلال الأشهر المقبلة. وقال: «عندي أولاد ومدارس ومصاريف، لذلك أفضل أن أحافظ على المال للأشياء الأساسية بدلاً من إنفاقه على السفر».
وتعكس حالة جابر، واقع عائلات عديدة لا تعاني بالضرورة من عدم القدرة على شراء احتياجات أبنائها، لكنها أصبحت أكثر حذراً في توزيع دخلها تحسباً للمستقبل. فالرحلات والكماليات يمكن تأجيلها، أما المدرسة ومصاريفها فلا مفرّ منها.
وفي مقابل التضخم وارتفاع التكاليف، تشهد ديربورن وديربورن هايتس مع اقتراب العام الدراسي، سلسلة من المبادرات التي تتجاوز المدارس والمؤسسات غير الربحية إلى أصحاب الأعمال المحلية.
هناك جهات توزع الحقائب والقرطاسية مجاناً، وحلاقون يقدمون قصات شعر مجانية للطلاب، فيما تخصص بعض المحال، ومنها محال العصائر، عروضاً وهدايا ومشروبات مجانية احتفالاً بالعودة إلى الصفوف.
وبالنسبة إلى عائلة لديها أكثر من طفل، يمكن لهذه المبادرات أن توفر جزءاً من سلسلة مصاريف تأتي في وقت واحد، لكنها لا تنهي بالضرورة قائمة المشتريات. فبعد شراء الملابس والأحذية والحقيبة والاحتياجات الأساسية، قد تصل قوائم المعلمين التي تتضمن مستلزمات إضافية تختلف بحسب الصف والمادة.
وتقول فاطمة بيضون، وهي أم لأبناء يدرسون في مدارس كريستوود العامة بديربورن هايتس، إن ارتفاع التكلفة يصبح أكثر وضوحاً عندما تتعدد قوائم المعلمين.
وقالت لـ«صدى الوطن»: «قد نشتري كل ما نعتقد أن الأولاد يحتاجونه، وبعد انطلاق المدرسة تأتي قائمة كل معلم، وأحياناً تكون هناك ألوان أو أنواع معينة من الدفاتر والملفات الخاصة بكل مادة. وعندما يكون لديك أكثر من طفل، تتراكم الطلبات ويصبح الفرق في الأسعار واضحاً».
ولا تنتهي فاتورة العودة إلى المدارس عند القرطاسية والملابس. إذ يقول محمود محمد بزي لـ«صدى الوطن»: «الموضوع ليس أن الناس لن تشتري لأولادها. فالأهل سيؤمنون ما يحتاجه أولادهم في نهاية المطاف، لكن كل شيء أصبح أكثر كلفة. تملأ السيارة بالبنزين وتشتري الملابس والأحذية والقرطاسية وفي النهاية تشعر بالفرق في المبلغ الذي دفعته».
المساعدة بسرّية
في منطقة كريستوود التعليمية، التي تخدم مناطق وسط وشمال ديربورن هايتس، أكد المشرف العام الدكتور يوسف مسلّم لـ«صدى الوطن» أن المنطقة لم تتلق شكاوى مباشرة من الأهالي بشأن ارتفاع كلفة العودة إلى المدارس، لكنها تدرك الضغوط التي يفرضها التضخم وارتفاع الأسعار على بعض العائلات.
وقال مسلّم، الذي يتولى قيادة «كريستوود» منذ عام 2019، إن العائلات التي تواجه صعوبة في شراء المستلزمات اللازمة للعودة إلى المدرسة مدعوة إلى إبلاغ مدارسها بذلك. وأضاف: «نحن ندرك أنه مع التضخم الحالي أصبحت الأمور صعبة، ونعلم أن الكثير من الناس يعانون من ارتفاع التكاليف. لذلك لا نريد لأي شخص في المجتمع أن يشعر بأنه لا توجد مساعدة متاحة له».
وفي ما يتعلق بقوائم المستلزمات التي يرسلها المعلمون، أوضح المشرف العام أنها عبارة عن مواد «مُوصى بها» وليست متطلبات إلزامية، مؤكداً أنه «لن يتعرض أي طفل للعقوبة، ولن تكون هناك أي عواقب على الطفل الذي لا يستطيع الحصول على هذه المستلزمات».
ودعا مسلّم، أولياء الأمور الذين يواجهون صعوبة في تأمين بعض المواد إلى التواصل مباشرة مع مدير المدرسة، مؤكداً أن طلب المساعدة يعالج بسرية تامة، وأن المدرسة ستعمل على تأمين ما يحتاجه الطالب دون الكشف عن ظروف أسرته.
وشدد مسلم على أن المنطقة التعليمية لا تريد للأهالي أن يشعروا بأن هذا العبء يقع على عاتقهم وحدهم، لافتاً إلى أن السرية تصل إلى حد أن الطالب نفسه لن يعرف أن عائلته طلبت المساعدة، إلا إذا اختار والداه إخباره بذلك.
وأشار أيضاً إلى أن الغالبية العظمى من الآباء والأمهات في مجتمع كريستوود يعملون، ما يجعل بداية العام الدراسي أكثر تحدياً بالنسبة إلى بعض الأسر التي تحاول التوفيق بين متطلبات العمل واحتياجات الأبناء.
شبكة دعم تتجاوز القرطاسية
وفي مدارس ديربورن العامة، التي تخدم نحو 20 ألف طالب في ديربورن وأجزاء من ديربورن هايتس، أكد المشرف العام مايك عسيلي لـ«صدى الوطن» أن المنطقة تدرك الضغوط التي تواجهها العائلات في موسم العودة إلى المدارس مع ارتفاع أسعار المستلزمات والملابس والبنزين.
وعسيلي، الذي تولى منصب المشرف العام لمدارس ديربورن في وقت سابق من العام الجاري، بعد مسيرة طويلة من العمل ضمن المنطقة التعليمية، قال: «نعلم أن العائلات تشعر بالضغط في هذا الوقت من العام، مع ارتفاع تكاليف المستلزمات والملابس والبنزين».
وأوضح أن جهود المنطقة التعليمية لتخفيف بعض هذه الأعباء لا تقتصر على القرطاسية، إذ توفر وجبتي الفطور والغداء مجاناً لجميع الطلاب أسوة بجميع المدارس العامة بولاية ميشيغن، فيما يعمل قسم الخدمات الغذائية على ضمان استمرار وصول الوجبات إلى الطلاب حتى في الظروف الاستثنائية.
وأشار عسيلي إلى أنه عندما اضطرت بعض البرامج الصيفية إلى التوقف بسبب الأضرار التي خلفتها العواصف في المنطقة، تمكن فريق الخدمات الغذائية من مواصلة توفير الوجبات للطلاب.
كما تتعاون مدارس ديربورن مع جمعيات أولياء الأمور والمعلمين والشركاء المجتمعيين من المؤسسات غير الربحية والأعمال المحلية لتوفير الحقائب والقرطاسية والملابس وغيرها من الموارد للعائلات قبل بدء الدراسة وعلى مدار العام، فيما يوفر قسم الخدمات الغذائية، قائمة بالمنظمات التي يمكن اللجوء إليها للحصول على مساعدة إضافية.
وفي ما يتعلق بقوائم المستلزمات الإضافية التي قد يرسلها المعلمون، أوضح عسيلي أن الحقائب والمواد الأساسية توزع سنوياً بفضل الشركاء المجتمعيين، مؤكداً أن القوائم الإضافية وضعت لتكون «دليلاً وليست شرطاً»، وأن أي طالب لن يحرم من الدراسة بسبب عدم قدرة أسرته على شراء جميع المواد المدرجة فيها.
ودعا العائلات التي تواجه صعوبة إلى التواصل مع مدارسها، حيث يمكن توفير ما يحتاجه الطالب وربط الأسرة بالموارد المتاحة للمساعدة.
قدرات متفاوتة
ورغم ارتفاع الأسعار، لا يمكن رسم صورة واحدة لجميع العائلات. فهناك من يستطيع شراء جميع احتياجات أبنائه دون أن تشكل الكلفة أي عبء يُذكر، وهناك من يبحث عن التخفيضات والعروض المغرية، وهناك من يستفيد من حقيبة مستلزمات مدرسية توزع مجاناً أو قصة شعر ترويجية لتوفير جزء من المصروف، فيما تحتاج أسر أخرى إلى دعم أكبر.
كما أن الاستفادة من هذه المبادرات الخيرية لا تعني بالضرورة أن الأسرة تعاني ضائقة مالية، إذ أصبح البحث عن التوفير مع ارتفاع الأسعار خياراً طبيعياً بالنسبة إلى شرائح مختلفة من المجتمع.
وبين جابر الذي فضل المحافظة على مدخراته بدلاً من السفر، وبيضون التي تلمس ارتفاع الكلفة مع تعدد متطلبات المعلمين، وبزي الذي يرى أثر الغلاء من المتجر إلى محطة الوقود، تتعدد التجارب، فيما تتحرك المدارس والمؤسسات وأصحاب الأعمال المحلية لتخفيف جزء من تلك الأعباء عبر مبادرات متنوعة.
وفي المحصلة، يبدو موسم العودة إلى المدارس هذا العام، بالنسبة إلى كثير من العائلات، وقتاً حرجاً يحتاج إلى حسابات أدق وإعادة ترتيب للأولويات.







Leave a Reply