ديترويت
أثناء استراحتها في الزقاق الخلفي لموقع عملها تعرّضت موظفة في مطعم «تشيبوتلي» على شارع وودورد في وسط مدينة ديترويت، لعدّة طعنات أدت إلى مصرعها أمام أعين المارة وفي وضح النهار، يوم الأحد الماضي.
ورغم أن شرطة ديترويت تمكّنت سريعاً من تحديد هوية الجاني واعتقاله عبر الاستعانة بكاميرات المراقبة المنتشرة بكثافة في محيط المكان، إلا أن وحشية الجريمة العشوائية سرعان ما أرخت بظلالها على منطقة الداونتان التي تسعى منذ سنوات لتحسين سمعتها كمنطقة آمنة ومرحّبة بالزوار.
ويخشى المعنيون من أن حادثة الطعن المميتة التي أودت بحياة الأم الشابة، جاكويا ويكس ٣٤ عاماً، ستزيد على الأرجح من الانطباع السائد بأن الداونتاون غير آمنة، بغض النظر عمّا إذا كان هذا التصور صحيحاً أم لا.
وبالفعل، طغت حادثة الطعن المأساوية على عناوين الأخبار، في وقت لا تزال فيه حكومة المدينة والشركات التجارية، التي ضخت مليارات الدولارات في الداونتاون على مدار السنوات الأخيرة، تسعى لجذب سكان الضواحي المتردّدين إزاء زيارة ديترويت بسبب تاريخها العنفي.
وبينما تغصّ الداونتاون اليوم، بالمسارح والملاعب الرياضية والمطاعم والحانات، اعتاد سكان الضواحي خلال عقود مضت، على عدم زيارة المدينة بسبب سمعة ديترويت السيئة كبؤرة للجريمة والمخدرات، وقد جاءت جريمة طعن ويكس لتعزز لديهم هذا الشعور السلبي تجاه الداونتاون، حيث يمكن لعاملة أن تقتل بوضح النهار، في زقاق محاذٍ لأهم الشوارع وأكثرها ازدحاماً.
وبينما نالت ويكس تعاطفاً واسعاً انعكس بجمع عشرات آلاف الدولارات لدعم احتياجات ابنتها المراهقة، كاسيا ١٥ عاماً، سارعت الجهات المعنية إلى محاولة معالجة تبعات الجريمة وانعكاساتها السلبي على صورة الداونتاون.
وأقرّ المسؤولون بأن جرائم العنف التي تقع في وسط المدينة تترك أثراً كبيراً وغير متناسب على الانطباع العام بشأن مستوى الأمان في المدينة.
وذكرت رئيسة بلدية ديترويت، ماري شيفيلد، أن ويكس كانت خلال استراحة عمل من وظيفتها في مطعم «تشيبوتلي» على شارع وودورد حوالي الساعة ٢:٣٠ بعد الظهر، حين تعرضت لعدة طعنات على يد رجل في الزقاق الخلفي للمطعم.
وبينما أغلق «تشيبوتلي» أبوابه حداداً على الضحية، صرّح مسؤولون من شرطة ديترويت بأنه تم إلقاء القبض على المشتبه به بالقرب من تقاطع شارعي وودورد وستايت بعد رصده عبر كاميرات المراقبة.
وقد أفاد مكتب رئيسة البلدية بأن شركة «بدروك» –التي تدير شركتها الشقيقة «روك سيكيوريتي» شبكة من كاميرات المراقبة في الداونتاون– قد ساعدت في القبض على المشتبه به.
مريض عقلياً
بحلول يوم الأربعاء المنصرم، أصدر مكتب الادعاء العام في مقاطعة وين، اتهامات رسمية بالقتل العمد من الدرجة الأولى للمدعو ديفون جيسون واتسون ٤٢ عاماً. وقد رفضت المحكمة تحديد كفالة للإفراج عنه.
وصرحت كيم وورذي، المدعية العامة لمقاطعة وين، بأن مقتل ويكس قد يبدو حادثاً عشوائياً، إلا أن ذلك لا يعني عجز مكتبها عن إثبات تهمة القتل العمد ضد المشتبه به أمام المحكمة.
وعلى الرغم من عدم وجود معرفة مسبقة بين المشتبه به وويكس، إلا أن وورذي قالت –في مؤتمر صحفي عُقد يوم الأربعاء الماضي– إن واتسون «قد خطط لجريمته قبل الإقدام عليها».
وأوضحت وورذي أنه تم العثور على ويكس مصابة بعدة طعنات وتنزف بشدّة، بينما كان آخرون يهرعون لمساعدتها، فيما طارد شخص واحد على الأقل واتسون.
وفور قيام المتهم بطعن ويكس، فرّ هارباً على قدميه باتجاه الشمال وهو يحمل السلاح داخل حقيبة صفراء. في تلك الأثناء، قام أحد العاملين في المنطقة بملاحقته وتتبعه ومطاردته قبل أن يعترضه عناصر الشرطة ويقوموا بمحاصرته وإلقاء القبض عليه دون مقاومة.
وتأتي تهمة القتل العمد من الدرجة الأولى الموجهة إلى واتسون في أعقاب تقارير تفيد بمعاناته من مرض عقلي؛ إذ كان قد أُدخل المستشفى في شهر تموز يوليو المنصرم بسبب «ذهان حاد»، وشُخِّصت حالته بأنها «اضطراب فصامي عاطفي».
وبعد فحصه، أشار أحد الأطباء في تقرير طبي إلى إمكانية «توقّع –بشكل معقول وفي المستقبل القريب– أن يُلحِق الرجلُ بنفسه أو بالآخرين إصابةً جسديةً خطيرةً، سواء كان ذلك عن عمد أو دون قصد، وأنه قد أقدم على فعل أو أفعال أو أطلق تهديداتٍ جديةً تدعم هذا التوقع بشكل كبير».
وامتنعت المدعية العامة عن التعليق على حالة واتسون العقلية وقت ارتكاب الجريمة، لكنها صرحت بأن «مجرد احتمال معاناة شخص ما من مشكلات تتعلق بالصحة العقلية لا يعني أنه غير مسؤول تماماً عن أفعاله».
سمعة على المحك
قالت ياسمين بارمور، مديرة الإعلام في شرطة ديترويت أن «حادثاً من هذا النوع يثير القلق بطبيعة الحال، إلا أنه لا يعكس الوضع العام للسلامة في وسط مدينة ديترويت؛ إذ تظل المنطقة وجهة آمنة ونابضة بالحياة لآلاف الأشخاص الذين يعيشون ويعملون ويزورون المنطقة يومياً».
وأضافت: «تواصل الشرطة تواجدها الكثيف والواضح في جميع أنحاء وسط المدينة والأحياء السكنية، مع العمل بشكل وثيق مع شركائنا في مجال السلامة العامة والمجتمع لضمان استمتاع الناس بمدينتنا في أجواء آمنة».
ووفقاً لقسم شرطة ديترويت، انخفضت جرائم الممتلكات في وسط المدينة من ١,١٢٤ جريمة إلى ٩٧٤ جريمة خلال الفترة من بداية العام وحتى ٢٠ سبتمبر، بينما تراجعت جرائم العنف من ٢٠٣ جرائم إلى ١٨٦ جريمة حتى الآن هذا العام.
وقال ستيف دولونت، مساعد قائد شرطة ديترويت السابق، إن حادث الطعن الذي وقع يوم الأحد الماضي، من المرجح أن يثير تصورات سلبية حول مستوى الأمان في وسط المدينة، وأن يدفع كلاً من البلدية ومجتمع الأعمال للمطالبة باتخاذ إجراءات محددة.
وقال دولونت، الذي تقاعد عام ٢٠١٧ بعد خدمة ٣١ عاماً في جهاز الشرطة: «نعم، تتلقى الشرطة ضغوطاً من مكتب العمدة بعد وقوع جريمة بارزة في وسط المدينة. وتأتي الضغوط أيضاً من أصحاب الأعمال؛ فهم يريدون من الناس القدوم إلى وسط المدينة وإنفاق أموالهم».
وأضاف دولونت في تصريحاته لصحيفة «ديترويت فري برس»: «على الرغم من أن معظم جرائم العنف تقع في الأحياء السكنية، إلا أن الحكم على ديترويت يتم بناءً على ما يحدث في وسط المدينة».
وأضاف: «ينتاب الناس شعور بأن القدوم إلى وسط المدينة ليس آمناً، حتى وإن لم يكن ذلك صحيحاً بالضرورة؛ فالانطباع السائد هو ما يُشكل الواقع في نظر الناس، وعندما تتعرض امرأة للطعن في وضح النهار بوسط المدينة بعد ظهر يوم أحد، فإن ذلك يعطي صورة سيئة للغاية عن المدينة».
ويستقبل وسط مدينة ديترويت حوالي ٨٥ ألف زائر يومياً، بينما يعمل فيه نحو ٣٥ ألف شخص، وذلك وفقاً لبيانات «شراكة داونتاون ديترويت».
وقبل مقتل ويكس، كانت آخر جريمة قتل في وسط المدينة قد حدثت في ٢٦ يوليو الساعة ٨:٣٨ صباحاً عند تقاطع شارعي ثيرد وأبوت، خارج كازينو «أم جي أم».
وكشاهدة على الداونتاون، قالت غريس كيروس، مالكة مطعم «أميركان كوني آيلاند» الشهير على شارع لافاييت، إن المنطقة أصبحت أكثر أماناً بكثير مما كانت عليه في السابق.
ويعتبر مطعم «أميركان كوني آيلاند» من الأعمال التجارية القليلة التي ظلت صامدة في الداونتاون على مدار عقود من تردي الأوضاع الأمنية.
وأضافت كيروس في حديثها لصحيفة «ديترويت نيوز»: «أشعر بأمان أكبر بكثير، الآن، مقارنة بالسنوات الماضية، لكن الحوادث قد تقع في أي مكان، سواء كنت في وسط مدينة ديترويت أو في وست بلومفيلد. لقد توليت إدارة المطعم قبل ٤٠ عاماً، والوضع تحسن بالتأكيد، لكن لا بد للمرء دائماً أن يظل متيقظاً ويحمي نفسه».
وأشارت كيروس إلى أن أخطر المشكلات التي تواجهها تنجم عن أشخاص يعانون من أمراض عقلية.
وقالت: «هذا ليس مبرراً للسلوك السيء، ولكن لا بد من اتخاذ إجراءات بشأن قضية الصحة العقلية؛ فهؤلاء الأشخاص يترددون علينا طوال اليوم، كل يوم. لا توجد أماكن مخصصة لعلاجهم. يجب على الناس ترجمة أقوالهم إلى أفعال ملموسة وبناء مرافق تتيح لهؤلاء الأشخاص الحصول على المساعدة».





Leave a Reply