ديربورن – سارة شعبان
اختارت إدارة شرطة ديربورن، العريف محمد فرحات لنيل لقب «شرطي العام» لسنة 2025، تقديراً لـ«مهنيته الاستثنائية وأدائه الاستباقي وروحه القيادية والتزامه بالسلامة العامة»، في تكريم جاء بمثابة تتويج لمسيرة مهنية مستمرة منذ نحو عقد من الزمن لفتى مهاجر جاء من جنوب لبنان إلى الولايات المتحدة بحثاً عن حياة أفضل.
وقالت شرطة ديربورن، في بيان التكريم، إن فرحات، الذي يعمل ضمن وحدة شرطة الأحياء، «يتجاوز باستمرار نطاق مهامه المعتادة»، من خلال معالجة شواغل السكان ومساندة ضباط الدوريات والاستجابة للبلاغات وإنفاذ قوانين المرور وإجراء عمليات التوقيف، فضلاً عن اتخاذ تدابير استباقية عند الضرورة.
وأضافت الدائرة أن تفانيه في دعم زملائه ووضع مصلحة المجتمع في المقام الأول «يجسد أرقى قيم ومبادئ شرطة ديربورن»، مهنئة إياه على «هذا التكريم المستحق».
بداية فتى مهاجر
وصل فرحات إلى الولايات المتحدة عام 2001، وكان حينها في الخامسة عشرة من عمره، حاملاً معه ذكريات طفولة عاشها في جنوب لبنان، حيث ألقت سنوات الحرب وعدم الاستقرار خلال الاحتلال الإسرائيلي بظلالها على طفولته.
وقال فرحات لـ«صدى الوطن» إن بداية حياته الجديدة في أميركا لم تكن سهلة، ولاسيما أنه لم يكن يجيد الإنكليزية بسبب تعليمه باللغتين العربية والفرنسية.
تعلم لغة ثالثة شكّل تحدياً بالنسبة لفرحات، إلا أن مساعدة مدرّسيه في ديربورن ساهمت في تأقلمه سريعاً مع محيطه الجديد، حيث احتاج إلى نحو عامين قبل أن يصبح قادراً على التحدث بالإنكليزية بطلاقة.
صعوبة اللغة لم تقف عائقاً أمام مسيرته التعليمية، إذ تخرج فرحات من ثانوية «فوردسون» عام 2005، ثم تابع دراسته في كلية هنري فورد المجتمعية لمدة ثلاث سنوات، قبل أن يحصل على شهادة البكالوريوس في العدالة الجنائية من «جامعة مادونا» عام 2011.
وفي الوقت نفسه، كان فرحات يعمل للمساعدة في إعالة عائلته، إذ بدأ العمل في متجر «غرينلاند» (أسواق المصطفى) بديربورن منذ وصوله إلى الولايات المتحدة وهو في سن الخامسة عشرة، واستمر في العمل هناك طوال سنوات دراسته وحتى فترة وجيزة قبل انضمامه إلى شرطة ديربورن عام 2016.
ردّ الجميل
عن الأسباب التي دفعته إلى اختيار العمل الشرطي، أشار فرحات (40 عاماً) إلى أن تجربته الشخصية بعد وصوله إلى الولايات المتحدة كان لها أثر كبير في قراره، مؤكداً أن الدعم الذي تلقاه في بداياته ولّد لديه رغبة في أن يرد للمجتمع بعضاً مما قدمه له.
وأوضح لـ«صدى الوطن» أنه وجد في دخول سلك الشرطة، فرصة لتحقيق ذلك من خلال حماية الناس ومساعدة المجتمع الذي كان له دور في بناء حياته الجديدة.
ومع التحاقه بشرطة ديربورن، اكتسبت خلفية فرحات العربية واللبنانية بعداً آخر في عمله اليومي. فقد لاحظ وجود فجوة في التواصل بين بعض أفراد الشرطة والسكان، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالاختلافات اللغوية والثقافية في مدينة ذات حضور عربي أميركي متزايد.
وأشار فرحات إلى أن إتقانه اللغة العربية ومعرفته بثقافة الجالية وضعاه في موقع يمكّنه من مساعدة الطرفين على فهم بعضهما البعض، لافتاً إلى أن مخاطبة السكان بلغتهم لا تقتصر على تسهيل الحديث معهم، وإنما تساهم أيضاً في بناء الثقة.
وبالنسبة إليه، لم تعد العربية مجرد لغة يتحدث بها، بل أصبحت أداة تساعده في أداء مهامه داخل مجتمع يعرفه وينتمي إليه.
الطريق إلى الشارة
قبل أن يبدأ عمله الميداني في شوارع ديربورن، اجتاز فرحات مساراً تدريبياً مكثفاً، شمل 17 أسبوعاً في أكاديمية الشرطة، أعقبتها ستة أشهر من التدريب الميداني، ثم سنة من الاختبار خضع خلالها للتقييم من قبل أحد المشرفين.
وبعد أربع سنوات على انضمامه إلى الدائرة، ارتقى إلى رتبة عريف، ليواصل مسيرته في شرطة المدينة التي عاش فيها منذ سنوات مراهقته.
ومن خلال تجربته، يشجع فرحات، الشباب العربي الأميركي الراغب في إحداث فرق داخل مجتمعه على التفكير في العمل بمجال إنفاذ القانون، مؤكداً أن «العمل كشرطي مهنة مشرّفة»، وأن من يرغب في حماية مجتمعه والمساهمة في تغييره يمكنه أن يجد في هذه المهنة طريقاً لفعل ذلك.
حافز العائلة
إلى جانب مسيرته المهنية، يشير فرحات إلى الدور الذي لعبته عائلته في دعمه طوال السنوات الماضية . فهو متزوّج منذ عام 2010 وأب لابنتين، ويقول إن جزءاً كبيراً من الجهد الذي بذله في بناء مستقبله كان مدفوعاً برغبته في توفير حياة كريمة لابنتيه تختلف عن طفولته التي عاش جانباً منها وسط الحرب وعدم الاستقرار.
كذلك يقرّ فرحات بدعم زوجته وزملائه في الشرطة، مؤكداً أن هذا الدعم ساعده على تحقيق التوازن بين متطلبات المهنة ومسؤولياته الأسرية.
شرطي العام
عن اختياره «شرطي العام 2025»، أعرب فرحات لـ«صدى الوطن» عن اعتزازه بالجائزة، مؤكداً أنها تحمل بالنسبة إليه معنى يتجاوز التكريم، وتشكل حافزاً للاستمرار وتقديم المزيد.
وقال «يشرفني ويشعرني بالتواضع أن أحصل على هذه الجائزة. إنها تعني لي الكثير، وتجعلني أرغب في مواصلة ما أقوم به وتقديم ما هو أفضل لدعم المجتمع».
كما وجّه الشكر إلى إدارة شرطة ديربورن وزوجته وابنتيه، مؤكداً أن دعمهم يعني له الكثير فيما يواصل مسيرته المهنية.
فبعد نحو ربع قرن على وصوله إلى الولايات المتحدة فتىً لا يتحدث الإنكليزية، يجد فرحات نفسه اليوم، شرطياً مكرماً في المدينة التي نشأ فيها وبنى مستقبله المهني والعائلي عبر مسيرة اختارها لردّ الجميل لوطنه الجديد.





Leave a Reply