ديترويت – طارق عبدالواحد
أثارت التغطية الإعلامية المبالغ فيها لحادث مروري بين سائقة عربية وأخرى أفريقية أميركية، في حي وورنديل بغربي مدينة ديترويت، استياء واسعاً في المجتمع المحلي، وسط اتهامات بمحاولة توتير العلاقات بين العرب والسود في المنطقة لأغراض انتخابية.
ففي وقت تواصل فيه القيادات المحلية بمنطقة ديترويت جهودها الممتدة منذ عقود لتعزيز العلاقات بين العرب والأفارقة الأميركيين، انتشرت على ضوء حادثة وورنديل، تقارير صحفية حرصت على نبش التوترات القديمة وبثّ التفرقة العنصرية بين هذين المكوّنين الرئيسيين في منطقة ديترويت، عرين الديمقراطيين في ميشيغن، عشية الانتخابات التي يخوضها المرشح العربي الأصل، عبدول السيد، لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن الولاية.
حادث مروري
حوالي الساعة العاشرة من مساء ١٢ أيلول سبتمبر المنصرم، وقع حادث مروري بالقرب من تقاطع شارع بول وطريق ساوثفيلد السريع في غرب ديترويت، إثر تجاوز سائقة عربية أميركية تبلغ من العمر ١٨ عاماً الإشارة الحمراء واصطدامها بسيارة تقودها سيدة أميركية من أصل إفريقي.
ونتجت حالة من الفوضى عقب الحادث المروري الذي تزامن مع حالة وفاة في الحيّ ذي الأغلبية العربية، حيث سرعان ما خرجت الأمور عن نطاقها المعتاد بعد تجمهر عشرات الشبان المعزّين في محيط الحادث وسط توجيه شتائم وعبارات عنصرية نابية وتهديدات بحق المرأة الإفريقية الأميركية سوزان غلاس–سميث ٥٠ عاماً، حسبما أظهرت مقاطع فيديو تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ورداً على ما جرى، وتحديداً بعد خمسة أيام من الحادث المروري، توافد أعضاء مسلحون من منظمة «نيو إيرا ديترويت»، المدافعة عن حقوق السود، إلى الحي لمواجهة السكان المحليين و«المطالبة بالعدالة» والرد على الإهانات العنصرية التي تعرضت لها سميث.
وفي اليوم التالي أيضاً، وثق أفراد المجموعة ذاتها تجولهم في الحي، مجددين الشعارات نفسها وسط حضور محدود للشرطة، بحسب مقاطع فيديو نُشرت على منصات التواصل الاجتماعي، .
وبينما طلب محامي الضحية توجيه تهم الكراهية لبعض الأشخاص الذين هاجموا موكلته لفظياً عقب الحادث المروري، امتنع مكتب الادعاء العام في مقاطعة وين عن توجيه أية تهم لغير السائقة الشابة.
وأعلنت المدعي العام، كيم وورذي، عن اتهام السائقة العربية التي تم تهريبها من موقع الحادث، بارتكاب جنحة عدم التوقف في موقع حادث أسفر عن إصابات محتملة وأضرار مادية.
ولعدم كفاية الأدلة، قالت وورذي إن مكتبها لم يوجه أية تهم إلى شاب عربي ٢٠ عاماً كان قد اعتقل على خلقية الحادث بناءً على مقاطع فيديو تظهره وهو يهدد السائقة الأفريقية الأميركية.
تغطية مريبة
حرص عدد من الصحف وقنوات التلفزة المحلية في منطقة ديترويت على إفراد مساحات كبيرة لتغطية حادثة وورنديل، مستعيدة صفحات مظلمة من تاريخ العلاقات بين العرب والسود، فيما اتهمت قيادات محلية، وسائل الإعلام المنخرطة بالتحيّز والتسييس غير المسؤول.
وأدى التركيز الإعلامي على هوية السائقة العربية المتسببة بالحادث المروري، وكذلك استحضار حوادث غابرة، واختيار عناوين فضفاضة مثل «توتر بين العرب والسود»، إلى إثارة شكوك المراقبين حول حملة ممنهجة لتهييج الرأي العام وبث التفرقة بين السكان المحليين لأغراض انتخابية بحتة، تتعلق بشكل خاص بسباق مجلس الشيوخ الأميركي، حيث يحتاج المرشح العربي الأميركي عبدول السيد إلى أوسع دعم من الناخبين السود للفوز على منافسه الجمهوري مايك روجرز في انتخابات نوفمبر القادم.
وفي الإطار، أبدى مؤسس «المجلس الأميركي لحقوق الإنسان» عماد حمد، تحفظه الشديد على التغطية الإعلامية، منتقداً بشكل خاص، تقرير الكاتب جورج هانتر في صحيفة «ديترويت نيوز»، مشيراً إلى أنه حاول توظيف الحادثة المرورية كمسوغ لاستدعاء ونبش حوادث دموية يعود بعضها إلى أكثر من أربعة عقود مضت، مثل قضية مقتل الشاب الأسود جيمس دوغلاس عام ١٩٨٠ على يد صاحب متجر من أصول عراقية، مشدداً على أن هذا «النهج الإعلامي لا يخدم مساعي التهدئة أو السلم المجتمعي، وإنما يتعمد إحياء ذكريات أليمة ونكء جراح تاريخية».
وقال متسائلاً: «ما علاقة حادثة سير يمكن أن تحدث في أي وقت وفي أي حي سكني بجريمة دموية وقعت قبل ٤٦ عاماً؟».
وأوضح حمد لـ«صدى الوطن» بأن التقارير الإعلامية المتزايدة التي تركز على إبراز الهوية العربية أو الإسلامية لمخالفي القانون تهدف في المقام الأول إلى وضع المجتمعات العربية والإسلامية في «قفص الاتهام الجماعي، بدلاً من التركيز على المعايير المهنية والموضوعية في معالجة القضايا الجنائية البحتة بعيداً عن الشحن الإثني والديني».
ولم يخفِ حمد، وجود حساسيات تاريخية كامنة بين المجتمعين العربي والإفريقي الأميركي، «والتي تطفو على السطح بين الحين والآخر»، مؤكداً في الوقت ذاته بأن الحوادث الجنائية الفردية مهما بلغت حدتها لا يمكنها أن تلغي «العلاقات الوطيدة والتحالفات الموضوعية بين المجتمع العربي الأميركي وبين مجتمع الأفارقة الأميركيين في منطقة ديترويت، كونهما تعرضا تاريخياً، ومازالا يتعرضان لمختلف سياسات التشويه والتهميش والإقصاء».
وقال حمد: «نحن نقف سوياً في خندق واحد مع إخواننا السود، ونتشارك وإياهم ذات المصير والتطلعات النضالية في معارك الدفاع عن حقوقنا المدنية وتحقيق العدالة الاجتماعية ودفع مسارات التنمية وانتزاع التمثيل السياسي العادل»، مضيفاً بأن منتهكي القانون من كلا الجانبين لا يمثلون سوى أنفسهم.
استغلال إعلامي
من جهته، لفت ناشر صحيفة «صدى الوطن» الزميل أسامة السبلاني إلى أن التغطية الإعلامية المتحيزة والممنهجة ضد العرب والمسلمين في منطقة ديترويت، من قبل صحيفتي «ديترويت نيوز» و«ديترويت فري برس»، وكذلك محطة «فوكس» المحلية، «ليست جديدة» و«ليست وليدة الصدفة»، موضحاً بأنه قام في السابق بالتعاون مع عدد من الفعاليات والقيادات العربية الأميركية بالتواصل المباشر مع مسؤولي تلك الصحف والمؤسسات الإعلامية في ديترويت للتعبير عن استيائهم ورفضهم للتغطيات غبر الموضوعية لأخبار العرب والمسلمين الأميركيين، ولكن من دون جدوى، حيث قوبلت تلك الجهود والمساعي بالتجاهل التام، مما «يعكس إصراراً مبيتاً على تكريس الصور النمطية السلبية واستمرار استهداف مجتمعاتنا في مختلف الظروف والمناسبات».
وقال السبلاني: «مثل هذه السلوكيات الإعلامية، وهذا السقوط المهني المتكرر، لم تكن مسألة عابرة، بل كانت السبب الرئيسي وراء تأسيس صحيفة «صدى الوطن» لتقديم مجتمعنا وتغطية أخباره بصورة موضوعية إلى المجتمع الأميركي».
وعزا السبلاني المشاكل والاحتكاكات التاريخية المتفرقة بين العرب والسود إلى طبيعة المعاملات التجارية اليومية «بين الزبائن وأصحاب المتاجر وعمال المحطات التي يمكن أن تحدث في أي مجتمع»، رافضاً بشكل قاطع محاولات إرجاعها لأسباب ثقافية أو دينية، مؤكداً بأن الثقافة العربية وقيمها الحضارية تنبذ هذه النزعات المرفوضة.
وقال: «لا يعقل بأن تكون هناك كراهية بين العرب وبين الأفارقة الأميركيين على أساس عرقي، وكيف يمكن أن يكون ذلك، وأكثر من نصف سكان العالم العربي هم أفارقة»، مضيفاً بأن العنصرية «هي مشكلة في الولايات المتحدة وفي الثقافة الأميركية، وليس في العالم العربي أو الثقافة العربية».
وانتقد السبلاني كلاً من الصحفي في «فري برس» نيراج ووريكو وزميله في «ديترويت نيوز» جورج هانتر، مبدياً عدم استغرابه من طريقتهما التحريضية في تغطية الحادث المروري، وقال: «إنهما لا يفوتان أية فرصة لبث التفرقة وتعميق الانقسام بين المجتمعات المتنوعة، وحتى داخل المجتمع العربي نفسه»، رابطاً التغطيات الصحفية الأخيرة بشكل مباشر بالمعركة الانتخابية المحتدمة في انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي، معتبراً أنها تصب في اتجاه الإضرار بحظوظ المرشح الديمقراطي.
ومع أن غالبية المقترعين في مدينة ديترويت لم يصوّتوا لصالح السيد في تصفيات الديمقراطيين في آب أغسطس المنصرم، إلا أن المرشح التقدمي يعوّل بشكل كبير على دعم الناخبين السود للفوز بمقعد ميشيغن في نوفمبر، وقد حظي بالفعل بدعم وتأييد أكبر المسؤولين السود في الولاية، مثل نائب الحاكم غارلين غيلكريست ومحافظ مقاطعة وين وورن أفينز، الذي حرص على تقديم السيد خلال حفل لجمع التبرعات لصالح حملته في مدينة ديربورن الشهر الماضي.
تحريض مرفوض
الشيخ ميكائيل ستيوارت–صدّيق، وهو قارئ إفريقي أميركي معروف وإمام «مركز المسلم» على شارع دايفيسون في ديترويت، انتقد بدوره، طريقة تغطية حادثة وورنديل، بما فيها تقارير صحيفتي «ديترويت نيوز» و«فري برس»، التي بدا وكأنها تنساق وراء «الفيديوهات والمنشورات الاستفزازية على وسائل التواصل الاجتماعي»، وفق تعبيره.
وأضاف الشيخ في حديثه لـ«صدى الوطن» بأن «استحضار حوادث وقعت بين المجتمعَين قبل سنوات أو عقود قد يوفر بعض السياق، لكنه لا يساعد على معالجة تلك الأحداث أو رأب الصدع الناجم عنها»، منتقداً ما وصفه بـ«المبالغة في التركيز على الانتماء العرقي في التغطية الصحفية التي يفترض أن تكون موضوعية، خصوصاً عندما يصدر ذلك عن صحفيين محترفين».
ورأى صدّيق بأنه تم استغلال الحادثة أيضاً لتشويه صورة المسلمين، مشيراً إلى أنه شاهد متصفحين يمينيين ومعادين للإسلام يستغلون صوراً ومقاطع صوتية لترويج خطاب الكراهية الخاص بهم من خلال استخدام عبارات من قبيل: «مجتمع السود في ديترويت سئم من معاملة المسلمين»، وقال إن قوميين بيضاً يروجون إعلانات عنصرية ومعادية للإسلام تستهدف المرشح الديمقراطي عبدول السيد، لافتاً إلى أن بعض وسائل الإعلام المحلية ذهبت إلى حد وصف الشبان الذين ظهروا في فيديو حادثة وورنديل بأنهم «مسلمون»، وهو ما اعتبره جزءاً من تأطير إعلامي مغرض.
احتواء التوتر
في حديثه لـ«صدى الوطن»، أوضح الأمين العام في «مجلس الأئمة المسلمين في ميشيغن» أيهم مشمشان، بأن مجمل التقارير الإعلامية التي تناولت حادثة وورنديل ركزت على تصوير ما حدث كمؤشر وثيق على التوترالعرقي المزعوم بين العرب والأفارقة الأميركيين، بدلاً من التغطية الموضوعية للمجريات التي تفاقمت بمحض الصدفة، بما في ذلك، السلوكيات العدائية تجاه السائقة السوداء،.
وقال: «هؤلاء الشبان لم يتجمعوا بقصد التهجم عليها، بل حاول بعضهم مساعدتها، في حين قام البعض الآخر بالإساءة إليها، وهذا تصرف نرفضه بشكل قاطع»، علماً بأن وجود عشرات الشبان في المكان كان سببه تقديم العزاء بوفاة أحد سكان الحي.
وأضاف مشمشان، الذي شارك في عدد من اللقاءات مع فعاليات من المجتمع الأفريقي الأميركي في ديترويت بهدف «تهدئة الأمور وتسوية الخلافات»، أن مسؤولية معاقبة أي شخص يخالف القانون تقع حصراً على عاتق أجهزة إنفاذ القانون والجهات الرسمية المختصة، ولا ينبغي للمنظمات الأهلية أو المجتمعية أن تتولى هذا الدور أو أن تتصرف باعتبارها جهة للعقاب، مؤكداً بأن الدور الحقيقي لهذه المنظمات يجب أن يتمثل في العمل على توطيد العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع، وفتح قنوات الحوار والتواصل بينها، ومعالجة الخلافات بطريقة تساعد على احتوائها وتهدئتها، وتقريب المجتمعات من بعضها بعضاً بدلاً من تأجيج التوترات وتعميق الانقسامات بينها.






Leave a Reply