الإعلاميّان البارزان أويغور وكاسباريان يضعان فلسطين والحرّيات المدنية في صدارة الأمسية
ديربورن – إبتسام خنافر
أقامت رابطة الحقوق المدنية العربية الأميركية ACRL، مساء الأربعاء الماضي، حفلها السنوي الرابع عشر تحت عنوان «النضال من أجل العدالة»، في مركز فورد المجتمعي للفنون في ديربورن، بحضور حشد كبير من المسؤولين المنتخبين والمرشحين والحقوقيين وقيادات أمنية ومجتمعية في منطقة ديترويت الكبرى.
وجمع الحفل بين استعراض مسيرة الرابطة وتكريم شخصيات بارزة في الخدمة العامة وإنفاذ القانون، فيما حضرت بقوة، قضايا فلسطين وغزة ولبنان وحرية التعبير والمشاركة السياسية، ولاسيما في كلمتي ضيفي الأمسية الرئيسيين، الإعلاميين من شبكة «يونغ توركس» جينك أويغور وآنا كاسباريان.
أميركا التي نؤمن بها
افتتحت الأمسية التي قدّمها مراسل القناة المحلية السابعة WXYZ فراز جاويد، بأداء النشيد الوطني الأميركي من قبل جوقة طلاب مدرسة «ستاوت» المتوسطة في ديربورن.
وفي كلمة ترحيبية، هنأ رئيس بلدية ديربورن عبدالله حمود، ACRL على مسيرتها، مشيداً بدورها في الدفاع عن الحقوق المدنية ووقوفها «على الخطوط الأمامية» إلى جانب الناس، فضلاً عن بناء الجسور والتحالفات بين مختلف مكونات المجتمع.
وقال حمود إن الهدف الأسمى يجب أن يكون الوصول إلى مجتمع لا تعود فيه منظمات الحقوق المدنية ضرورية للدفاع عن الحقوق الأساسية، «لأننا نعيش في عالم نعترف فيه بكرامة وإنسانية بعضنا البعض».
وانتقل حمود إلى الحديث عن ديربورن، واصفاً إياها بأنها «مدينة أميركية بكل فخر»، ومستعرضاً مؤشرات قال إنها تعكس نموها وحيويتها، من بينها كونها ثاني أكثر المدن الكبيرة أماناً في ميشيغن، وارتفاع معدلات ريادة الأعمال وافتتاح المشاريع الصغيرة فيها، فضلاً عن كونها، بحسب قوله، أسرع مدن الولاية نمواً وإحدى أسرع المدن نمواً في عموم منطقة الغرب الأوسط الأميركي.
كما أشار حمود إلى أن ديربورن مدينة شابة، وأن معدل شغور المنازل فيها يقل عن اثنين بالمئة، قبل أن يثير ضحكات الحضور بوصفها «عاصمة إنجاب الأطفال في ميشيغن»، في إشارة إلى الارتفاع الكبير في معدل الولادات.
وقال حمود إن هذه المؤشرات تعكس استمرار «الحلم الأميركي» في ديربورن، رغم أن المدينة، على حد تعبيره، تبقى «تحت الهجوم وتحت المجهر بسبب هويتنا».
وأضاف: «نحن مدينة تؤمن بأننا نتسع لأي شخص ولكل شخص ليأتي عبر أبوابنا ويطلق على هذا المكان اسم الوطن، لأن هذه هي أميركا التي نؤمن بها».
وربط حمود هذه الرؤية بعمل ACRL، مؤكداً أن المنظمة الحقوقية وقفت إلى جانب المدينة «مرة بعد مرة» في الدفاع عن تلك الرسالة، قبل أن يوجه إليها الشكر باسم المجلس البلدي وعموم سكان ديربورن، معرباً عن تطلعه إلى استمرار الشراكة معها في السنوات المقبلة.
بدورها، رحبت المديرة التنفيذية للرابطة، المحامية هدى بري حراجلي، بالمسؤولين والقضاة والمحامين والقيادات المجتمعية والداعمين، وربطت رسالة ACRL بشعار الحفل هذا العام «العدالة في حركة»، مؤكدة أن الدفاع عن الحقوق يتطلب عملاً مستمراً.
قصة شخصية
حملت كلمة رئيس مجلس إدارة الرابطة، ناصر بيضون، بعداً شخصياً وسياسياً، إذ استعاد قصة والديه اللذين هاجرا إلى منطقة ديترويت قبل نحو ٥٧ عاماً، حيث عمل والده قرابة ٣٠ عاماً على خطوط التجميع في شركة «فورد»، قبل أن يبني بعد تقاعده منزلاً في بلدته الأم، بنت جبيل، بجنوب لبنان.
وبحسب بيضون، تعرض المنزل للتدمير على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وقال: «عندما أتحدث عن جنوب لبنان، فأنا لا أتحدث عن خريطة أو عنوان في الأخبار. أنا أتحدث عن منزل عائلتي».
وربط بيضون هذه التجربة بالدعوى القضائية التي رفعتها ACRL مؤخراً ضد الحكومة الأميركية وشركات عملاقة متعاقدة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، لتعويض المواطنين الأميركيين الذين تعرضت ممتلكاتهم للدمار في لبنان، كما ذكّر بجهود المنظمة الناجحة في مساعدة المواطنين الأميركيين على الخروج من قطاع غزة المحاصر.
وتطرّق بيضون إلى الحرب في غزة والاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأميركية وعمليات الترحيل والهجرة، موجهاً انتقادات حادة إلى الحكومة الأميركية والحزبين الديمقراطي والجمهوري، معتبراً أن المصالح المالية والسياسية تمارس نفوذاً كبيراً على صناعة القرار.
وشدّد على أهمية الانتخابات المقبلة والمشاركة السياسية، داعياً أبناء المجتمع إلى النظر إلى مواقف المرشحين بدلاً من الاكتفاء بولائهم الحزبي، ومؤكداً أن قوة المجتمع تبدأ من استخدام حقّ التصويت ومحاسبة المسؤولين.
عياد: انظروا إلى سجلنا
من جانبه، استعرض مؤسس الرابطة الحقوقية، المحامي نبيه عيّاد، جانباً من إنجازات ACRL القانونية، لافتاً إلى أن المنظمة تأسست انطلاقاً من قناعة بأن «العدالة لا تُمنح»، وإنما تحتاج إلى من يطالب بها ويعمل من أجلها.
وأضاف: «إذا أردنا الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص، فهذا يتطلب عملاً، والكثير منه».
وتحدث عيّاد عن قضايا خاضتها الرابطة في ملفات حظر السفر وقوائم حظر الطيران وممارسات القطاع المصرفي، وصولاً إلى الدعوى المتعلقة بممتلكات المواطنين الأميركيين في لبنان.
وردّاً على المشككين بقدرة منظمة حقوقية محلية على مواجهة الحكومة الفدرالية وشركات كبيرة، قال: «انظروا إلى سجلنا! تحققوا منه جيداً!».
وأضاف مستذكراً بعض المواجهات السابقة: «قالوا إننا لا نستطيع تحدي الحكومة بشأن أول حظر للمسلمين. فعلنا ذلك وانتصرنا»، مشيراً إلى أن الرابطة واجهت أيضاً شركات نافذة في القطاع المصرفي دون أن يثنيها ذلك عن مواصلة العمل ومواجهة التحديات.
وأكد عياد أن ACRL ستستمر في مسيرتها الحقوقية والتصدي لكافة الانتهاكات التي تطال أفراد المجتمع العربي الأميركي، موجهاً الشكر بشكل خاص إلى المحامين الذين يشاركون في قضايا الرابطة رغم الضغوط والتحديات الجمّة التي قد ترافقها.
كونوا الجسر
شهد الحفل تكريم نائب محافظ مقاطعة وين أسعد طرفة الذي مُنح جائزة «الشجاعة في الخدمة العامة»، تقديراً لمسيرته الممتدة منذ نحو ٢٤ عاماً في الخدمة العامة.
واستعرض عضو مجلس مقاطعة وين وعضو مجلس إدارة ACR، المفوّض سام بيضون، مسيرة طرفة، منذ عمله في مكتب شريف مقاطعة وين وصولاً إلى توليه منصب نائب المحافظ في كبرى مقاطعات ولاية ميشيغن، حيث تشمل مسؤولياته ملفات الأمن العام والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية والرعاية الصحية والنقل.
وفي كلمتة، قال طرفة إن القيادة تبدأ بالقدرة على العمل ضمن فريق، قبل أن يتناول نشأته في مجتمعٍ لم تكن شبكات العلاقات والفرص متاحة دائماً لأبنائه.
وقال: «لم يكن لدينا دائماً شخص نتصل به. لم تكن لدينا شبكة علاقات أو معرفة بالأبواب التي يجب أن نطرقها. وفي معظم الأحيان، كان علينا أن نكتشف الأمور بأنفسنا من خلال التجربة والخطأ».
وأضاف أن الناس لا ينسون من يساعدهم في اللحظات الصعبة، مشيراً إلى أن الحكومات قد تمتلك برامج جيدة، لكن المشكلة أحياناً تكمن في غياب الصلة بين تلك البرامج والأشخاص الذين يحتاجون إليها.
ومن هنا جاءت رسالة طرفة الرئيسية للحضور: «كونوا الجسر». وأضاف: «افعلوا ذلك لأنه الشيء الصحيح، وافعلوه لأنكم تستطيعون، وافعلوه لأن مستقبل شخص ما ربما يعتمد عليكم»، مؤكداً أن «الخدمة العامة تتطلب أحياناً اتخاذ الموقف الصحيح حتى عندما لا يكون الأكثر شعبية»
كما كرّم الحفل، قائد شرطة ديترويت تود بيتيسون، الذي تعذر عليه الحضور بسبب مشاركته في مؤتمر خارج الولاية، وتسلّم الجائزة نيابة عنه فرانكلين هايز.
وقال هايز إن الشراكات بين الشرطة والمؤسسات والمجتمع لعبت دوراً أساسياً في التحسن الذي شهدته ديترويت في مؤشرات الجريمة، بحسب الأرقام التي عرضها.
ونقل هايز، شكر بيتيسون إلى الرابطة، مؤكداً دعم مكتبه لمبادئ الحقوق المدنية والتعاون مع المجتمع.
نجما الأمسية
شكّلت كلمة الإعلامية آنا كاسباريان إحدى أبرز محطات الأمسية، إذ تناولت بصورة مطوّلة، الحرب الوحشية على غزة والعلاقة الأميركية الإسرائيلية وحرية التعبير، وربطت موقفها من قضايا المنطقة بتاريخ عائلتها الأرمنية. وقالت: «أنا مدينة للعالم العربي بالامتنان. العالم العربي استقبل أجدادي عندما فروا من وطنهم خلال الإبادة الأرمنية».
وأشارت إلى وجود جاليات أرمنية في لبنان وسوريا وإيران وفلسطين التاريخية، كما تحدثت عن جدتها التي قالت إنها ولدت في حيفا، لتؤكد أن علاقتها بالمنطقة ليست سياسية فقط، وإنما تحمل بعداً عائلياً وتاريخياً.
وتناولت كاسباريان الحرب في غزة وما خلفته من خسائر بشرية فادحة، ولاسيما بين الأطفال، ووجهت انتقادات شديدة إلى الحكومة الإسرائيلية والدعم الأميركي لها. كما قالت إن السنوات الثلاث الأخيرة أحدثت، من وجهة نظرها، تحولاً في وعي قطاعات واسعة من الأميركيين تجاه العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
ورغم حدة خطابها، شددت على رفض استهداف المدنيين من أي طرف، قائلة: «لن أدافع أبداً، تحت أي ظرف، عن إيذاء المدنيين. لا يهمني ما هي إثنيتهم… لن أدافع أبداً عن أي مجموعة تؤذي المدنيين».
وتحدثت كذلك عن الطلاب والناشطين الذين واجهوا، بحسب قولها، ضغوطاً بسبب مواقفهم من الحرب، وعن الدور المتزايد للإعلام المستقل في تقديم روايات مختلفة عن وسائل الإعلام التقليدية.
وفي ختام كلمتها، قالت كاسباريان إنها ترى أسباباً للتفاؤل في التحولات التي يشهدها الرأي العام الأميركي، مضيفة: «أحياناً تأتي العدالة ببطء، شيئاً فشيئاً، ثم تأتي دفعة واحدة». وختمت بالقول: «نواصل النضال بلا خوف، وبقوة، وبحب الإنسانية في قلوبنا».
أما جينك أويغور، مؤسس شبكة «يونغ توركس» فاستهل كلمته بتوجيه تحية إلى الرابطة والحضور، قائلاً: «في وقت يسوده الكثير من الظلام، أحب أن أكون في غرفة مليئة بالنور. أنتم النور».
وتابع: «أنتم الذين تقاومون. أنتم الذين تتحلون بالشجاعة. أنتم الذين تحافظون على الحقوق الأميركية ودستور الولايات المتحدة».
وانتقد أويغور بشدّة، نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في السياسة والإعلام الأميركيين، وتحدث عن قوانين وإجراءات قال إنها تحد من النشاط السياسي والاحتجاج المرتبط بمقاطعة إسرائيل أو الدفاع عن الفلسطينيين.
وفي معرض حديثه عن الخطاب الأميركي تجاه الحرب، طرح سؤالاً قال إنه نادراً ما يسمعه في وسائل الإعلام: «هل لفلسطين الحق في الوجود؟».
وربط أويغور الدفاع عن الفلسطينيين بالدفاع عن الحقوق الدستورية داخل الولايات المتحدة، موجّهاً رسالة مباشرة إلى العرب والمسلمين وغيرهم من الأقليات. وقال: «سواء كنت مسلماً أو تركياً أو عربياً أو أرمينياً، نحن لسنا أميركيين بنسبة ٥٠ بالمئة، ولسنا أميركيين بنسبة ٩٥ بالمئة، نحن أميركيون بنسبة ١٠٠ بالمئة». وأضاف: «كل الأميركيين متساوون، وسنناضل من أجل هذه المساواة، وسنناضل من أجل حريتنا، وسنناضل من أجل حقوقنا».
واستحضر أويغور نضالات الأفارقة الأميركيين وحركة «ركاب الحرية» ومارتن لوثر كينغ الابن، قائلاً إن الحقوق التي تتمتع بها الأقليات اليوم جاءت نتيجة تضحيات أشخاص سبقوهم، وإن على الأجيال الحالية أن تتحمل بدورها مسؤولية توسيع تلك الحقوق وحمايتها.
واختتم أويغور كلمته بالتعبير عن أمله في رؤية فلسطين حرة، رابطاً ذلك بما وصفه بضرورة الدفاع عن حرية الأميركيين وحقوقهم أولاً.
احتفاء خاص
في الجزء الأخير من الحفل، احتفت ACRL بالقاضية رولا عون بمناسبة تعيينها في محكمة مقاطعة وين، وهي التي سبق لها تولي منصب المديرة التنفيذية للرابطة.
وقالت عون إن العمل الحقوقي والقضاء يمثلان دورين مختلفين، لكن كليهما أساسي في السعي إلى تحقيق العدالة، مؤكدة أن انتقالها إلى منصة القضاء لا يعني ترك تجربتها السابقة خلفها.
وقالت: «أنا لا أترك الحقوق المدنية خلفي، بل أحمل معي أهم درس علمتني إياه». وأضافت أن ما تحمله معها إلى القضاء هو «النزاهة والعدالة والمساواة والكرامة والمساءلة واحترام الجميع في قاعة المحكمة وفي الحياة عموماً».
وقبيل ختام الأمسية، فاجأ مجلس إدارة الرابطة، المحامي عياد بتكريم خاص تقديراً لمسيرته الحافلة في مجال الحقوق المدنية.
وتجدر الإشارة إلى أن الأمسية سبقها حفل استقبال تخلله معرض فوتوغرافي للفنانة اللبنانية الأميركية لونا سلمان، التي تناولت في سلسلتها تجربة اللبنانيين الأميركيين الذين يعيشون حياتهم اليومية في الولايات المتحدة بينما تظل ذاكرتهم ومشاعرهم مرتبطة بلبنان.










Leave a Reply