إبتسام خنافر
يومٌ واحد في السنة يحمل اسمنا بطريقة خفية. يومٌ بدأ قبل أن نعرف معنى الأيام أصلاً.
في مثل هذا التاريخ، قبل سنوات، كان العالم منشغلاً بأموره كعادته، الشوارع مزدحمة، الناس يركضون خلف مواعيدهم، أحدهم واقع في الحب، وآخر خرج منه لتوّه بقلب مكسور، والحياة تسير بهدوء غير ملتفتة إلى أنها على وشك استقبال مولود جديد. ثم وصلنا نحن. بكينا فوراً، وكأن الانطباع الأول عن الحياة ليس مطمئناً، رغم فرحة الجميع من حولنا… كبرنا، وأصبح لذلك التاريخ، اسم نعرفه: عيد ميلاد.
ومن هنا بدأت علاقتنا المتفاوتة معه. هناك من يعشقه ويبدأ الإعلان عنه قبل أسابيع بطريقة تبدو عفوية جداً كقوله: «بالمناسبة، بقي على عيد ميلادي ثلاثة عشر يوماً». وكأن المجتمع مطالب ببدء العد التنازلي. وعندما يأتي اليوم، يريد الكعكة والشموع والصور والرسائل، وربما أسبوع ميلاد كامل، لأن يوماً واحداً لا يليق بحجم المناسبة. وما أجمل ذلك الشخص السعيد إلى هذا الحد باليوم الذي جاء فيه إلى الدنيا، مقتنعاً في أعماقه بأن العالم كان محظوظاً بوصوله.
وللأغنية موعدها في هذا اليوم. ما إن تظهر الكعكة وتضيء الشموع حتى ترتفع الأصوات بـ«سنة حلوة يا جميل»؛ بعضها منسجم، وبعضها يعوّض نقص الموهبة بالحماس، وفي أعياد الميلاد الشخصية يبدو أن الحماس يكفي. وللأغنية العربية نصيبها من هذه المناسبة أيضاً؛ فهناك من يستقبل عاماً جديداً على صوت كاظم الساهر وهو يغني «كل ما تكبر تحلى»، فيبدو ازدياد العمر مجاملة جميلة تستحق أن نصدّقها، ولو في يوم الميلاد فقط. وفي مكان آخر، قد يختار أحدهم هاني شاكر و«عيد ميلاد جرحي أنا»، فتختلف الأغنية وتختلف معها الحكاية. بين من يحتفل بعمر يكبر ويحلو، ومن يعود به التاريخ إلى جرح قديم، تتسع أغنيات الميلاد لمشاعر كثيرة، تماماً كما تتسع الكعكة للشموع… حتى عمر معيّن على الأقل.
أمّا صاحب المناسبة، فله حكاية أخرى مع الغناء نفسه. بعضهم يصفّق ويشارك بكامل حماسه، كأنه انتظر هذه اللحظة طوال السنة، وبعضهم يقف أمام الكعكة مبتسماً في حيرة، يوزّع نظراته بين الشموع والوجوه، ولا يعرف ماذا يُفترض بالإنسان أن يفعل بيديه بينما يغنّي له الآخرون.
وبين هذا وذاك، يقبع معظمنا بتناقضاتنا. نقول إن التهاني لا تهمّنا، ثم نعرف بالضبط من لم يرسل تهانيه. ندّعي أننا لا ننتظر أحداً، ثم نتفقد الهاتف أكثر من المعتاد. تصل عشرات الرسائل، ويظل القلب، الذي لا يشتهر أصلاً بالمنطق، يبحث عن اسم واحد. وعندما تصل الرسالة أخيراً نقول ببرود متقن: «آه، تذكّر».
وللعمر مزاحه الخاص أيضاً. عندما كنا صغاراً، كنا نرفع أصابعنا بفخر ونقول: «عمري ثماني سنوات ونصف»، وكان النصف إنجازاً لا يجوز إسقاطه. ثم نكبر، فيختفي النصف أولاً، وبعد سنوات يصبح الرقم كله من المعلومات التي لا داعي لتداولها على نطاق واسع. وعند مرحلة معينة تصبح شمعة واحدة فوق الكعكة حلاً دبلوماسياً ممتازاً، تحفظ خصوصية صاحب الميلاد وتحمي الكعكة من خطر الحريق في الوقت نفسه.
وسط الضحك، يعرف الحنين طريقه إلى بعض أعياد الميلاد. صورة قديمة تحمل وجهاً لم يعد حاضراً، صديق أبعدته المسافات، شخص كانت تهنئته تصل أولاً، أو إنسان نفتقده ولا يستطيع العودة. يمتلئ الهاتف بالأسماء، وتظل العين تبحث للحظة عن اسم تعرف أنه لن يظهر. قد نضحك من القلب ثم تأخذنا ذكرى صغيرة إلى مكان آخر لثوانٍ. هكذا تجلس المشاعر كلها أحياناً حول كعكة واحدة: الفرح والحنين والامتنان، وقليل من الشجن الذي لا يحتاج إلى دعوة كي يحضر.
لهذا يبدو أجمل ما في عيد الميلاد أنه يشبه صاحبه. هناك من يريد حفلة وصوراً تكفي حتى العام المقبل، ومن يريد عشاءً صغيراً مع من يحب، ومن يريد هاتفاً صامتاً ويوماً عادياً تماماً. من يحب عيد ميلاده، فليحتفل حتى آخر قطعة من الكعكة، وليشعر أن الدنيا محظوظة بوجوده. ومن لا يحبه، فلنترك له حق المرور به كما يريد، والأفضل ألّا نحاول تغيير رأيه بمفاجأته بعشرين شخصاً يختبئون خلف الأريكة.
وفي اليوم التالي، تعود الحياة إلى طبيعتها. توضع الهدايا في أماكنها، تبقى قطعة كعكة في الثلاجة، تتوقف الرسائل، ونعود جميعاً إلى أعمالنا ومواعيدنا وحكاياتنا المعتادة. إلى أن يأتي التاريخ نفسه في العام القادم، ويبدأ كل شيء من جديد… وعلى الأغلب سيبدأ قبل موعده بأسبوعين عند ذلك الصديق الذي لن يسمح لأحد بأن ينسى.






Leave a Reply