ديربورن – إبتسام خنافر
يعدُّ حيّ «ديربورن هيلز» أحد أكثر أحياء مدينة ديربورن عراقةً وجاذبية للعائلات، إذ يشتهر بطابعه التاريخي وشوارعه المزدانة بالأشجار فضلاً عن قربه من وسط المدينة الغربي. إلا أن عدداً متزايداً من أصحاب العقارات في هذا الحي الهادئ، باتوا يعبّرون بصراحة، عن استياء عارم مما يصفونه بالسياسات «العدائية» و«الإقصائية» التي تنتهجها جمعية الحيّ الطوعية، لاسيما تجاه غير الأعضاء، وسط اتهامات بوجود نزعة عنصرية معادية للعرب بين مسؤولي الجمعية.
ففي حيّ يضم ١,٢٦٠ منزلاً، يقدّر عدد أعضاء «جمعية ديربورن هيلز» بحوالي ١٤٠ عضواً فقط. وعملياً، يتحكم هؤلاء –مقابل رسم عضوية لا يتجاوز ٢٥ دولاراً في السنة– ببقية أصحاب العقارات من خلال الانتقائية في تطبيق القيود واللوائح التنظيمية وصولاً إلى رفع الدعاوى القضائية ضد جيرانهم، بينما يتهم بعض المُلّاك، مسؤولي الجمعية باحتكار المنظمة لأنفسهم وعدم الترحيب بالأعضاء الجدد.
الأجواء المتشنجة بين الجمعية والسكان خرجت إلى العلن مساء الثلاثاء ٦ تشرين الأول أكتوبر الجاري، عندما مُنع عدد من غير الأعضاء من حضور الاجتماع السنوي الـ١٠١ للجمعية، مما تطلب استدعاء شرطة ديربورن للتعامل مع حالة التوتر.
وما حدث عند باب الاجتماع كشف بوضوح عن أزمة متشعّبة تتداخل فيها قوانين الجمعية مع سياسات العضوية واللوائح التنظيمية، وسط دعاوى قانونية تلاحق عدداً من أصحاب العقارات في الحيّ.
ويقول بعض أصحاب المنازل إن خلافاتهم مع الجمعية حول بعض تعديلات البناء المتعلقة بممتلكاتهم، سرعان ما تحولت إلى نزاع قضائي، وفيما يتحدث بعض العرب الأميركيين عن معاملة تمييزية تستهدفهم بسبب أصولهم الإثنية، إلا أن قائمة المعترضين على أداء الجمعية تشمل أيضاً، بعض المالكين من البيض الذين يشكلون أغلبية سكان الحي الواقع بمحاذاة ملعب «ديربورن هيلز» للغولف.
في المقابل، ينفي مسؤولو الجمعية اتهامات التمييز العنصري واستهداف أصحاب العقارات العرب والمسلمين، ويؤكدون أن تطبيق اللوائح التنظيمية الخاصة بالحيّ «أمر ضروري للحفاظ على طابع ديربورن هيلز التاريخي».
وكغيره من أحياء غرب ديربورن، شهد حيّ «ديربورن هيلز» خلال السنوات الأخيرة، نمواً مضطرداً في أعداد السكان العرب الذي قاموا بشراء العقارات وتجديدها، ولكن تمثيلهم ضمن الجمعية بقي شبه معدوم.
نفوذ الجمعية
جمعية «ديربورن هيلز» التي تلقت رسوم الاشتراك من أعضائها خلال الاجتماع الأخير –المغلق بوجه بقية السكان– تتمتع بصلاحيات واسعة في الموافقة على واجهات المنازل وشكلها الخارجي.
ويتم انتخاب قيادة الجمعية مباشرة من قبل الأعضاء، ومن بينهم مارغو كليفلاند، التي برزت مؤخراً في رفع دعوى قضائية ضد بلدية ديربورن احتجاجاً على زينة شهر رمضان المبارك.
وللدلالة على نفوذ الجمعية، فإن بعض المشاريع الخارجية التي يقدمها أصحاب المنازل إلى بلدية ديربورن يجب أن تخضع أيضاً إلى موافقة الجمعية التي تفرض قيوداً أكثر تشدّداً حيال المظهر الخارجي تحت إشراف شخصين متطوعين يقومان بمراجعة المخططات خلال فترة ٣٠ يوماً.
وتؤكد الجمعية أن القيود «تسري مع الأرض»، وأن سكان الحي صوتوا عام ١٩٩٩ على استمرارها حتى عام ٢٠٤٩. وبذلك يستطيع صاحب المنزل ألا ينضم إلى الجمعية، لكنه يبقى متأثراً بالقيود التي تقرر فرضها.
الدفع عند باب الاجتماع
عُقد الاجتماع السنوي في قاعة «ميموريال بارلور»، داخل مكاتب كنيسة تشيري هيل المتحدة المشيخية في ديربورن. وكانت الجمعية قد أعلنت عن الاجتماع عبر موقعها الإلكتروني ولافتات في شوارع الحي الذي يشقه طريق تلغراف.
وأظهرت لافتة صورتها «صدى الوطن» عبارة «الاجتماع السنوي –الثلاثاء– الساعة السابعة مساءً»، إلى جانب اسم الجمعية وإحالة السكان إلى موقعها الإلكتروني، من دون أن تظهر عليها عبارة «للأعضاء فقط». وفي المقابل، قال الموقع الرسمي للجمعية بأنه «الاجتماع السنوي الـ١٠١ للأعضاء».
وأمام هذا اللغط، وصل عدد من السكان إلى مكان الاجتماع، ولكن لم يُسمح لغير الأعضاء بالدخول.
وكان جو كورسو، الذي يعيش في ديربورن هيلز منذ ٣٣ عاماً، من أبرز المعترضين. وقال إنه يتفهم أن ينحصر التصويت بين أعضاء الجمعية، لكنه اعترض بشدة على منعه من الحضور والاستماع.
وتساءل: «لماذا يجب أن أدفع ٢٥ دولاراً لأسمع ماذا يجري في حيّي؟»، مؤكداً أنه يعيش هنا منذ عقود ومن حقه الاستماع إلى ما يجري في منطقته.
ومع احتدام النقاش، قال كورسو إنه أُبلغ بأن الشرطة قد تُستدعى لإخراجه، فرد: «اتصلوا بالشرطة. أريدهم أن يخرجوني».
وغادر كورسو المكان قبل وصول الشرطة، لكن الخلاف استمر مع آخرين لم يُسمح لهم بالدخول أو حتى دفع رسم الاشتراك. وفي وقت لاحق، حضر ضباط من شرطة ديربورن وتحدثوا مع الطرفين.
وإذا كانت حالة كورسو تظهر أن الاعتراضات لا تقتصر على السكان العرب الأميركيين، فإنّ أغلب المعترضين على أداء الجمعية كانوا بالفعل من العرب الأميركيين، وبعضهم يواجه فعلاً، دعاوى قضائية رفعتها الجمعية ضدهم بسبب التحديثات التي أدخلوها على عقاراتهم.
ويقع حي «ديربورن هيلز» في غرب ديربورن، ويحده شارع سيلفيري لين غرباً، وألموود شرقاً، وتشيري هيل من الشمال ونادي الغولف ونهر الروج من الجنوب.
دعاوى قضائية
بالنسبة إلى عبودي بيضون، تجاوز الخلاف مسألة العضوية ووصل إلى منزله والمحاكم.
وقال بيضون إن مشكلته بدأت في أيار مايو ٢٠٢٤، عندما قدم، عن طريق المقاول، مخططات لتنسيق حديقته الأمامية وإنشاء ممر نصف دائري للسيارات، موضحاً أن عائلته لديها خمس سيارات وأن صعوبة الوقوف في الشارع كانت أحد أسباب المشروع.
وبحسب روايته، حضر شخص من الجمعية بعد نحو أسبوعين لمعاينة المشروع المقترح، لكنه لم يتلق منه موافقة أو رفضاً خلال ٣٠ يوماً، فباشر بتنفيذ المشروع بعد اليوم الحادي والثلاثين. ولكن سرعان ما تطور الموقف لينشب خلاف مستمر ونزاع قانوني طال أيضاً مدخل المنزل والبلاط والسقف والشرفة والمرآب.
وقال بيضون: «ما أفعله في منزلي هو فقط أنني أحاول أن أجعله جميلاً. منزلي بُني عام ١٩٥٤ وهو بحاجة إلى تجديد». ووصف رجل الأعمال اللبناني الأصل ما يتعرض له بأنه «مضايقة»، متهماً الجمعية بالتشدد مع السكان العرب تحديداً. وطالب بيضون بتمثيل عربي أميركي داخل مجلس إدارة الجمعية، مشدداً على أولوية معالجة الخلافات قبل وصولها إلى القضاء.
من جانبها، تنفي الجمعية أن يكون العرق أو الأصل القومي أو الدين عاملاً في تعاملها مع السكان.
وأضاف بيضون إن خلافاته مع الجمعية وصلت، بحسب روايته، إلى أربع دعاوى قضائية، وإن قضية تتعلق بشرفته ما زالت قائمة، فيما قال إن نزاعات أخرى انتهت لصالحه. واختصر اعتراضه بسؤال: «قبل أن تقاضي جارك، لماذا لا تتواصل معه؟ لماذا لا تذهب وتقابله أولاً؟ لماذا لا تجري محادثة معه أولاً؟».
أما ستيف حمادة، فقال إن رسالته إلى توم، أمين صندوق الجمعية، هي ضرورة تعزيز الحوار مع الجيران بدلاً من اللجوء إلى الدعاوى القضائية.
ويفتح ذلك، سؤالاً أساسياً: ماذا يحدث قبل اللجوء إلى القضاء، ومن يتخذ قرار رفع الدعاوى؟
وهنا يبرز موقع المحامية والكاتبة المحافظة، مارغو كليفلاند، داخل الجمعية. فهي أمينة سر مجلس الإدارة، كما وصفتها محكمة استئناف ميشيغن في قرار سابق بأنها عضو في المجلس والمستشارة القانونية للجمعية. ولا تتوافر معلومات تثبت أن كليفلاند تتخذ قرار مقاضاة أصحاب المنازل بمفردها، لكن الجمع بين موقعها الإداري ودورها القانوني يجعلها شخصية مهمة ومؤثرة في فهم كيفية إدارة النزاعات التي تصل إلى القضاء.
وازدادت الشبهات حيال دور كليفلاند في مقاضاة السكان العرب والمسلمين في ديربورن هيلز، بعد قيامها في أيلول سبتمبر الماضي برفع دعوى فدرالية ضد رئيس بلدية ديربورن عبدالله حمود، بزعم تفضيل الدين الإسلامي على بقية الديانات، وتحديداً المسيحية واليهودية، بسبب صرف بضعة آلاف من الدولارات على زينة شهر رمضان خلال العامين الماضيين.
وتعكس دعوى كليفلاند الفدرالية ضد بلدية ديربورن تزمتاً دينياً واضحاً ضد المسلمين، بسبب تجاهلها مئات آلاف الدولارات التي تنفقها المدينة سنوياً للاحتفال بالمناسبات الدينية المسيحية مثل الميلاد المجيد، ولكن الدعوى بحدّ ذاتها لا تشكل دليلاً صريحاً على صحة أو بطلان مزاعم السكان العرب بتعرضهم للاستهداف من قبل الجمعية.
تهديد بدعوى تشهير
لم يبدأ تواصل «صدى الوطن» مع كليفلاند عبر البريد الإلكتروني، بل وجهاً لوجه ليلة الاجتماع السنوي، عندما سألت كليفلاند كيف علمت الصحيفة بموعد الاجتماع. وأوضحت «صدى الوطن» أن الموعد منشور على الموقع الإلكتروني للجمعية، إضافة إلى اللافتات المنتشرة في شوارع ديربورن هيلز، وأن متابعة ما يجري في المجتمع المحلي جزء من عملها الصحافي.
وخلال الحديث، طلبت كليفلاند من «صدى الوطن» إرسال الأسئلة عبر البريد الإلكتروني، وهو ما فعلته الصحيفة. وجاءت إجاباتها المكتوبة لاحقاً متفاوتة في نبرتها بحسب الموضوع المطروح.
فعندما سألتها «صدى الوطن» عن التغيرات التي شهدها حيّ ديربورن هيلز خلال السنوات الأخيرة، أجابت كليفلاند بأن الحي «كان محظوظاً» بتدفق عائلات شابة، معتبرة أن ذلك يعيد الحيوية إليه. وأضافت أن الجمعية كانت سعيدة في ليلة الاجتماع بالتواصل مع أمهات شابات متحمسات للتطوع وتنظيم فعاليات جديدة للأطفال.
لكن عندما تناولت أسئلة الصحيفة العضوية ومزاعم بعض السكان بشأن المعاملة المختلفة، جاء ردها بصيغة قانونية أكثر حدة. وقالت إن أي تصريح يشير إلى أن الجمعية منعت السكان بصورة غير مناسبة من الانضمام إليها، أو أنها تعامل السكان بصورة تمييزية على أساس العرق أو الأصل القومي أو الجنس أو الدين أو أي صفة أخرى، هو، بحسب وصفها، «كاذب وتشهيري».
ولم يقتصر ردّها على نفي الاتهامات، فقد هدّدت كليفلاند كلاً من «صدى الوطن» ومراسلتها بإمكانية مواجهة دعوى تشهير، وقالت إن الجمعية ستنجح في مثل هذه الدعوى كما فعلت في مرات سابقة ضد «أكاذيب مماثلة» وفق زعمها، مستشهدةً بقضية الجمعية ضد شركة «سكريپس» الإعلامية.
غير أن سجلات محكمة استئناف ميشيغن لعام ٢٠٢٢ تظهر أن محكمة الدرجة الأولى كانت قد منحت المدعى عليهم حكماً مختصراً بعدما خلصت إلى أن التصريحات محل النزاع لم تكن تشهيرية، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف القرار في أجزاء وتنقضه في أجزاء أخرى، ما يعني أن المسار القضائي المنشور لا يمكن اختزاله بوصفه «فوزاً» للجمعية.
وفي سؤال آخر، طلبت «صدى الوطن» من كليفلاند توضيح موقفها حيال منع أشخاص من حضور الاجتماع السنوي. فأجابت كليفلاند بأن جمعية ديربورن هيلز «جمعية مدنية طوعية تعقد اجتماعاً سنوياً لأعضائها». ثم قالت إن أي تصريح يشير إلى أن الجمعية منعت أفراداً بصورة غير مناسبة من حضور الاجتماع هو «كاذب»، وكررت أنه إذا كان ما يُنشر تشهيرياً، فإن الصحيفة ومراسلتها يمكن أن تتوقعا دعوى تشهير، مستشهدة مرة أخرى بقضية «سكريپس».
وبعد الاجتماع وردودها عبر البريد الإلكتروني، تواصلت «صدى الوطن» مع كليفلاند مرة أخرى، مانحة إياها فرصة إضافية لتوضيح ما جرى عند باب الاجتماع، وأسباب الخلاف حول دخول غير الأعضاء، وإضافة أي تعليق آخر ترغب بإدراجه في التقرير، إلا أن الصحيفة لم تتلق رداً إضافياً منها حتى موعد إعداد هذا التقرير.
اتهامات بالتمييز
يتهم بعض السكان العرب الأميركيين الجمعية بالتمييز ضدهم، وهي مزاعم تنفيها الجمعية وكليفلاند بصورة قاطعة رغم أن الجمعية تفتقر فعلاً لتمثيل عربي متكافئ.
وقال أحد السكان لـ«صدى الوطن» إنه يريد أن يرى تنوع الحي منعكساً بصورة أكبر داخل الجمعية ومجلس إدارتها، مضيفاً: «أنا فقط أريد التنوع».
وفي المقابل، يدافع ممثلون عن الجمعية عن القيود باعتبارها وسيلة للحفاظ على طابع ديربورن هيلز.
وقال جون ماثيوز نائب رئيس الجمعية، إن من يشتري منزلاً في المنطقة يجب أن يعرف الشروط المرتبطة بعقاره، مع إقراره بأن بعض القيود قد تخضع إلى تعديلات.
أما أليس ثورنتون لوباز، التي تعيش في الحي منذ عام ١٩٨٨، فقالت إنها لم تواجه مشكلة مع الجمعية، لكنها أقرت بأن بعض القواعد أصبحت «قديمة» وقد تحتاج إلى التحديث. كما أبدت تفهماً لرغبة السكان الجدد في تحسين منازلهم، مؤكدة: «أنا منفتحة ومرحبة بالجميع، وأنا منفتحة على التغيير».
في الختام، يبقى سؤال حمادة يشكل جوهر الخلاف: «قبل أن تقاضي جارك، لماذا لا تتحدث معه؟».
فالاختبار الحقيقي أمام جمعية ديربورن هيلز ليس قدرتها على تطبيق القيود فقط، بل قدرتها على إقناع السكان بأن القرارات واضحة ومتسقة، وأن المعايير تطبق على الجميع بالطريقة نفسها، وأن هناك طريقاً للحوار والاعتراض قبل أن يصبح الخلاف نزاعاً أمام القضاء.






Leave a Reply