أسباب عديدة تدفعهم لاختيار العيش في مدن أخرى قريبة نسبياً
كانتون – سارة شعبان
نشأوا في ديربورن وديربورن هايتس، ولكنهم اختاروا مدينة أخرى للاستقرار وبناء حياة جديدة. قد تتعدد الأسباب التي تدفع الشباب العربي الأميركي إلى اتخاذ خطوة «الغربة» خارج الديربورنين، غير أن الجامع الوحيد بينهم هو أنهم لا يرغبون بالابتعاد كثيراً.
فأبناء الجالية الذين تخرجوا من مدارس ديربورن وكريستوود، ممن هم الآن، في عشرينيات أو ثلاثينيات العمر، وقد أكملوا تحصيلهم العلمي وأطلقوا مسارهم المهني وأسسوا عائلاتهم الجديدة، يختارون بشكل متزايد، الانتقال إلى مجتمعات أخرى تلبي احتياجاتهم من جودة التعليم العام إلى فرص العمل والهدوء ورفاهية العيش في منازل كبيرة ومتباعدة. كل يبحث عن ضالته.
بالنسبة إلى البعض، كانتون هي الخيار. آخرون يفضلون ليفونيا أو بليموث أو حتى عجقة المدينة في داونتاون ديترويت، فيما يذهب البعض للاستقرار خارج مقاطعة وين دون الابتعاد كثيراً، فيختارون مدناً مثل تروي أو فارمينغتون أو نوفاي في مقاطعة أوكلاند، أو آناربر وضواحيها في مقاطعة واشطنو.
هذه الخيارات لا تعكس بالضرورة شعوراً بالجفاء تجاه ديربورن، بقدر ما تعكس رغبة أبناء الجالية بالبقاء قريبين من مدينتهم الأم، بحيث يمكنهم زيارتها متى ما شاؤوا مع الاستفادة من مزايا العيش في أماكن أخرى.
البحث عن الهدوء
بالنسبة إلى بتول حمود، ٣٤ عاماً، بدأ التفكير بطريقة مختلفة حول مكان السكن، بعد أن أصبح لديها طفلان. فقد نشأت في ديربورن هايتس، لكن مع تأسيس عائلتها أصبحت تبحث عن مساحة أكبر، وشوارع أكثر هدوءاً، ومدارس تشعر بأنها ستوفر لطفليها فرصاً أفضل. وجدت ضالتها في كانتون، تلك البلدية النامية باضطراد على بعد بضعة أميال غربي ديربورن هايتس.
وقالت حمود: «كنا نريد مكاناً أكثر هدوءاً وراحة. ديربورن يمكن أن تكون صاخبة ومزدحمة، حتى في الليل. أما كانتون فمختلفة».
ستريدا مقلّد، ٣٣ عاماً، نشأت هي الأخرى في ديربورن. ولديها ابنتان، ٩ و٤ أعوام، وكان التعليم العام من أهم العوامل وراء قرار العائلة بالانتقال إلى كانتون.
وأوضحت: «كان التعليم أولوية بالنسبة إلينا. أردنا أن يحصل أطفالنا على مدارس أفضل، لكننا أردنا أيضاً أن نكون في مكان يحترم الثقافات المختلفة»، مشيرة إلى التنوع الإثني الذي تتميز به مدارس بليموث–كانتون.
وتقول مقلّد إنها تلاحظ انتقال المزيد من العائلات اللبنانية من جيلها إلى كانتون، ولذلك لم تشعر بأنها انتقلت إلى مكان بعيد عن مجتمعها. كما أن ديربورن تبقى على مسافة نحو ٢٠ دقيقة، ما يسمح لها بالبقاء قريبة من العائلة والأصدقاء، وفي الوقت نفسه الحصول على المساحة والهدوء اللذين كانت تبحث عنهما.
تمدد المتاجر العربية
هناك عامل آخر يجعل الانتقال للعيش خارج الديربورنين أسهل اليوم مقارنة بالماضي. فالخدمات والأعمال العربية نفسها لم تعد محصورة في منطقة تركز الجالية العربية.
ففي كانتون، مثلاً، توسعت أعمال مألوفة لدى أبناء المجتمع العربي الأميركي، بينها أسواق «بابايا» وأفران «صاج» و«قهوة هاوس» وغيرها.
ولا يقتصر الأمر على كانتون. إذ أن انتشار المطاعم والمقاهي والأسواق العربية أصبح يغطي معظم ضواحي منطقة ديترويت الكبرى، ولم يعد الحصول على الخبز أو المناقيش أو الحلوى العربية أو اللحوم الحلال أو تدخين الأرجيلة حكراً على الديربورنين، ورغم ذلك تبقى لأجواء ديربورن مكانة خاصة في قلوب الأجيال التي ولدت ونشأت فيها، بحسب ربيع محمد.
يقول محمد: «بالنسبة للجيل الجديد لم يعد الانتماء إلى المجتمع العربي الأميركي مرتبطاً، بضرورة السكن والتقوقع في ديربورن».
وأضاف موضحاً «نحن جيل اعتاد أصلاً التنقل بالسيارة بين مدن مترو ديترويت». وتساءل «ما الضير بأن يكون المنزل في كانتون أو نورثفيل، والعمل في ديترويت، والعشاء والأرجيلة مع الأهل والأصدقاء في ديربورن؟»، مستدركاً بقوله «بغض النظر عن أسعار الوقود الجنونية هذه الأيام».
أولويات مختلفة
ليس كل من يفكر في الخروج من ديربورن يبحث عن الشيء نفسه. فمثلاً، علي ب. يفضل ليفونيا لأنها تمنحه توازناً بين القرب من العائلة والعيش في بيئة أكثر هدوءاً واحتراماً للخصوصية. هو لا يحتاج إلى الابتعاد كثيراً؛ فمجرد الانتقال إلى مدينة مجاورة يمكن أن يمنحه نمطاً مختلفاً من السكن من دون التضحية بسهولة زيارة ديربورن يومياً.
أما بسام محمود، فاختار بليموث، ليس بسبب رحابة المنزل والفناء الخلفي فحسب، بل أيضاً بسبب وسط المدينة الصغير ومطاعمه ومقاهيه وفعالياته التي تقدم تجربة مختلفة عن ديربورن.
روان مزهر تعيش تجربة أبعد، في آناربر، حيث جذبتها طبيعة المدينة الجامعية ووسطها التجاري الحيوي وتنوعها الثقافي. أما هادي، الذي اختار الإقامة في ضاحية برمنغهام الراقية فلا يرى ضرورة للعيش في زحمة ديربورن فقط لأنه ولد فيها.
جميع هؤلاء يؤكدون حبّهم لديربورن وشعورهم بالانتماء إليها، ولكنهم اختاروا تجربة نمط حياة مختلفة دون استبعاد إمكانية العودة إلى ديربورن يوماً ما. ومن هؤلاء، لؤي صعب، الذي اختار وجهة أخرى: داونتاون ديترويت. فهو يعمل هناك، ويرغب في عيش تجربة المدينة نفسها، قرب العمل والمطاعم والحياة الليلية الممتعة، بدلاً من القيادة إليها خلال عطلة نهاية الأسبوع.
هذه الوجهات المتعددة تعكس حقيقة بسيطة: فما تحتاجه عائلة جديدة لديها طفلان يختلف تماماً عما يبحث عنه شاب عازب في مقتبل حياته المهنية. المدرسة والحديقة والهدوء قد تكون الأولوية للبعض، فيما يصبح القرب من العمل والحياة الاجتماعية والأماكن الترفيهية أكثر أهمية للبعض الآخر.
عوامل مادية
من أبرز العوامل الأخرى التي تدفع الكثيرين إلى الانتقال للعيش خارج ديربورن، هو غلاء أسعار المنازل، لاسيما في الأحياء الهادئة بغربي المدينة.
إذ تقول مقلد إن مساحة منزلها في كانتون كانت من الأسباب الرئيسية التي دفعتها إلى اتخاذ قرار الانتقال، «فبالسعر نفسه يمكنك شراء منزل بمساحة تفوق ضعفي مساحة منزل مماثل في ديربورن»، ناهيك عن اتساع أرض العقار وبُعد مسافته عن الجيران، وفق قولها.
لكن ذلك لا يعني أن كانتون أرخص بصورة عامة. فبحسب بيانات «ريدفن، بلغ متوسط سعر بيع المنزل في كانتون نحو ٤١٠ آلاف دولار في آب أغسطس ٢٠٢٦، مقابل نحو ٢٨٠ ألف دولار في ديربورن. الفارق بالنسبة إلى بعض المشترين هو ما يحصلون عليه مقابل المال: مساحة أكبر، وحديقة أوسع، ومعظم الأحيان بناء أحدث.
ويقول علي الديراني، الوكيل العقاري لدى «ريماكس»، والذي يعمل في القطاع منذ ٥٠ عاماً، منها ٣١ عاماً مع الشركة نفسها، إنه شاهد أعداداً كبيرة من العائلات تنتقل من ديربورن وديربورن هايتس إلى كانتون، وكذلك إلى نورثفيل ونوفي.
وقال الديراني إن بعض العائلات الشابة تنتقل بحثاً عن «منازل أكبر وساحات أوسع» أو بسبب تفضيلات تتعلق بالمدارس ونمط الحياة، مشيراً أيضاً إلى احتمال وجود وفورات في الضرائب العقارية والتأمين بحسب المنطقة والعقار.
ويبلغ معدل ضريبة الملكية في كانتون ٣٩.٨٤ مِل، مقابل ٥١.٣٧ مِل في ديربورن المل الواحد يساوي واحداً بالألف من القيمة الضريبية للعقار. كما يشكل غلاء التأمين على السيارات في ديربورن عاملاً طارداً للسكان. إذ تشير بيانات عام ٢٠٢٦ إلى أن متوسط التأمين الشامل على السيارات فيها يبلغ نحو ٢,٩٢٠ دولاراً مقابل ٢,٢٧٧ دولاراً في كانتون، أي بفارق يقارب ٦٤٣ دولاراً سنوياً.
أبعد من المادة
بالنسبة إلى حمود، لم تكن أسعار المنازل والتأمين على السيارات، العامل الحاسم في خيار العيش ببلدة كانتون. إذ أن مدارس «بليموث–كانتون» العامة تحظى بتقدير وطني. وبحسب تصنيف U.S. News & World Report لعام ٢٠٢٥، جاءت الثانوية المحلية ضمن أفضل ٣٦ مدرسة ثانوية في ميشيغن، وضمن أفضل خمسة بالمئة من الثانويات العامة على مستوى البلاد.
وتقول حمود بأن قرارها يعود أيضاً إلى طبيعة الحياة التي تريدها لعائلتها بعد انتهاء اليوم الدراسي. فهي ترى كانتون أقل ازدحاماً وأكثر أمناً وملاءمة للعيش بهدوء، حيث يمكن لطفليها اللعب في الخارج من دون القلق المستمر من حركة السيارات.
أما في ديربورن، وتحديداً في شرق المدينة، حيث تتلاصق المنازل، فأنت من المحظوظين إذا وجدت مساحة لركن سيارتك على الشارع بسبب كثرة الازدحام.
يأخذون ديربورن معهم
ربما لا تكون هناك «ديربورن جديدة»، لأن أبناء هذا الجيل لا يتجهون جميعاً إلى مدينة واحدة. بعضهم يختار كانتون، آخرون، ليفونيا أو بليموث أو آناربر أو برمنغهام أو ديترويت. لكن ما يجمعهم هو انتماؤهم إلى ديربورن التي يحرصون دائماً على ألا تكون بعيدة كثيراً عن منزلهم الجديد.
وصحيح أن المطاعم العربية والمقاهي والأسواق أصبحت تنتشر في جميع أرجاء المنطقة ولا حاجة للذهاب إلى ديربورن من أجلها، إلا أن الأهل والأصدقاء والمناسبات والذكريات لا تزال تتركز هناك في عاصمة العرب الأميركيين.
وهكذا، قد لا تكون القصة قصة جيل يغادر ديربورن، بقدر ما هي قصة مجتمع تتسع حدوده.
فأبناء هذا الجيل لا يتركون ديربورن وراءهم عندما ينتقلون إلى مكان آخر، وإنما ديربورن، بمعناها الاجتماعي والثقافي، تتحرك معهم.






Leave a Reply