محمد العزير
ليس من المبالغة في شيء، القول إن المشاركة العربية الأميركية في الانتخابات تزداد أهمية مع كل دورة اقتراع. فمنذ ظهور العرب الأميركيين ككتلة إثنية ناشئة في ميدان السياسة أواخر سبعينيات القرن الماضي، قُدّر عليهم أن يكونوا في سباق دائم مع الوقت لإثبات حضورهم وتطوير قدراتهم وتعزيز دورهم المستجد، خصوصاً وأن القضايا التي تهمّهم، والتي تؤثّر فيها نتائج الانتخابات، كثيرة ومتعدّدة المستويات، تبدأ من حقوقهم المدنية والدستورية ومنع التمييز ضدّهم، ولا تنتهي في الوطن الأم حيث تبقى فلسطين، المحور الأبرز لاهتمامهم الذي ينصبّ أيضاً على أوضاع لبنان وسوريا والعراق واليمن… ومجمل العلاقات بين أميركا والعالم العربي.
وإذا كان هذا السياق مهماً بعمومه، فإنه يكتسب في هذه الدورة أهمية استثنائية قصوى، لأن صناديق الاقتراع التي سيام إغلاقها مساء الثلاثاء المقبل، ستحسم الكثير من الأمور الحيوية، وقد تنجح في تغيير المسار الرديء الذي أطلقته عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي، مع ما حملته من إجحاف يطال العرب الأميركيين مادياً ومعنوياً هنا، وتحدّيات تمسّ قضاياهم في الوطن الأم، لا سيما بعد الاضطراب الذي شاب صوتهم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حين تمكّن ترامب بشعبويته من استثمار الاشمئزاز العام من سياسة الرئيس السابق جوزيف بايدن البائسة تجاه حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والعدوان المفتوح على لبنان، وحصل على تأييد غير مستحق، لقاء وعود سلام كلامية لم ينفّذ شيئاً منها.
لكن الفوضى التي وسمت الانتخابات الماضية تلاشت، وصارت الصورة أكثر وضوحاً، ما يعني أن التصويت هذه المرّة سيكون أيسر، لأن الخيارات جلية والمواقف معروفة. ففي المشهد العام يبدو أن المزاج العربي الأميركي اعتدل واستعادت الخريطة الانتخابية شيئاً من توازنها، ويشير استطلاع الرأي الذي نشره المعهد العربي الأميركي AAI هذا الأسبوع، إلى أن أكثرية العرب الأميركيين ٥٩ بالمئة سيصوتون لمرشحي الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية، مقابل ٢٦ بالمئة يؤيدون الحزب الجمهوري. وأظهر الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة جون زغبي أن ٤١ بالمئة من المشاركين عرّفوا عن أنفسهم كديمقراطيين كانت النسبة عام ٢٠٢٤، ٢٣ بالمئة مقابل ٢٧ بالمئة كجمهوريين، فيما بلغت نسبة المستقلين ٣١ بالمئة، وهي أعلى نسبة من نوعها منذ بدء المعهد في إجراء الاستطلاع قبل ٣٠ سنة.
ويقول الاستطلاع الذي أجري بين السادس عشر والثالث والعشرين من الشهر الحالي وشمل ٥٠٠ شخص ينوون الاقتراع، أن ٥٦ بالمئة يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ، و٨٢ بالمئة يواجهون مصاعب معيشية بسبب ارتفاع الأسعار، و٦٥ بالمئة تعرّضوا لمضايقات عنصرية وتمييزية كانت النسبة ٥٣ بالمئة قبل سنة، و٥٣ بالمئة قالوا إن تصاعد الكراهية ضد العرب وضد المسلمين دفعتهم لزيادة مشاركتهم في العمل السياسي. وعن الانتخابات الرئاسية المقبلة قال ٩٠ بالمئة إن غزة ستكون مهمة في تحديد من سيصوتون له، وقال ٤١ بالمئة من الديمقراطيين إنهم لن يصوتوا لصالح مرشح ديمقراطي يرفض أن ينهي الدعم غير المشروط لإسرائيل.
هذا في الصورة العامة للصوت العربي الأميركي، أما في التفصيل يمكن لهذا الصوت أن يغيّر موازين السلطة في واشنطن والتي كانت لصالح الجمهوريين خلال السنتين الماضيتين، خصوصاً في مجلس الشيوخ الذي يحتاج الديمقراطيون إلى الفوز بأربعة مقاعد إضافية ليحرزوا الأغلبية فيه، وللعرب الأميركيين حضور مؤثر في ثلاث من الولايات التي تشهد تنافساً حاداً بين مرشحي الحزبين، وهي أوهايو وتكساس ونورث كارولاينا، ومن شأن المشاركة الكثيفة في الاقتراع لصالح المرشحين الديمقراطيين في هذه الولايات أن يعزز فرص فوزهم، ولن تقتصر نتائج ذلك على تغيير الغالبية في المجلس، بل ستزيد من نفوذ الجناح الليبرالي في الحزب الديمقراطي والذي يدعو إلى وقف الدعم غير المشروط لإسرائيل ويؤيد حل الدولتين، ويؤكد على الحقوق المدنية والدستورية للعرب الأميركيين والأقليات والمهاجرين عموماً.
وفي ميشيغن، حيث الحضور العربي الأكثر كثافة، تدور رحى مواجهة انتخابية حاسمة بين عبدول السيد، الذي يسعى لإبقاء مقعد الولاية في مجلس الشيوخ في الخانة الديمقراطية، وبين المرشح الجمهوري المتشدد مايك روجرز المدعوم من ترامب، والذي لا يتوانى عن استخدام الصور النمطية المسيئة للعرب والإسلام وعن التحريض ضد المهاجرين، وسيكون لفوز السيد آثار أبعد من حيازته لمقعد في المجلس، لأنه سيرفع سقف المشاركة العربية الأميركية في الحياة السياسية في الولاية التي تشهد منذ سنوات تقدماً مضطرداً، خصوصاً لجهة انخراط فئة الشباب في العمل السياسي وترشّح وفوز العديد منهم في مناصب محلية وعلى مستوى الدوائر الانتخابية، ومع أن السيد لن يكون أول مرشح من أصل عربي يفوز بمنصب عن الولاية ككل، قبله تم انتخاب سبنسر أبراهام عام ١٩٩٤، لكن تجربته المختلفة عن تجربة أبراهام الذي كان من نخب الحزب الجمهوري، لجهة حضور السيد الشعبي وتفاعله الدائم مع العرب الأميركيين وعمله الميداني، تجعله أكثر إلهاماً للطامحين إلى الترشح على مستوى الولاية.
وفي ميشيغن أيضاً، هناك الكثير من السباقات الانتخابية التي يخوضها العرب الأميركيون على مستوى الولاية هذا العام، مثل أمير مقلد المرشح لمجلس «جامعة ميشيغن» وشريف عقيل المرشح لمجلس «جامعة وين ستايت»، والقاضية مريم سعد بزي المرشحة لعضوية محكمة الاستئناف في الولاية، فضلاً عن رشيدة طليب الساعية للاحتفاظ بمقعدها في الكونغرس الأميركي، وعباس علوية لمجلس شيوخ ميشيغن، والعباس فرحات وجلال عبدالله لمجلس نواب الولاية بالإضافة إلى المرشحين للمجالس التربوية لمدارس ديربورن وكريستوود وآناربر،
كذلك مطروح على الاستفتاء في هذه الدورة الانتخابية جملة مشاريع قوانين، وما يستحق منها الدعم: توفير ١.٥١ مليار دولار لتجديد وترميم جميع مدارس ديربورن العامة على مدار العقدين القادمين بما في ذلك بناء ست مدارس جديدة، وإعادة النظر في ميثاق مدينة ديربورن هايتس، وتمويل تجديد المتاحف التاريخية في ديترويت، وتمويل حديقة حيوان ديترويت، واقتراح تقييد التبرعات المالية التي تقدمها الشركات والمقاولين المتعاقدين مع الحكومات المحلية. أما مقترح إعادة النظر في دستور ولاية ميشيغن فلا يستحق الدعم، لأنه قد يفتح الباب أمام تغييرات جذرية قد تجلبها أموال أصحاب النفوذ والأجواء الشعبوية والتعصب السائدة حالياً.
مرة جديدة يكون العرب الأميركيون أمام استحقاق كبير، وهذه المرة للاستحقاق نكهة مميزة على المستويين الوطني والمحلي، وبعد تجربة السنتين الماضيتين التي توجّت الجنوح الشعبوي في أميركا، وزادت من التحديات التي تواجههم وتتصل بالقضايا التي تهمهم تبدو الخيارات واضحة لا لبس فيها، والمشاركة العربية الأميركية الكثيفة، سيكون لها صدىً أكبر مما حصل في الانتخابات التمهيدية عام ٢٠٢٤، حين برز الصوت العربي الأميركي الرافض لبايدن كنقطة تحول في مسار التزكية الديمقراطية له كمرشح للرئاسة، ما دفعه في النهاية إلى العزوف عن الأمر.
كل الأمل اليوم أن يتصرف العرب الأميركيون بما تقتضيه الظروف، وألا يتأثروا ببعض الأصوات النشاز التي تدعو إلى المقاطعة أو إلى عدم التصويت لبعض المرشحين لأسباب سطحية وغير ذات أهمية.





Leave a Reply