غراند رابيدز
في مواضيع متعددة تخللتها اتهامات بالفساد والولاء للمال السياسي، تبادل المرشحان الديمقراطيان لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن، مساء الثلاثاء الماضي، اللكمات السياسية في المناظرة التلفزيونية الوحيدة بينهما قبل الانتخابات التمهيدية المقررة في الرابع من آب (أغسطس) المقبل.
وأقيمت المناظرة الانتخابية بين عضوة الكونغرس هايلي ستيفنز والمرشح التقدمي عبدول السيد في استوديوهات القناة المحلية الثامنة التابعة لشبكة «أي بي سي» في مدينة غراند رابيدز، وذلك بعد انسحاب المرشحة الثالثة في السباق الحالي، السناتور الحالية في مجلس شيوخ الولاية، مالوري مكمورو، التي علّقت حملتها قبل يومين من موعد المناظرة.
ورغم تنوّع المحاور التي تراوحت بين التضخم وأزمة غلاء المعيشة، مروراً بإصلاح منظومة الرعاية الطبية، وصولاً إلى المواقف المتباينة حول وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، إلا أن ملف الشفافية المالية وتمويل الحملات الانتخابية كان الأبرز والأكثر سخونة خلال المناظرة التلفزيونية اليتمية بين ستيفنز والسيد.
المال السياسي
خلال المناظرة التي دامت زهاء 50 دقيقة، شنّ السيد، الذي يقود حملته تحت عناوين مكافحة الفساد السياسي، ضربات متتالية لمنافسته، طالباً منها المرة تلو الأخرى الكشف عن الالتزامات السياسية والأخلاقية التي قدمتها خلف الكواليس للجان العمل السياسي التابعة للشركات الكبرى، و«لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأميركية» (آيباك)، التي تعتبر المموّل الأبرز لحملة النائبة عن «الدائرة 11» في ميشيغن، والتي تمكنت من جمع 40 مليون دولار، وفقاً للسيد.
ولم يفوّت المرشح العربي الأميركي، الإشارة إلى أن حملة ستيفنز تلقت 37 ألف دولار من شركة «دي تي إي أنيرجي» التي تحتكر قطاع الطاقة في منطقة ديترويت، رابطاً ذلك بالتقاعس التشريعي عن محاسبة الشركة في أزمات انقطاع التيار الكهربائي المتكررة، والتي كانت آخر فصولها الأسبوع المنصرم، حيث غرق مئات الآلاف في الظلام الدامس لعدة أيام، بعد عاصفة رعدية خاطفة.
وبينما ذكّر السيد (42 عاماً)، الناخبين بأنه المرشح الوحيد في سباق الكونغرس الأميركي الذي يرفض بشكل قاطع قبول أي تبرعات أو مساهمات مالية من الشركات وأصحاب المصالح الكبيرة، بدت ستيفنز أمام هذا الهجوم الضاري وكأنها تفتقر إلى ردود موضوعية، مكتفية بالقول بأنها «كشفت عن سجلاتها الضريبية»، وأنها «تمتلك الفواتير»، من دون أن توضح طبيعة وتفاصيل تلك الفواتير، رغم مطالبة السيد بذلك.
وهاجمت ستيفنز منافسها لتأخره في نشر إقراراته الضريبية وإفصاحاته المالية الشخصية ملمحة إلى أن ثروته تتجاوز المليون دولار، وقالت إنه من الصعب معرفة من يموله دون رؤية تلك الوثائق، ولكن السيد دفع هذا الاتهام، مبيناً أنه حصل على نفس التمديد القانوني الذي حصلت عليه ستيفنز عدة مرات في الماضي، قبل أن يشن هجوماً مضاداً مشككاً في رحلة قامت بها ستيفنز مع والدتها إلى البرتغال على نفقة مجموعة «سنتر فوروورد».
ستيفنز التي وصفت نفسها أكثر من مرة بأنها «حصان عمل»، زعمت بأن الماكينة الانتخابية للحزب الجمهوري تضخ أموالاً لدعم حملة السيد بطرق غير مباشرة، لكونه –بحسب زعمها– لن يكون قادراً على الصمود في الجولة النهائية الحاسمة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل أمام المرشح الجمهوري الأوفر حظاً، مايك رودجرز، المدعوم من الرئيس دونالد ترامب.
الأوفر حظاً في نوفمبر
في سياق الجدل المحموم حول فرص الفوز بالانتخابات العامة، جادلت ستيفنز بأنها الأجدر والأكثر كفاءة لخلافة السناتور الحالي غاري بيترز، متسلحة بسجل إنجازاتها التشريعية داخل مجلس النواب الأميركي ونجاحها في تمرير قوانين عملية تخدم ولاية ميشيغن، مثل قانون الرقائق الإلكترونية CHIPS Act لمواجهة الصين، واتفاقية التجارة الحرة مع كندا والمكسيك USMCA، التي وصفها السيد بأنها «كانت كالسرطان الذي نهش قطاع التصنيع التقليدي وعمال السيارات في ميشيغن وعموم الوسط الصناعي الأميركي».
وأكد السيد بأن القدرة الحقيقية على الفوز في جولة نوفمبر لا تأتي من استعراض وثائق صيغت لإرضاء مصالح واشنطن التقليدية، بل من خلال تقديم برنامج حقيقي يختلف كلياً عن خيارات المؤسسة الحزبية التقليدية، مؤكداً بأنه المرشح الوحيد القادر والكفيل بتحفيز القواعد الشعبية لهزيمة المرشح الجمهوري في الجولة النهائية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
التضخم وغلاء المعيشة
في ملف التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، طرح السيد رؤية هيكلية تركز على توفير نظام «التأمين الصحي للجميع» دون خصومات أو أقساط، ومواجهة الاحتكارات، ورفع الأجور بدعم من نقابات كبرى مثل اتحاد عمال السيارات واتحاد الممرضات (الذين يدعمون حملة السيد)، إلى جانب تحسين البنية التحتية والمدارس عبر «استئصال الفساد السياسي»، على حد تعبيره.
في المقابل، كررت ستيفنز الإشادة بنجاعة تشريعاتها الحالية في الكونغرس، واعدةً بالاستمرار في منع التعريفات الجمركية على مواد البقالة، ومواصلة العمل على خفض فواتير الخدمات والمرافق العامة.
كذلك، شكلت رعاية الأطفال، أحد المحاور التي أثيرت من قبل مشاهدي القناة الثامنة الذين تم اختيارهم لطرح أسئلة إضافية على السيد وستيفنز التي قالت بأنها قاتلت خلال خدمتها في الكابيتول إبان جائحة كورونا لتأمين أموال فدرالية أنقذت مراكز الرعاية النهارية وموظفيها، معترفة بأن التكاليف واصلت الارتفاع خلال رئاستي بايدن وترامب، مقترحة حلولاً إجرائية عبر، توسيع منح «بلوك» المجتمعية وبرامج الدعم المحلية في ولاية ميشيغن.
في المقابل، قارب السيد، الملف من زاوية شخصية كأب لابنتين، معتبراً كلفة رعاية طفلته الصغرى العبء الأثقل في ميزانية أسرته. وطرح السيد رؤية متقدمة بجعل دور حضانة الأطفال مجانية بالكامل، مقترحاً تمويلها بفرض ضريبة بنسبة 8 بالمئة على ثروات المليارديرات لتوفير 4.6 تريليون دولار، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق بصعوبة الأرقام بل بـ«القيم والأولويات السياسية».
إصلاح «آيس» أم إلغاؤها؟
«وكالة الهجرة والجمارك» (آيس)، فجرت انقساماً إيديولوجياً حاداً بين المرشّحين خلال المناظرة التي أدارها الإعلامي ريك ألبين بمشاركة المذيعة آمبر كريكا. إذ تبنى السيد موقفاً راديكالياً يطالب بإلغاء وتفكيك الوكالة بالكامل، مستنداً إلى مشاهداته الميدانية لانتهاكات عناصرها في مينيابوليس خلال عملية «مترو سيرج»، والتي وصف نتائجها بالـ«مرعبة». واعتبر السيد أن وكالة «آيس» باتت أداة لتطبيع القوى شبه العسكرية في الشوارع الأميركية، مؤكداً أنه جهاز لا يمكن إصلاحه أو إعادة تدريبه بل تجب إزاحته، وأضاف قائلاً: «هذا لا يعني عدم تأمين حدودنا أو التوقف عن إنفاذ قوانين الهجرة، بل يعني ألا نفعل ذلك على حافة تدمير الدستور نفسه»، مذكّراً بأن الوكالة حديثة العهد و«أصغر منه سناً».
أما ستيفنز فقد رفضت خيار إلغاء الوكالة، متمسكةً بضرورة إصلاحها ودعم الجهود الحزبية المشتركة لتعزيز أمن الحدود، مع التعهد بمحاسبة التجاوزات التي شهدتها إدارة ترامب والتي قالت بأنها «خارجة عن السيطرة تماماً».
وأردفت ستيفنز أن تجاوزات «آيس» تستدعي التغيير والمحاسبة لا الهدم، مستعرضة دورها التشريعي في مواجهة مسؤولي إدارة ترامب ومطالبتها برحيل كبارهم بمن فيهم وزيرة الأمن الداخلي المستقيلة كريستي نويم.
حروب الشرق الأوسط
عندما سُئل المرشحان عن استمرار تورط الولايات المتحدة في الحرب المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، وعما سيفعلانه حيال ذلك في مجلس الشيوخ الأميركي، شنت ستيفنز هجوماً علنياً على إسرائيل لإقحامها واشنطن في هذا الصراع، معتبرة أن ترامب «يبيع البلاد بمواصلة الحرب».
من ناحيته، اعتبر السيد أنه «من المفيد أن نتساءل لماذا دخلنا في هذه الحرب في المقام الأول»، موضحاً بأن هناك رجل واحد كان يريد خوض هذه الحرب، وهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وأضاف السيد أن سبب انجرار الولايات المتحدة إلى هذه الحرب هو تأثير اللوبي الإسرائيلي (آيباك) في السياسة الأميركية، موضحاً بأن المنظمة أنفقت عشرات الملايين من الدولارات في إعلانات هجومية تستهدفه، مقابل ترويج إعلانات كاذبة لتضخيم سجل منافسته. وقال «إنهم يريدون بوضوح مرشحاً بعينه، وهذا الشخص ليس أنا، إنهم ينفقون الأموال ضدي كما أنهم وصفوني بالمرشح الأكثر خطورة على العلاقة الأميركية الإسرائيلية».
في ردها، عاودت ستيفنز الزعم بأن خصمها يتلقى دعماً غير مباشر من قوى جمهورية تفضل فوزه في السباق الديمقراطي لكونه مرشحاً راديكالياً تسهل هزيمته في الجولة النهائية. وقالت ستيفنز «لا أخطط لتسهيل أي شيء على الجمهوريين أو مايك رودجرز. ما أفعله هو أنني أخوض معارك صعبة من أجل ميشيغن وسوف أنتصر»، ليرد السيد ساخراً بأن «آيباك» ستكون عندها رابحة في كلتا الحالتين سواء فازت ستيفنز أو رودجرز.
وقال السيد: «آيباك راضية تماماً عن خصميّ الاثنين، لأنهم يعلمون أنه سيكون لديهم صوت مريح وموثوق في مجلس الشيوخ الأميركي»، داعياً الناخبين لاختيار برنامج بديل يستثمر في المدارس والبنية التحتية والرعاية الصحية لا في الحروب الخارجية وخدمة المصالح الإسرائيلية.







Leave a Reply