برمنغهام
بسبب خطأ غير متعمّد، تواجه عائلتان عربيتان أميركيتان من سكان مقاطعة أوكلاند بولاية ميشيغن، سيلاً مستمراً من المضايقات والتهديدات، لاسيما بعد قيام مسؤولي المنطقة التعليمية التي يدرس فيها أبناؤهما، بإصدار بيان وصف سلوك العائلتين بأنه «تمييزي» و«معاد للسامية» على خلفية مشاركتهما في فعالية مدرسية.
وفي التفاصيل، كانت العائلتان المتحدّرتان من أصول فلسطينية قد تطوّعتا للمشاركة في «ليلة التعددية الثقافية»، التي تنظمها سنوياً مدرسة «بيفرلي» الابتدائية في قرية بيفرلي هيلز، عبر إقامة محطة تثقيفية خاصة بالثقافة العربية والفلسطينية تحديداً، ضمن الفعالية المدرسية المخصصة للاحتفاء بالثقافة والتنوع والشمول.
وفي إطار التحضير لهذه الفعالية، قامت العائلتان بشراء حزمة من الملصقات عبر الإنترنت تحمل شعار «فلسطين حرّة»، وقد وُصفت هذه الحزمة بأنها «ملصقات مخصّصة للأطفال… ومناسبة للمعلمين». ولكن ضمن تلك الحزمة، التي كانت تضم أكثر من 100 ملصق صغير، وُجد ملصقان لم يتم الإفصاح عنهما في وصف المنتج على الإنترنت، ولم تكن العائلتان على علم بوجودهما ضمن محتويات الحزمة؛ أحدهما يصور بندقية هجومية من نوع «كلاشينكوف»، والآخر يحمل عبارة: «تباً للصهيونية… فلسطين حرة».
وبمجرد اكتشاف الملصقين، تمت إزالتهما على الفور، لكن ذلك لم يحُل دون شنّ حملة تضييق واسعة أجّجها بيان إدانة عاجل أصدرته منطقة برمنغهام التعليمية، المشرِفة على ابتدائية «بيفرلي»، حتى قبل إجراء تحقيق شامل أو التواصل مع الأفراد المعنيين بالأمر.
وتخدم منطقة برمنغهام التعليمية عدة مجتمعات في جنوب شرقي مقاطعة أوكلاند، تشمل برمنغهام، بينغهام فارمز، بيفرلي هيلز، فرانكلين، وأجزاء من وست بلومفيلد وبلومفيلد هيلز وبلومفيلد تاونشيب وساوثفيلد وتروي.
ووصفت «الرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية» ACRL، بيان المنطقة التعليمية بأنه لم يكن متزناً أو مستنداً إلى حقائق، مؤكدة أن العائلتين «لم تتعمّدا أبداً تعريض أي طفل لألفاظ بذيئة أو لصور أسلحة نارية، كما أنهم لم يقدموا على مثل هذا التصرّف في أي من الفعاليات المدرسية السابقة».
وقالت الرابطة إن إدارة المنطقة التعليمية ومسؤولين محليين، بالإضافة إلى منظمات خارجية مثل «الاتحاد اليهودي في ديترويت»، سارعوا إلى إصدار بيانات علنية تصف الحادثة بأنها «معادية للسامية» و«تمييزية».
وجاء في بيان منطقة برمنغهام التعليمية: «نحن لا نتسامح مطلقاً مع أعمال الترهيب أو التنمر أو التهديد أو التمييز أو معاداة السامية داخل مدارسنا»، فيما ذهب بعض المسؤولين الرسميين إلى أبعد من ذلك، بوصف سلوك العائلتين بأنه «نشر ملصقات بذيئة ورموز للكراهية في أرجاء المدرسة».
وأكدت ACRL، في المقابل، على أن العواقب المترتبة على مثل هذه «الأوصاف المتسرعة وغير الدقيقة» قد تكون «وخيمة للغاية»، موضحة أنه منذ لحظة صدور البيانات المنددة، «تعرّضت العائلتان للمضايقات والتهديدات، كما تم نشر عناوين منازلهما السكنية علناً. وقد بات أفراد العائلتين يعيشون حالة من الخوف والقلق على سلامتهم الشخصية، ولم يعد أطفالهم يشعرون بالأمان عند الذهاب إلى المدرسة».
وأضافت الرابطة بأن حساسية الوضع تصاعدت «لدرجة أن شخصاً لم يكن حاضراً في الفعالية من الأساس قد تقدم ببلاغ للشرطة، مطالباً بالتعامل مع هذه القضية باعتبارها جريمة كراهية».
وشجبت الرابطة الحقوقية تسرع استجابة الإدارة، التي «لم تتخذ أي خطوات جوهرية لتصحيح الرواية، أو توضيح الحقائق، أو تطبيق تدابير لحماية هاتين العائلتين». كما لم تتخذ المنطقة التعليمية أي إجراءات لمعالجة التهديدات والسلوكيات التحرشية الموجهة ضدهما، أو وضع حد لها، بحسب محامي الرابطة.
وبينما بذلت ACRL جهوداً فورية للتواصل مع الإدارة وعقد اجتماع عاجل لمعالجة الموقف؛ تباطأت المنطقة التعليمية في ردّها قبل أن تحدّد يوم 11 أيار (مايو) الجاري موعداً للاجتماع، فيما سارع مسؤولو المنطقة التعليمية إلى عقد لقاء مع ممثّلين عن «الاتحاد اليهودي في ديترويت» بخصوص الواقعة ذاتها.
وأكدت الرابطة في بيانها أن المؤسسات العامة –ولا سيما المدارس– يقع على عاتقها الالتزام بالاستجابة بمسؤولية، وإجراء تحقيقات شاملة، والتواصل بدقة ومصداقية، مطالبةً منطقة برمنغهام التعليمية باتخاذ «خطوات فورية لتصحيح الموقف، والتواصل مع العائلتين المتضررتين، وضمان تمتع جميع أفراد مجتمعها المدرسي بحماية متساوية».
خطأ غير مقصود
لم تكن «ليلة التعدّدية الثقافية» في مدرسة «بيفرلي» الابتدائية، حدثاً استثنائياً بالنسبة لليلى بلبول وعائلتها. فالأسرة، التي شاركت لسنوات في تنظيم الفعالية الثقافية، اعتادت على تقديم المحطة الخاصة بالثقافة الفلسطينية والعربية عموماً، بهدف تعريف الطلاب والأهالي بالعادات والتقاليد العربية من خلال الطعام والموسيقى والملابس التراثية والأنشطة التعليمية وغيرها.
غير أن الأمسية التي بدأت كاحتفال بالتنوّع الثقافي، سرعان ما تحولت إلى كابوس لعائلة بلبول وعائلة فلسطينية أخرى، بعد العثور على الملصقات المثيرة للجدل ضمن طاولة هدايا للأطفال، ليتحول الموقف سريعاً إلى قضية شغلت مواقع التواصل الاجتماعي وأثارت ردود فعل غاضبة وبيانات رسمية وتحقيقات أمنية، رافقتها –وفقاً للرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية– موجة من التهديدات والتشهير والاستهداف العلني.
وبمواجهة حملة التضييق المستمرة، أكدت بلبول لصحيفة «صدى الوطن» أن ما حدث كان «خطأ غير مقصود» جرى تضخيمه قبل اكتمال التحقيقات أو الاستماع إلى رواية العائلة بشكل كامل.
وقالت بلبول إن مشاركتها في «ليلة التعددية الثقافية» لم تكن الأولى لها، موضحة أنها شاركت بإقامة محطة الثقافة العربية لعدة سنوات سابقة، بهدف تعريف الناس بـ«ثقافتنا الدافئة والمرحبة ومأكولاتنا التقليدية».
وأفادت بلبول، وهي من أصول فلسطينية سورية، أن زوجها فلسطيني أيضاً، وأن أبناءها يحملون هذا الإرث الثقافي الذي كانت دوماً حريصة على تقديمه داخل المدرسة بصورة تعكس روح الانفتاح والتنوع.
وأضافت أن المحطة التي شاركت في تنظيمها مع أسرة فلسطينية أخرى، تضمّنت مجموعة متنوعة من الأنشطة والمعروضات الثقافية، ومن ضمنها، مأكولات وملابس عربية تقليدية ولوحات تعليمية وقطعاً تراثية وآلات موسيقية بالإضافة إلى طاولة هدايا للأطفال احتوت على أقلام ومواد تشكيلية وحلوى وملصقات وغيرها.
وأكدت بلبول أن المحطة كانت تحظى بإقبال واسع في كل عام، سواء من الطلاب أو العائلات.
يوم الحادثة
بحسب رواية بلبول لصحيفة «صدى الوطن»، وصلت العائلات المشاركة إلى المدرسة حوالي الساعة الخامسة مساءً لتجهيز المحطات الثقافية قبل بدء الفعالية رسمياً عند السادسة من مساء 28 نيسان (أبريل) المنصرم.
وقالت إن المشاركين قاموا بتنظيم ست محطات متنوعة، تضمنت أطعمة ومعروضات وهدايا مخصصة للأطفال من عدة ثقافات. وأضافت أن مدير المدرسة أجرى جولة تفقدية على جميع المحطات المشاركة للتأكد من ملاءمة المحتوى المعروض وعدم وجود أي مواد مخالفة أو غير مناسبة، دون تسجيل أي ملاحظات أو اعتراضات على محطة فلسطين خلال تلك الجولة.
لكن بعد انقضاء نصف وقت الفعالية تقريباً، قالت بلبول إن مدير المدرسة اقترب منها وأبلغها بأن بعض أولياء الأمور اشتكوا من وجود محتويات «غير مناسبة» ضمن طاولة الهدايا الخاصة بالأطفال.
وقالت بلبول: «تفاجأت تماماً عندما تم إبلاغي بالأمر، لأنني لم أكن أعلم أصلاً بوجود هذه الملصقات».
وشرحت بلبول بأن الملصقات الصغيرة جاءت ضمن حزمة كبيرة تضم نحو مئة ملصق تم شراؤها عبر موقع «أمازون»، بوصفها «مناسبة للأطفال» و«مناسبة للمعلمين».
وأقرّت بلبول بأنها لم تشعر بالحاجة إلى مراجعة كل ملصق على حدة، خاصة أن وصف المنتج والصور المنشورة له على الإنترنت لم تتضمن أي محتوى مثير للجدل.
وشدّدت بلبول على أنها لم تكن تعلم أصلاً بوجود الملصقين اللذين يحتويان على بندقية «كلاشينكوف» وعبارة نابية مناهضة للصهيونية، وأنها لم تتعمد قط «إدخال شيء كهذا إلى مدرسة ابتدائية»، مؤكدة أنها فور علمها بذلك، ذهبت بنفسها مباشرة لتفقد الطاولة، لكن الملصقات كانت قد أُزيلت بالفعل.
تصعيد سريع للأزمة
تقول بلبول إن بعض أولياء الأمور قاموا بتصوير الملصقات ونشر الصور عبر مجموعات الأهالي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، لتتحول الحادثة خلال وقت قصير إلى قضية عامة أثارت غضباً واسعاً داخل المجتمع المحلي.
وقالت: «خلال أقل من ساعة كانت الصور منتشرة في كل مكان، واتهمونا بترويج العنف والرسائل السياسية داخل المدرسة الابتدائية»، وهو ما وصفته بأنه «بعيد تماماً عن الحقيقة».
وأكدت أن بعض التعليقات على الإنترنت تحدثت عن انتشار الملصقات «في أنحاء المدرسة»، وهو ما نفته بلبول بشكل قاطع، موضحة أن الواقعة كانت محصورة في الحزمة التي لم تتم مراجعتها بالكامل. وقالت: «ما حدث كان مجرد خطأ غير مقصود، لكن الطريقة التي تم التعامل بها مع الموضوع جعلته يتصاعد بشكل كبير».
ومع ازدياد غضب بعض الأهالي، قالت بلبول إنها عرضت على إدارة المدرسة التحدث مباشرة مع أولياء الأمور لتوضيح ما حدث وشرح أن الأمر لم يكن متعمداً. وأضافت: «قلت لهم إنني مستعدة للحديث مع أي شخص غاضب وشرح ما حدث». ولكن الإدارة أبلغتها عند انتهاء الفعالية بأنها ستتعامل مع الموضوع بنفسها.
وفي الليلة ذاتها، أصدرت المنطقة التعليمية بياناً أدانت فيه ما أسمته بـ«التحرش والتنمر والعنف ومعاداة السامية».
ورغم تأكيد بلبول رفضها الكامل للكراهية والعنف بجميع أشكاله، إلا أنها اعتبرت أن البيان صدر بشكل متسرع، لأنه لم يوضح أن الحادثة كانت غير مقصودة، ولم يشر إلى أنها نفسها لم تكن تعلم بوجود تلك الملصقات.
وقالت: «شعرت بالخيانة والخذلان»، مؤكدة أنه «كان بإمكانهم أن يوضحوا أن ما حدث كان خطأ غير مقصود، لكنهم لم يفعلوا»، مما ساهم في زيادة الغضب تجاهها وتجاه عائلتها، وفق تعبيرها.
وأردفت بلبول لـ«صدى الوطن» بأن الأزمة لم تتوقف عند حدود المدرسة، بل تحولت إلى حملة استهداف واسعة عبر الإنترنت أشعرت العائلة بعدم الأمان. وتابعت: «تمت مهاجمتي من كل زاوية ممكنة.. تعرضت لتهديدات ومضايقات وتشويه سمعة»، مؤكدة أن بعض الأشخاص تواصلوا مع جهات عملها في محاولة للضغط عليها.
استجابة حقوقية
من جهتها، قالت هدى بري حراجلي، المديرة التنفيذية للرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية، إن المنظمة تابعت القضية بشكل مباشر مع جهات إنفاذ القانون منذ البداية، مؤكدة أن التحقيق أُغلق رسمياً دون توجيه أي اتهامات جنائية.
وأشارت محامية الحقوق المدنية لصحيفة «صدى الوطن» بأن «المحقق أوضح بشكل صريح أن هذه ليست قضية جنائية»، مؤكدة أن الشرطة ومكتب الادعاء لم يجدا أي أساس قانوني لاعتبار ما حدث جريمة كراهية أو ترهيباً عرقياً أو تحرّشاً أو أي مخالفة جنائية أخرى.
وقالت إن المنظمة أجرت مراجعة مستقلة للواقعة، وتوصلت إلى أنها «كانت غير مقصودة بالكامل» مع عدم وجود أي دليل على تعمد توزيع مواد مسيئة أو تحريضية.
وكشفت بري حراجلي أن تداعيات الحادثة لم تتوقف عند حدود «ليلة التعددية الثقافية»، بل امتدت لتؤثر على مشاركة العائلتين في فعاليات مدرسية أخرى.
وقالت إن عائلة بلبول كانت مسجلة للمشاركة في فعالية أخرى للفنون الحرفية، وكانت لديها طاولة خاصة ضمن الحدث، إلا أنها قررت الانسحاب بسبب حالة الخوف والاستهداف التي أعقبت القضية، رغم أن أطفال العائلة كانوا متحمسين للمشاركة.
وانتقدت بري حراجلي طريقة تعامل المنطقة التعليمية مع الحادثة، معتبرة أن إصدار بيان علني يدين معاداة السامية قبل انتهاء التحقيق ساهم في تأجيج الغضب داخل المجتمع، متهمةً المنطقة التعليمية بتبني وتضخيم سردية معينة قبل التحقق من الوقائع.
وأشارت بري حراجلي إلى أن الرابطة الحقوقية «لا تسعى حالياً لاتخاذ إجراءات قانونية، بل تركز على تهدئة الوضع وضمان سلامة الأطفال والعائلات»، مضيفةً بأن المنظمة حاولت التواصل بشكل مباشر مع الإدارة التعليمية «منذ الأيام الأولى للأزمة»، وطالبت بعقد اجتماع عاجل لمناقشة القضية وتهدئة الأوضاع. غير أن المنطقة التعليمية اقترحت عقد الاجتماع بتاريخ 11 مايو، وهو ما اعتبرته بري حراجلي، «غير مقبول» بالنظر إلى استمرار تعرض العائلتين للمضايقات والاستهداف.
وأضافت أن الرابطة أعربت عن استيائها من ترتيب اجتماع عاجل مع «الاتحاد اليهودي في ديترويت»، بينما حصلت العائلتان الفلسطينيتان على موعد متأخر، مستدركةً بأن المنطقة التعليمية عادت وأبدت لاحقاً استعداداً أكبر للحوار والتواصل وحددت يوم الجمعة 8 مايو الجاري، للاجتماع مع الرابطة والأسرتين المتضررتين.
ولفتت بري حراجلي إلى أن الضحايا جرى تداول عناوين منازلهم وأماكن عملهم ومعلومات شخصية أخرى على الإنترنت. و«هذا أمر غير مقبول تماماً».
وختمت بأن الاستجابة العادلة والمسؤولة تتطلب «الحياد وتقصي الحقائق وحماية جميع الطلاب والعائلات المتضررة»، مؤكدة أنه كان من واجب المنطقة التعليمية أن تتخذ خطوات لحماية جميع الطلاب والعائلات من التهديدات والاستهداف العلني أثناء التحقيق.








Leave a Reply