ديربورن هايتس – إبتسام خنافر
شهدت مدينة ديربورن هايتس افتتاحاً رسمياً حاشداً لمسجد «الإمامين الحسنين» (ع) والمقر الجديد لـ«المنتدى الإسلامي في أميركا»، وسط حضور نوعي ضم المئات من أبناء الجالية العربية والإسلامية، إلى جانب علماء دين وقيادات روحية ومسؤولين منتخبين وشخصيات سياسية واجتماعية بارزة، في مناسبة اعتُبرت محطة مفصلية في مسيرة المنتدى منذ تأسيسه عام 2015.
وجاء الافتتاح ضمن فعاليات امتدت على يومين، حيث شهد يوم الجمعة 5 حزيران (يونيو) 2026، الافتتاح الرسمي للمسجد وإقامة صلاة الجمعة فيه، فيما خُصص يوم السبت لحفل الافتتاح الرسمي والعشاء الاحتفالي في قاعة «إمام المتقين» الجديدة التابعة للمنتدى الإسلامي.
ويُعد المشروع الجديد من أكبر المشاريع الإسلامية الحديثة في ولاية ميشيغن، إذ أُقيم على أرض تمتد على سبعة أفدنة، ويضم نحو 60 ألف قدم مربع من المساحات المبنية، فيما بلغت كلفته الإجمالية قرابة 16 مليون دولار.
ويشمل المجمع، مسجد «الإمامين الحسنين» ذا القباب الذهبية، وقاعة «إمام المتقين» للمناسبات، ومرافق تعليمية وثقافية وشبابية ومطبخاً تجارياً ومواقف سيارات تتسع لأكثر من 500 سيارة، في مشروع صُمم ليكون مركزاً متكاملاً للعبادة والتعليم والخدمة المجتمعية.
ويتسع مصلّى المسجد لأكثر من 1,100 مصلٍ، ويُصنف بين أجمل الصروح الإسلامية في الولايات المتحدة من حيث التصاميم والهندسة المعمارية.
افتتاح المسجد
بدأت مراسم الافتتاح الرسمي لمسجد «الحسنين» يوم الجمعة الماضي بقص الشريط الأحمر، بحضور جمع كبير من أبناء الجالية وشخصيات دينية ورسمية واجتماعية.
وشارك في المناسبة، رئيس أبرشية ديترويت للروم الكاثوليك، أدوارد وايزنبرغر، والشيخ فاضل السهلاني مرشد «مركز الإمام الخوئي» الإسلامي في نيويورك والممثل الرسمي والوكيل الشرعي لآية الله العظمى السيد علي السيستاني في الولايات المتحدة، والشيخ محمد علي إلهي إمام «دار الحكمة الإسلامية» في ديربورن هايتس، والسيد باسم الشرع إمام مركز «الزهراء» الإسلامي في ديترويت، والشيخ محمد مارديني إمام «المركز الإسلامي الأميركي» في ديربورن، إلى جانب لفيف من رجال الدين والقيادات الروحية والمسؤولين الحكوميين، من بينهم رئيس بلدية ديربورن هايتس مو بيضون.
وافتُتحت المناسبة بتلاوة عطرة من القرآن الكريم بصوت القارئ محمد الزين، ثم ألقى مؤسّس وإمام «المنتدى الإسلامي في أميركا»، السيد حسن القزويني، كلمةً رحب فيها بالحضور مستعرضاً مسيرة المشروع وأهدافه المستقبلية.
وتولّى القاضي ديفيد طرفة إدارة مراسم الاحتفال وتقديم المتحدثين، بمن فيهم رئيس أساقفة ديترويت الذي ألقى كلمة أشاد فيها بقيم الحوار والتعايش بين الأديان وأهمية المؤسسات الدينية في خدمة المجتمع وتعزيز التفاهم بين مكوناته المختلفة.
وقال: «لا يوجد مكان أشعر فيه بقدر أكبر من الاحترام والأخوة واللطف. ومنذ اللحظة التي دخلت فيها إلى هذا الموقع الجميل شعرت بحضور إلهي عميق»، مضيفاً بأن «كل الكنائس، وكل المساجد، وكل الكنس اليهودية، وكل الأماكن التي يلامس الله فيها حياة البشر هي أماكن مقدسة».
ووصف وايزنبرغر، المسجد الجديد بأنه «مكان رائع ومقدس»، معرباً عن أمله في أن يسهم في تعزيز التقارب بين الناس وتعميق علاقتهم بالله.
افتتاح المقر الجديد
استُكملت الاحتفالات مساء السبت المنصرم بحفل الافتتاح الرسمي والعشاء الاحتفالي في قاعة «إمام المتقين»، حيث تولى الإعلامي ناثان جاويد تقديم فقرات الحفل، فيما افتُتحت الأمسية بتلاوة عطرة من القرآن الكريم بصوت القارئ الحاج أحمد حمدان.
وشهد الحفل مشاركة معظم رجال الدين الذين حضروا افتتاح المسجد في اليوم السابق، فضلاً عن رئيس بلدية ديربورن عبدالله حمود، وعضوة الكونغرس الأميركي رشيدة طليب، والدكتور عبدول السيد، المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن، والقنصل العام لجمهورية العراق في ديترويت محمد حسن سعيد محمد، إلى جانب عدد كبير من رجال الدين والمسؤولين المنتخبين وقيادات المجتمع.
الحفاظ على الهوية وخدمة الجالية
شارك القنصل العام لجمهورية العراق في ديترويت محمد حسن سعيد محمد، وعقيلته، في مراسم افتتاح المقر الجديد للمنتدى الإسلامي، إلى جانب عدد من الشخصيات الرسمية ورؤساء البلديات ورجال الدين وقيادات المجتمع وممثلي المؤسسات العراقية والعربية في ولاية ميشيغن.
ورحب إمام «المنتدى» السيد حسن القزويني بالقنصل العام، معرباً عن شكره لمشاركته في مراسم الافتتاح الرسمي مثمناً الدعم الذي قدمته جمهورية العراق ومؤسساتها للمساهمة في تشييد الصرح الجديد، ومؤكداً أن هذا المشروع سيسهم في خدمة أبناء الجالية الإسلامية وتعزيز الأنشطة الدينية والثقافية والاجتماعية وحفظ الهوية الإسلامية والعربية للأجيال القادمة.
وفي حديث خاص لـ«صدى الوطن»، أكد القنصل العام العراقي أن «المنتدى الإسلامي في أميركا» بات يشكل إحدى المؤسسات الرائدة في خدمة أبناء الجالية العراقية والعربية والإسلامية في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن دوره لا يقتصر على الجانب الديني فحسب، بل يمتد إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية والتربوية. وأضاف أن افتتاح هذا الصرح الجديد يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز حضور الجالية ومؤسساتها، والمساهمة في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للأجيال الجديدة، وترسيخ قيم الانتماء والتواصل بين أبناء الجالية ومحيطهم الأميركي.
بيت للمجتمع
أكدت رئيسة مجلس إدارة «المنتدى الإسلامي» الحاجة دانيال الزيات أن المشروع لا يمثل مجرد مبنى جديد، بل «بيت للمجتمع الإسلامي بكل ما تحمله الكلمة من معنى».
وقالت: «اليوم هو أكثر من افتتاح مبنى جديد، إنه افتتاح بيتكم. بيت للعبادة والتعليم والخدمة والمجتمع، ومكان ستتعلم فيه الأجيال القادمة وتنمو وتصلي وتشعر بالانتماء».
واستذكرت السنوات الأولى للمنتدى الذي تأسس عام 2015 ولم يكن يمتلك مقراً دائماً، مشيدة بالدور الذي لعبه الشباب في الحفاظ على استمرارية المؤسسة وبرامجها حتى تحقيق هذا الإنجاز، كما خصّت بالشكر، المتطوعين والمتبرعين ونادي السيدات الذين أسهموا في بناء هذا الصرح.
مشاركة سياسية
في كلمة له خلال حفل الافتتاح، أكد الدكتور عبد الرحمن (عبدول) السيد أن قيمة المساجد لا تكمن في جدرانها، بل في رسالتها ودورها في خدمة الناس.
وقال إن المساجد ليست بيوتاً لأن الله ليس بحاجة إلى بيت، بل لأن العمل الصالح يحتاج إلى مكان يجمع الناس ويوجه طاقاتهم لخدمة المجتمع. وأضاف أن المسجد يجب أن يكون مركزاً لإطعام المحتاجين ومساعدة الضعفاء والدفاع عن العدالة وخدمة الإنسان أينما كان، مشدداً على أن الإيمان الحقيقي يترجم إلى عمل ومبادرات تخدم المجتمع المحلي والإنسانية جمعاء.
بدوره، اعتبر رئيس بلدية ديربورن هايتس، افتتاح مسجد الإمامين الحسنين والمقر الجديد للمنتدى الإسلامي في أميركا يوماً تاريخياً للمدينة، مؤكداً أن المشروع يجسد ما يمكن أن يحققه المجتمع عندما يتحد حول رؤية مشتركة تجمع بين الإيمان والعمل والخدمة العامة.
وأشار بيضون إلى أن المسجد يقع في منطقة تضم كنائس مسيحية، بينها كنيسة روم أرثوذكسية وأخرى كاثوليكية بولندية، معتبراً أن هذا المشهد يعكس نموذجاً حقيقياً للتعايش الديني والتنوع الثقافي الذي تتميز به مدينة ديربورن هايتس.
وقال إن المدينة تفخر اليوم باحتضان واحد من أكبر وأجمل المساجد في أميركا الشمالية، مشيداً بالدور الذي لعبه رجل الأعمال الحاج مايك شحادة في توفير الأرض التي أُقيم عليها المشروع، وبإسهاماته المتواصلة في خدمة المجتمع المحلي.
كما توجه بيضون بالشكر إلى جميع الجهات التي ساهمت في إنجاح المشروع وخدمة رواده على مدى السنوات الماضية، مثنياً على جهود شرطة ديربورن هايتس وشرطة مقاطعة وين ورجال الإطفاء وموظفي البلدية الذين عملوا على تأمين الفعاليات وتنظيم حركة الزوار والمصلين.
وأوضح أن عناصر الشرطة من مدينة ديربورن هايتس ومقاطعة وين كانوا حاضرين بشكل دائم خلال صلاة الجمعة والمناسبات الكبرى لضمان أمن المصلين وسلامتهم، مؤكداً أن هذه الجهود كانت جزءاً أساسياً من نجاح المنتدى واستمراره في أداء رسالته.
وأكد أن هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا تضافر جهود أبناء المجتمع ودعمهم المستمر، معتبراً أن المشروع يمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون بين المؤسسات الدينية والقيادات المحلية وأبناء المجتمع المحلي في خدمة الأجيال القادمة وتعزيز قيم الانتماء والتعايش والعمل المشترك.
بدورها، أكدت عضوة الكونغرس رشيدة طليب أن المنتدى الإسلامي في أميركا يمثل نموذجاً للوحدة والانفتاح داخل المجتمع الإسلامي.
وقالت إن السيد حسن القزويني كان دائماً من الشخصيات التي تجمع الناس وتدعو إلى العمل المشترك وخدمة المجتمع، مؤكدة أن المؤسسات الدينية لا يقتصر دورها على إقامة الشعائر، بل يمتد إلى الدفاع عن العدالة وخدمة المظلومين وتعزيز الروابط الإنسانية. وأضافت أن المسؤولية الأخلاقية والإيمانية تفرض على الجميع، الوقوف إلى جانب المظلومين ومواجهة الظلم أينما كان.
كلمة القزويني
في الكلمة الرئيسية للحفل، وصف السيد حسن القزويني افتتاح المسجد بأنه تحقيق لحلم بدأ قبل سنوات طويلة.
وقال: «قبل أربع سنوات بدأنا مشروع بناء هذا الصرح، واليوم نرى الحلم يتحول إلى حقيقة بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بفضل هذا المجتمع الكريم».
وأكد أن نجاح المساجد لا يقاس بالثريات أو الزخارف أو جمال العمارة، بل بقدرتها على تغيير حياة الناس وتقريبهم من الله.
وأضاف: «هدفنا لم يكن بناء أربعة جدران، بل بناء مجتمع متماسك وإعداد جيل يعتز بدينه وهويته الإسلامية».
وشدد القزويني على أن الهدف الأساسي للمنتدى هو الاستثمار في الإنسان وتعزيز ارتباط الشباب بهويتهم الدينية والثقافية، مؤكداً أن نجاح أي مؤسسة دينية يقاس بما تتركه من أثر في حياة الناس والأجيال القادمة.
كذلك، وجه شكراً خاصاً لرئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني ورجل الأعمال اللبناني الأميركي مايك شحادة وعقيلته، واصفاً مساهمتهم بأنها كانت من الركائز الأساسية التي ساعدت على تحويل الحلم إلى واقع.
من جانبه، وصف الشيخ فاضل السهلاني افتتاح المسجد والمركز الجديد بأنه بمثابة «عيد محلي» للمؤمنين، مؤكداً أن قيمة المؤسسات الدينية لا تقاس بحجم مبانيها بل بقدرتها على خدمة الناس وهدايتهم.
وأشار إلى أن هذا الإنجاز جاء بعد سنوات من العمل والتحديات والتضحيات، معتبراً أن أعظم نجاح يمكن أن يحققه هذا الصرح هو بناء الإنسان وتعزيز القيم الإيمانية والأخلاقية لدى الأجيال الجديدة.
واستشهد بحديث الرسول الأكرم (ص): «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس»، مؤكداً أن هداية الإنسان وخدمة المجتمع هما الغاية الحقيقية لأي مؤسسة دينية.
من الازدحام إلى المؤسسة المتكاملة
جاء المشروع الجديد استجابة لحاجة متزايدة داخل المجتمع، بعدما أصبحت أعداد المصلين والزوار في المقر السابق للمنتدى على شارع فورد تتجاوز قدرته الاستيعابية، خصوصاً خلال شهر رمضان والمناسبات الدينية الكبرى.
ومع ازدياد أعداد المشاركين في البرامج الدينية والتعليمية والشبابية، بات الانتقال إلى مقر جديد ضرورة ملحة، خاصة بعد المبادرة التي قدمها شحادة، والتي ساهمت في توفير الأرض التي أُقيم عليها المشروع الحالي.
وتخلل حفل الافتتاح عرض فيلم وثائقي استعرض مسيرة المنتدى الإسلامي في أميركا ومراحل بناء المشروع الجديد، كما جرى تكريم عدد من الداعمين والمتبرعين الذين أسهموا في إنجاز الصرح، فيما أضفت الأناشيد والتواشيح الدينية التي قدمها المنشد حسين عيسى أجواءً روحانية على المناسبة.
ويُذكر أن مسجد «الحسنين» شهد إقامة أول صلاة جماعة فيه خلال عيد الفطر المبارك الماضي، قبل افتتاحه الرسمي الذي حظي بحضور واسع ومشاركة لافتة من مختلف أطياف المجتمع.
وبينما أسدل الستار على احتفالات الافتتاح، بدا واضحاً أن مسجد الإمامين الحسنين ليس مجرد إضافة عمرانية جديدة إلى المشهد الإسلامي في ميشيغن، بل محطة جديدة في مسيرة مؤسسة تسعى إلى بناء الإنسان وخدمة المجتمع وتعزيز الحوار والانفتاح، وهي الرسالة التي اختصرها السيد حسن القزويني بقوله: «هدفنا بناء الإنسان قبل بناء المكان».








Leave a Reply