ديربورن
في خطوة مفاجئة، أقالت غرفة التجارة العربية الأميركية، مديرها التنفيذي بلال حمود بدعوى تورطه في اختلاس أكثر من مليون دولار من منحة حكومية مخصصة للمنظمة. وبينما باشر مكتب الادعاء العام بولاية ميشيغن، التحقيق في القضية بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي)، تتزايد الشكوك حول شفافية وأداء الغرفة التي تواجه مديرتها التنفيذية السابقة فاي بيضون تهماً بالاحتيال وإدارة مشروع إجرامي للاستيلاء على منحة حكومية أخرى بقيمة 20 مليون دولار.
وكانت الغرفة التجارية التي تأسست في عام 1992، قد كشفت في بيان بتاريخ الجمعة 21 آب (أغسطس) الجاري، عن طرد حمود (30 عاماً) من منصبه عقب اكتشاف اختفاء أموال من حساباتها المصرفية، مشيرة إلى اتخاذ تدابير فورية لحماية أصولها المالية وتجنب المزيد من الخسائر، إلى جانب الاستعانة بشركة «وارنر نوركروس وجود» لإجراء تحقيق مستقل، دون الإفصاح عن قيمة الأموال المفقودة أو التواريخ المرتبطة بالفضيحة المستجدة.
وأفادت مصادر مطلعة لصحيفة «ديترويت نيوز» بأن مسؤولي الغرفة –التي تتخذ من مدينة ديربورن مقراً– لها يحققون في ما إذا كان حمود قد قام بتحويل زهاء 1.1 مليون دولار إلى حسابه الخاص من منحة حكومية بقيمة 3.4 مليون دولار تم تقديمها للمنظمة في عام 2023. ويُعتقد بأن حمود قام بعملية الاختلاس المزعومة من خلال الدخول إلى بوابة إلكترونية تابعة لولاية ميشيغن لإعادة توجيه أموال دافعي الضرائب المقدمة عبر «مؤسسة التنمية الاقتصادية في ميشيغن» MEDC.
وأوضحت المصادر بأنه كان من المفترض أن يتم إيداع تلك المبالغ في حساب مصرفي تابع لغرفة التجارة، غير أن حمود لجأ إلى استبدال الحساب بأحد حساباته الخاصة، بحسب الصحيفة الديترويتية.
وقدّمت المصادر تسلسلاً زمنياً لما يدور خلف الكواليس حول هذه الفضيحة المستجدة، والآخذة في التكشف، واصفة المنظمة التجارية بأنها تُدار بطريقة يسودها التخبط والفساد، لاسيما وأن مديرتها التنفيذية السابقة فاي بيضون تواجه بدورها، تهماً بسرقة أموال دافعي الضرائب، فيما قامت الغرفة أيضاً بتعيين نائب مدير جديد، وهو سيف السند الذي أقرّ سابقاً بالكذب أمام محكمة فدرالية في قضية رشاوى بمدينة إنكستر قبل نحو عامين.
اتهام حمود
في سياق قضية حمود، التقى رئيس الغرفة، أحمد شباني، يوم الثلاثاء المنصرم، مع محققين من مكتب الادعاء العام بولاية ميشيغن قبل أن يجتمع في وقت لاحق مع محققين من مكتب «أف بي آي».
وبينما لم يتم حتى الآن توجيه أية تهم رسمية لحمود، أوضحت الغرفة التجارية في بيان بتاريخ 25 أغسطس، أن شباني كان قد بدأ يشعر بالقلق جراء تأخر توزيع أموال المنحة المقدمة من «مؤسسة التنمية الاقتصادية في ميشيغن»، مما دفعه إلى مطالبة السند، بالاتصال بمسؤولي الولاية للحصول على إيضاحات عاجلة.
ولفت البيان إلى أن التدقيقات الأولية كشفت عن تورّط «حمود وحده»، وأن الغرفة بادرت على الفور إلى اتخاذ إجراءات احترازية «لحماية شركائها». وقال شباني: «في اللحظة التي أدركنا فيها وجود مشكلة، تحركنا لحماية هذه المؤسسة والأشخاص الذين يعتمدون عليها»، موضحاً أنه التقى بالمدعية العامة في ميشيغن دانا نسل، من باب التزامه بـ«التعاون الكامل والمساءلة أمام كل من يضع ثقته في هذه الغرفة».
ويُعدّ بلال حمود شخصية معروفة إلى حد ما في المشهد السياسي في ميشيغن، وقد عيّنته حاكمة الولاية غريتشن ويتمر في عام 2025 في عضوية «مجلس تطوير القوى العاملة في ميشيغن»، كما شغل سابقاً منصب مدير المشاركة المجتمعية في سكريتاريا الولاية، وكذلك مدير مشاريع لمدينة تشيبويغان.
وعند تعيينه في مجلس تطوير القوى العاملة في ميشيغن، كان حمود عضواً في مجلس خريجي جامعة «وين ستايت» ومؤسسة «يونايتد هيومانيتاريان»، ومجلس مكتبات مدينة ديربورن هايتس، وكان قد ترشح في انتخابات مجلس نواب ميشيغن في عام 2022، ولكنه خسر التصفيات الديمقراطية أمام النائب الحالية أرين بيرنز.
أموال مفقودة
قبل أسبوع من إقالة بلال حمود، استفسر شباني منه عن مصير الأموال الموجهة من مؤسسة التنمية الاقتصادية في ميشيغن إلى مبادرة «تجارة» التابعة للمنظمة، ولكن مع غياب إجابة واضحة ومقنعة، تواصل مسؤولو الغرفة مباشرة مع المسؤول التنفيذي لمؤسسة MEDC، كوينتين ميسر، ليكتشفوا اقتطاع وتحويل مسار 211 ألف دولار كانت مخصصة للغرفة خلال العام الماضي، بالإضافة إلى 850 ألف دولار أخرى أُعيد توجيهها في مطلع العام الجاري.
وقالت المتحدثة باسم MEDC، دانيال أميرسون، إن مؤسسة التنمية الاقتصادية قامت في 21 أغسطس الجاري بتجميد جميع عمليات دفع أموال المنح المخصصة لمبادرة «تجارة»، فور علمها بالمزاعم المستجدة، وباشرت بجمع الحقائق المتعلقة بها، موضحة بأن المؤسسة فتحت قناة تواصل في 24 أغسطس «للتنسيق بشأن أي تحقيق محتمل من قبل مكتب الادعاء العام بالولاية».
وأكدت MEDC بأنها أذنت بتقديم المنحة، وقد تم صرف الأموال عبر نظام «سيغما» التابع لولاية ميشيغن لصالح حساب مصرفي تم تحديده من جانب الجهة المتلقية للمنحة.
من جانبه، قال حمود في بيان صادر عن مكتب محاميه ريموند كسار: «أتفهم خطورة المخاوف التي أثيرت، وأنا آسف لحالة الألم وعدم اليقين التي سببتها لمجتمعي وعائلتي»، موضحاً بأنه يعمل «مع المنظمات والأطراف ذات العلاقة لمعالجة هذه المخاوف بمسؤولية، وللمساعدة في تصحيح الأمور».
وأضاف حمود، الذي يشغل أيضاً منصب المدير التنفيذي لمبادرة «تجارة» التابعة للغرفة، قائلاً: «أكنّ مشاعر عميقة تجاه (مبادرة) «تجارة»، وغرفة التجارة الأميركية العربية، والأفراد الذين تخدمهم، ولكامل المجتمع الذي أفتخر بخدمته لسنوات عديدة».
وتعرّف مبادرة «تجارة» عن نفسها بأنها «مركزٌ للابتكار وريادة الأعمال، يُعنى بتمكين رواد الأعمال من الفئات المهمشة والمهاجرين ليصبحوا من الشركات الرائدة في أميركا الشمالية وخارجها، وهي تتعاون مع الشركات الكبيرة، وفرق الابتكار في الشركات والجامعات والمؤسسات المدنية والجامعات لبناء قاعدة أقوى وأكثر شمولاً من الشركات الواعدة سريعة النمو».
وكانت غرفة التجارة قد تلقت من خلال مبادرة «تجارة»، منحة بقيمة 3.4 مليون دولار عبر برنامج دعم المشاريع الصغيرة لدى MEDC. وجاء تخصيص هذه الأموال في عام 2023 بعد حوالي تسعة أشهر من اعتذار رئيسة موظفي مكتب الحاكمة عن منحة بقيمة 20 مليون دولار كان من المفترض أن تذهب إلى غرفة التجارة، قبل أن تقوم مديرتها التنفيذية السابقة فاي بيضون بإنشاء مؤسسة غير ربحية، باسم «منظمة غلوبال لينك إنترناشونال» للاستئثار بتلك الأموال.
وقام مكتب الادعاء العام في شهر أيار (مايو) الماضي بتوجيه 16 تهمة جنائية إلى بيضون، شملت إدارة مشروع إجرامي وسبع تهم بتداول ونشر مستندات ملفقة، وتهماً أخرى بالتزوير والسرقة، وذلك بعدما أظهرت التحقيقات إنفاق جزء كبير من أموال المنحة على رفاهيات ومقتنيات فارهة بالإضافة إلى راتب ضخم لبيضون دون تقديم أي خدمات تذكر.
مسلسل فضائح
تُعد الفضيحة المستجدة، والآخذة في التكشف شيئاً فشيئاً، هي الثانية من نوعها التي تعصف بغرفة التجارة الأميركية العربية في الآونة الأخيرة، وسط تساؤلات جادة حول شفافية الغرفة التجارية وقدرة «مؤسسة التنمية الاقتصادية في ميشيغن» على حماية ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب المقدمة لدعم التنمية الاقتصادية في الولاية.
فقبل ثلاثة أشهر تقريباً، وُجّهت إلى المديرة التنفيذية السابقة لغرفة التجارة، فاي بيضون، تهم بسرقة وإساءة استخدام منحة حكومية مقدمة من ولاية ميشيغن بقيمة 20 مليون دولار، بعدما تبين إنفاق جزء كبير من أموال المنحة على رفاهيات ومقتنيات فارهة بالإضافة إلى راتب ضخم لفاي بيضون دون تقديم أي خدمات تذكر.
وفي إطار قضية بيضون، كانت المدعية العامة للولاية، دانا نسل، قد أوصت بتعليق تمويل مؤسسة التنمية الاقتصادية في ميشيغن بحجة افتقارها للرقابة المناسبة على المنح الممولة من جيوب دافعي الضرائب، وقالت في إحدى المقابلات المتلفزة: «كل يوم نكتشف أموراً جديدة حول هذه المؤسسة تدفعني للاعتقاد بأنه إلى حين يتم تحسين الرقابة، ربما لا ينبغي لها أن تتلقى أي تمويل من الولاية على الإطلاق».
من جانب آخر، لم تقتصر التساؤلات والمخاوف حول أداء وشفافية غرفة التجارة الأميركية العربية على قضيتي بيضون وحمود، بل امتدت أيضاً لتشمل تعيين سيف السند نائباً لمدير الشؤون الحكومية وشؤون الشركات، رغم إقراره أمام محكمة فدرالية بذنب الكذب على عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) خلال تحقيقهم معه في عام 2024 بشأن قضية رشاوى تلقاها رئيس بلدية إنكستر السابق باتريك ويمبرلي.
وحُكم على سيف السند (34 عاماً) في شباط (فبراير) المنصرم بالسجن مع وقف التنفيذ لمدة 18 شهراً، في إطار حملة متواصلة لمكافحة الفساد في منطقة ديترويت الكبرى، والتي أسفرت عن سجن نحو 130 سياسياً ومديراً تربوياً ومسؤولاً نقابياً، إلى جانب ويمبرلي، الذي حُكم عليه العام الماضي بالسجن لمدة عامين في سجن فدرالي بتهمة طلب رُشى بقيمة 100 ألف دولار من مطور عقاري كان يعمل مخبراً لدى «أف بي آي».
وكان شباني وحمود قد وجّها مذكرة رسمية إلى المحكمة الفدرالية بعد صدور الحكم على السند، أشادا فيها بالأخير ووصفاه بأنه «مدافع عن الأصوات المهمّشة، ومناصر للعدالة والشمولية وتكافؤ الفرص للجميع».
وتمت لاحقاً ترقية السند إلى منصب نائب مدير الغرفة التجارية في نيسان (أبريل) الماضي، رغم أنه مازال أمامه عام آخر ليقضيه تحت المراقبة القصائية، ورغم أنه حتى وقت قريب لم يكن بإمكانه السفر إلى لانسنغ أو أي مكان آخر دون إذن من المحكمة.
وأكدت غرفة التجارة في بيانها الصادر بتاريخ 25 أغسطس الجاري بأن السند لم يكن له أي دور في تحصيل المنحة من مؤسسة التنمية الاقتصادية في ميشيغن.






Leave a Reply