صدى الوطن في ذكرى التأسيس الثانية والأربعين
في السابع من أيلول _ سبتمبر الجاري، تصادف الذكرى السنوية الثانية والأربعون لتأسيس صحيفة صدى الوطن،
في مرحلة تشهد فيها صناعة الصحافة الورقية تحولات جذرية وتحديات متزايدة، فبين الضغوط الاقتصادية المتصاعدة وانحسار الإعلام المطبوع لصالح منصات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة والعالم، تواجه الصحافة المستقلة اختباراً حقيقياً للاستمرار والفاعلية.
ورغم التحديات الاقتصادية والمهنية، تواصل «صدى الوطن» إصدار نسختها الورقية أسبوعياً باللغتين العربية والإنكليزية ملتزمة بالرسالة التي تأسست من أجلها، ألا وهي التأكيد على حقوق العرب الأميركيين، وصيانة مصالحهم والتعبير عن قضاياهم بمسؤولية ومهنية، لتشكّل بديلاً أصيلاً وفعّالاً عن إعلام التيار الرئيسي الذي لم ينقطع قط عن تشويه صورة العرب سواء في بلدانهم الأم أو في وطنهم الجديد، مما يجعل من إصرارنا على متابعة مسيرتنا الصحفية ليس مجرد الحفاظ على تقليد مهني بات جزءاً لا يتجزأ من المجتمع العربي الأميركي في منطقة ديترويت، بل التزاماً أخلاقياً وثقافياً وسياسياً تجاه مجتمع يحتاج إلى منبر يعكس تطلعاته ويُبرز إنجازاته دون أن ينكر النواحي السلبية التي تحتاج إلى معالجة وتسليط الضوء عليها بجرأة ومهنية.
غير أن التزامنا الأخلاقي والمهني يواجه اليوم اختباراً مالياً غير مسبوق يهدد استمرارية الإعلام المستقل برمته، إذ تأتي الذكرى السنوية الـ42 لتأسيس «صدى الوطن» في وقت ينزلق فيه العديد من الصحف الورقية نحو الإغلاق القسري تحت وطأة الارتفاع المتواصل في أسعار الورق ومستلزمات الطباعة والتوزيع.
وفي الإطار، شهدت مصاريف طباعة العدد الأسبوعي لصحيفتنا ارتفاعاً حاداً تجاوز 40 بالمئة خلال العامين المنصرمين وحدهما، لتأتي بعدها أعباء إضافية من جراء التعريفات الجمركية الأخيرة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على الصادرات الكندية، ومن ضمنها الأخشاب ومشتقاتها من الورق الذي يشكل العصب الأساسي لصناعة الصحف في الولايات المتحدة، مما أدى إلى زيادات جديدة في تكاليف الطباعة بنحو 20 بالمئة إضافية مع دخول الرسوم الجمركية الجديدة حيّز التنفيذ.
وفي خضم هذه التحولات الجوهرية تشهد البنية التحتية لصناعة الصحافة انحساراً مستمراً، فعلى سبيل المثال، تقلص عدد الصحف التي تطبعها المطابع ذاتها التي تعتمد عليها «صدى الوطن»، من 125 صحيفة قبل أربعة عقود إلى 42 مطبوعة فقط حالياً.
ويأتي ذلك في الوقت الذي تستعد فيه مجموعة «أم لايف ميديا» –تحت وطأة الضغوط الاقتصادية وتراجع عوائد الطباعة– لوقف إصدار ثمانية صحف محلية عريقة تملكها في ولاية ميشيغن والانتقال بها كلياً إلى الفضاء الرقمي، وهي: غراند رابيدز برس، آناربر نيوز، فلنت جورنال، كالامازو غازيت، ساغينو نيوز، ماسكيغون كرونيكل، جاكسون سيتيزن باتريوت وباي سيتي تايمز.
وعلى الرغم من هذا الارتفاع المتسارع في تكاليف الطباعة والتجهيز، يضاف إليها التصاعد المستمر في أجور النقل والتوزيع بفعل قفزات أسعار الوقود، فقد حرصت «صدى الوطن» طيلة السنوات الثماني الماضية على تجنب رفع أسعار إعلاناتها، تحرّجاً منها ورفضاً لأن تكون سبباً في إثقال كاهل الأفراد والأعمال التجارية والشركات المحلية في مجتمعنا بأعباء مالية إضافية في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة على الجميع.
ويأتي هذا الثبات في السياسة الإعلانية متزامناً مع اتساع نطاق الانتشار وثقة القراء التي لم تتزعزع بالصحيفة العربية الأكبر والأقدم في الولايات المتحدة، إذ تظهر البيانات الميدانية إقبالاً متزايداً ونفاداً كاملاً لآلاف النسخ المطبوعة أسبوعياً عبر مئات نقاط التوزيع في مختلف أنحاء منطقة ديترويت الكبرى. ولا يقتصر هذا الحضور اللافت على النسخة الورقية وحدها، بل يمتد بشكل متزايد إلى الفضاء الرقمي، حيث سجل الموقع الإلكتروني للصحيفة أكثر من 22 مليون متصفح خلال الأعوام السبعة الأخيرة (وفق بيانات غوغل)، مما يؤكد أن الرسالة الصحفية المحترفة والمسؤولة، ما زالت تجد صداها العميق والمستحق لدى الجمهور.
ثمّ أنه لا بد من التوقف وتأمل ما أفرزته منصات التواصل الاجتماعي من تحولات سطّحت مفاهيم العمل الصحفي؛ إذ تحولت المهنة التي كانت تتطلب مؤهلات احترافية ورصيداً من خبرات البحث والتمحيص والأمانة الأخلاقية إلى مشهد مزدحم بـ«إعلاميين» يتكاثرون كالفطر. أفراد يتصدرون الشاشات الرقمية بعناوين براقة وألقاب فضفاضة ما أنزل الله بها من سلطان، في ظاهرة جعلت من الإعلام ملجأً سهلاً لكل من يبحث عن الشهرة العابرة والصخب الرقمي، على حساب الدقة والمسؤولية والأمانة المهنية، مما حول الصحافة التي كانت تُلقب يوماً بـ«صاحبة الجلالة» إلى مهزلة تجرد السلطة الرابعة من هيبتها ورصانتها.
ومع ما سبق، تزداد المصاعب في «مهنة المتاعب» التي تقتضي مكابدة مستمرة وصبراً شاقاً وعملاً مضنياً للبحث عن الحقيقة ونقلها بأمانة وموضوعية إلى القراء. وقد أضحت هذه المهمة اليوم، أكثر قسوة وتعقيداً بالنسبة لمؤسسة إعلامية متزنة تتحمل كل هذه الأعباء الاقتصادية الخانقة، وتواجه في الوقت ذاته، هزلية بعض «الإعلاميين الجدد»، بينما تكابد من أجل تأمين الفواتير الأساسية.
ومع كل هذه العقبات والعراقيل والتحديات، فإننا مصممون على المضي قدماً والاستمرار في مسيرتنا بلا تردد. وإننا، في هذه المحطة الفاصلة، نتوجه ببالغ الشكر وعميق الامتنان لكل من يدعم مسيرتنا الاستثنائية من القرّاء الأوفياء وجميع المعلنين الذين شكلوا السند الحقيقي والركن الأساس في صمودنا طيلة العقود الأربعة المنصرمة.
ولئن كان المردود المالي ضئيلاً ومحفوفاً بالخسائر، فإن المردود المهني والأخلاقي والسياسي قد فاق كل التوقعات، فقد أطفأت صحيفة «صدى الوطن» شمعتها الأولى في وقت كان فيه المجتمع العربي الأميركي في منطقة ديترويت الكبرى، طفلاً يحبو، وها نحن اليوم نطفئ شمعتنا الثانية والأربعين ونحن نحتفل معاً باقترابنا من تحقيق إنجازات سياسية غير مسبوقة سواء على مستوى ميشيغن، حيث سيتمثل مجتمعنا لأول مرة في مجلس شيوخ الولاية عبر المرشح الديمقراطي عباس علوية أو على المستوى الوطني، حيث يتطلع المرشح عبدول السيد لدخول مبنى الكابيتول في واشنطن كأول سناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة.
“صدى الوطن”






Leave a Reply