ديربورن – إبتسام خنافر
يتطلّع المحامي البارز أمير مقلد إلى صناعة التاريخ كأول عربي ومسلم أميركي يشغل عضوية مجلس أمناء «جامعة ميشيغن»، مؤكداً أن قراره بالترشح لا ينطلق من رغبته بتحقيق شخصي، وإنما من منطلق إدراكه لمدى أهمية التمثيل المتكافئ داخل المؤسسات العامة.
ويسعى المحامي اللبناني الأصل لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي في مؤتمره العام المقرر في 19 نيسان (أبريل) المقبل، تمهيداً لخوض الانتخابات العامة في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم على مقعدين مفتوحين في مجلس الجامعة العريقة التي تضم نحو 69 ألف طالب موزعين على فروعها الثلاثة بمدن آناربر وديربورن وفلنت.
ويستند المحامي البارز في مجال الحقوق المدنية والدفاع الجنائي إلى برنامج انتخابي يركّز على توفير التعليم بأسعار معقولة، وسهولة الوصول إليه، وحماية حرية التعبير.
وفي حديث لصحيفة «صدى الوطن»، أكد المحامي الذي تولّى الدفاع عن طلاب مؤيدين لفلسطين تم اعتقالهم ومعاقبتهم في «جامعة ميشيغن»، أن عضوية مجلس أمناء الجامعة ليست منصباً رمزياً أو إدارياً، مستعرضاً الصلاحيات الواسعة للمجلس المكوّن من ثمانية أعضاء، وفي مقدمتها إقرار ميزانية تتجاوز 15 مليار دولار سنوياً.
وأضاف أن المجلس الذي يتم اختيار أعضائه من قبل الناخبين في جميع أنحاء ولاية ميشيغن، يبتّ في حجم الرسوم الدراسية والعقود وتعيين المناصب التنفيذية، فضلاً عن الإشراف على شبكة المستشفيات التابعة للجامعة والتي تضمّ 11 مستشفى ومئات العيادات المنتشرة في أرجاء الولاية.
وشدّد مقلد على أن القرارات التي تُتخذ داخل المجلس تنعكس مباشرة على الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين والمرضى والاستثمارات والسياسات التأديبية وغيرها.
بالمختصر، يرى مقلد أن «النفوذ مهم للغاية»، لأن «التأثير دون نفوذ حقيقي داخل المؤسسات يبقى محدوداً»، و«إذا أردنا لمؤسّساتنا أن تعكس قيمنا، فلا يمكن أن نبقى خارجها».
التحدّي الأول
يشير المرشّح الديمقراطي إلى أن مؤتمر الحزب، الذي سيُعقد في مركز «هانتينغتون بليس» بوسط ديترويت يوم 19 أبريل القادم، سيكون حاسماً في تقرير مصير حملته، ولذلك يحثّ جميع مندوبي الحزب إلى المشاركة بكثافة والتصويت له.
وأوضح مقلد لـ«صدى الوطن» أن المشاركة في التصويت تتطلب التسجيل في الحزب قبل ثلاثين يوماً من انعقاد المؤتمر، لافتاً إلى أنه «لا يوجد تصويت بالبريد، ولا إلكتروني، ولا بالوكالة»… فإذا لم تكن في القاعة يوم التصويت، فلن يكون لك صوت».
ولفت ابن الطبقة العاملة الذي نشأ في بيت نقابي إلى أن منافسات سابقة حُسمت بفارق أقل من أربعين صوتاً، مشيراً إلى خسارة هويدا عرّاف بفارق ضئيل في مؤتمر الحزب عام 2024، مما أدى إلى إقصائها من سباق مجلس أمناء «جامعة ميشيغن» في ذلك العام.
وبحسب تقديره، يشكل العرب الأميركيون حوالي عشرة بالمئة من الهيئة الناخبة في مؤتمر الحزب الأزرق، مستدركاً بأن هذا الحضور لن يكون مؤثراً إلا إذا كان منظّماً.
وللدلالة على أهمية التعبئة المجتمعية الواسعة، استحضر مقلد، فوز براين مسلم بترشيح الحزب الديمقراطي لسباق مجلس أمناء «جامعة ميشيغن ستايت» عام 2012، والذي أدّى إلى فوزه بعضوية المجلس الذي ينتخب أعضاؤه لمدة ثماني سنوات.
لماذا يترشّح كديمقراطي؟
يقول المحامي إنه يترشح بصفته ديمقراطياً لأنه يؤمن بحقوق العمال والحقوق المدنية، ولأن حياته تشكّلت في بيت نقابي من الطبقة العاملة.
والده كان يعمل في مصنع «فورد» ضمن مجمع «روج» بمدينة ديربورن، وكان عضواً فخوراً في اتحاد عمال السيارات المحلي رقم 600. حتى أن بطاقته النقاببة مازالت محفوظة في منزل العائلة، «فهي لم تكن مجرد ورقة، بل كانت رمزاً لمعنى العمل الجاد والتضامن».
«لكن الانتماء الحزبي لا يعني الولاء الأعمى وعدم المساءلة». إذ يوضح مقلد أنه في العام الماضي، عندما جرى اعتقال طلاب بسبب التظاهر، لم تكن المواجهة مع مجلس أمناء ذي أغلبية جمهورية، بل مع أغلبية ديمقراطية عريضة، ومع مدعية عامة ديمقراطية أيضاً، مشيراً إلى أنه في نهاية المطاف، أُسقطت التهم الجنائية، لكن القرارات التأديبية ظلت قائمة.
وأعرب مقلد عن إيمانه بأن الحزب الديمقراطي يكون في أفضل حالاته عندما يقف إلى جانب العمال والطلاب والمجتمعات المهمشة، لا عندما يكتفي بإدارة الأزمات من أعلى.
طالب من الجيل الأول
وُلد مقلد في الولايات المتحدة لأبوين مهاجرين من لبنان قدما في سبعينيات القرن الماضي بحثاً عن الكرامة والاستقرار. نشأ في ديربورن مع شقيقه وشقيقتيه في بيت يجمع بين المدرسة العربية خلال عطلة نهاية الأسبوع، والمدرسة العامة خلال أيام الأسبوع. التعليم لم يكن خياراً، بل توقعاً. وكذلك كان ردّ الجميل للمجتمع.
انتقلت العائلة لاحقاً إلى نورثفيل حيث أكمل مقلد تعليمه المدرسي. ولكن بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، واجه أمير لحظة لا تزال حاضرة في ذاكرته. خلال مباراة كرة قدم في المدرسة الثانوية، حيث كان قائداً لفريقه، قال له أحد زملائه إنه غير مضطر للاستماع إلى «إرهابي». لم تكن المسألة إهانة شخصية فحسب، بل إدراكاً لمدى سرعة تحوّل السرد السياسي والإعلامي إلى أداة تشويه للهوية. «حينها تعلّمت أن الانتماء يمكن أن يكون هشاً»، وأن «الصمت لا يحمي».
كان مقلد المولود في كانون الثاني (يناير) 1987، أول فرد في عائلته يدخل الجامعة. ملأ استمارات FAFSA وحده. لم يكن هناك من يشرح له الإجراءات البيروقراطية. تلك التجربة منحته فهماً مباشراً لما يمر به طلاب الجيل الأول داخل أنظمة معقدة.
في جامعة «ميشيغن–ديربورن» التي تخرج منها بشهادة بكالوريوس في التمويل عام 2009، شارك مقلد في الاحتجاجات ضد غزو العراق، وتعمق في دراسة قانون «باتريوت» وصلاحياته الواسعة في المراقبة التي سمحت للحكومة بالتجسس على مجتمعات عربية ومسلمة تحت غطاء الأمن القومي. يقول إن ما يراه اليوم في عهد الرئيس دونالد ترامب من توسّع في المراقبة وتشديد في سياسات الهجرة يعيد إلى ذهنه تلك المرحلة.
في جامعة «ميشيغن–ديربورن»، لم يكن نشاط مقلد السياسي نظرياً فحسب. فقد انخرط مبكراً في التنظيم الطلابي، وشارك في الضغط ضد سياسات إدارية «غير عادلة»، وساهم في مبادرات تهدف إلى تخفيف العبء المالي عن الطلاب، من ضمنها إطلاق منصة لتبادل الكتب الدراسية UMD–BookSwap.
وخلال تلك المرحلة، أصبحت جامعة ديربورن أول مؤسسة. تعليمية في البلاد يمرر فيها المجلس الطلابي رسمياً، قراراً بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS.
وبغض النظر عن الموقف من القرار نفسه، كان الأمر بالنسبة لمقلد يتعلق بقوة الصوت الطلابي عندما ينظم نفسه ويؤمن بقدرته على التغيير، مشيداً بدور ناشر صحيفة «صدى الوطن» أسامة سبلاني لمنحه الحراك الطلابي حينها، «منصة أوسع وشرعية إعلامية».
بداية المسيرة
عندما التحق مقلد بكلية الحقوق في جامعة «وين ستايت»، لفتت انتباهه عبارة القاضي ديمون كيث (1922–2019) المنقوشة في مركز الحقوق المدنية: «الديمقراطيات تموت خلف الأبواب المغلقة».
يقول مقلد الذي تخرج من كلية الحقوق الديترويتية عام 2012، إن تلك العبارة أصبحت «بوصلة» مسيرته المهنية. ورغم أن المحامي الشاب اختار في بداية مسيرته المحاكمات المدنية وقضايا الإصابات الشخصية، إلا أنه سرعان ما توجه إلى قضايا الحقوق المدنية، بعدما رأى كيف تعمل المؤسسات من الداخل، وكيف يمكن للسلطة أن تُساء ممارستها إذا غابت الشفافية والمساءلة. دافع عن طلاب وعمال ومجتمعات مهمشة، ووقف في قاعات المحاكم متحدّياً ما اعتبره تجاوزات في استخدام السلطة.
وبالفعل تم تكريم عضو نقابة المحامين الوطنية مراراً، وتم تصنيفه سنوياً كـ«نجم صاعد» في عالم المحاماة، من قبل موقع «سوبر لويرز»، منذ عام 2014 ولغاية عام 2022.
مع مرور الوقت وتنامي خبرته، توصّل مقلد إلى قناعة مفادها أن الدفاع بعد وقوع الضرر لا يكفي. يمكن كسب قضية في المحكمة، لكن السياسات التي أنتجت المشكلة قد تبقى. لذلك، يرى أن العمل من داخل المؤسسات لا يقل أهمية عن العمل أمامها.
احتجاجات الجامعة
خلال التظاهرات الطلابية ضد حرب الإبادة في غزة، نصب الطلاب في «جامعة ميشيغن» بمدينة آناربر، مخيماً تضامنياً وأقاموا العديد من الفعاليات المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني. غير أن نشاطهم الاحتجاجي سرعان ما قوبل بالقمع والاعتقالات.
ويوضح مقلد الذي تولّى الدفاع عن عدد من الطلاب المحتجين أن موكّليه لم يحرضوا على العنف قط، بل فقط طالبوا باجتماع ممثليهم المنتخبين لإعادة النظر في استثمارات الجامعة بإسرائيل. ولكن ذلك لم يحُل دون ملاحقتهم قضائياً بتهمٍ جنائية تم إسقاطها لاحقاً مع الإبقاء على الإجراءات التأديبية بحقهم.
وقف مقلد إلى جانب النائبة رشيدة طليب أمام مكتب رئيس الجامعة المؤقت دومينيكو غراسو، لمطالبته بلقاء الطلاب وإسقاط الإجراءات الجامعية بحقهم. لم يتم اللقاء، ولم تتم الاستجابة للمطالب، وفقاً للمرشح الديمقراطي.
في هذا الإطار، يؤكد مقلد أن الخط الفاصل واضح: «لا للعنف، ولا للتهديدات، ولا لتعطيل خدمات الطوارئ»، موضحاً أن الانزعاج ليس خطراً، وأن النقد لا يُعدّ تهديداً أمنياً. كما يشير إلى أن بعض أعضاء هيئة التدريس والعاملين في النظام الصحي التابع للجامعة أعربوا له عن خوفهم من إبداء رأيهم علناً خشية تبعات مهنية، معتبراً أن وجود مناخ خوف داخل مؤسسة أكاديمية مرموقة مثل «جامعة ميشيغن»، يعدّ مؤشر خلل كبير لا يمكن تجاهله.
أما في ما يتعلق بمفهوم «الحياد» الذي تتذرع به المؤسسات الأكاديمية لقمع الأصوات المناهضة لإسرائيل، فيقول مقلد إنه لا يجوز أن يستخدم كوسيلة لمنع النقاش في قضايا معينة، سواء كانت قرارات استثمارية أو سياسات لها أبعاد أخلاقية. مجلس الأمناء، برأيه، مسؤول عن ضمان الشفافية في الاستثمارات، وعن توضيح كيفية اتخاذ القرارات، لا الاكتفاء بإعلان المواقف العامة.
الشعار الموحّد لا يكفي
المحامي الشريك في مكتب «هول–مقلد» للمحاماة في ديربورن، يتطرق في برنامجه الانتخابي أيضاً إلى «الفجوات الهائلة» في الأجور والاستثمار بين فروع «جامعة ميشيغن» رغم تشابه طبيعة العمل في الحرم الثلاثة بمدن آناربر وديربورن وفلنت.
ويرى أن الاحتفاء بالشعار الموحد للجامعة التي تعود جذور تأسيسها لعام 1817 لا يجب أن يخفي التفاوت الواضح في الموارد والفرص.
كذلك، يؤكد مقلد تمسكه بالعدالة المؤسسية، لاسيما في القرارات المتعلقة بمنظومة «ميشيغن ميديسن»، موضحاً أن غياب العدالة لا يؤثر على العاملين داخل المستشفيات والمراكز الطبية فقط، بل يطال أيضاً المرضى والعائلات التي تعتمد على هذه المنظومة للرعاية الصحية. لذلك، فإن الشفافية في الميزانيات والعقود ليست مسألة إدارية بحتة، بل قضية تمس المجتمع الأوسع، وفق تعبيره.
أبعاد سياسية
يربط مقلد ترشحه بسياق سياسي أوسع. يشير إلى تصاعد الاستهداف الفدرالي لمجتمعات المهاجرين، سواء عبر مداهمات إدارة الهجرة والجمارك (آيس) أو عبر خطاب الرئيس ترامب الذي يضع مجتمعات بأكملها في دائرة الاشتباه.
بالنسبة له، خطاب «حالة الاتحاد» الأخير، الذي تضمن إشارات إلى الهجرة بوصفها تهديداً، والسخرية من مجتمعات مثل المجتمع الصومالي، لم يكونا مجرد فلتات لسان، بل رسائل تُترجم إلى سياسات وإجراءات عملية على أرض الواقع.
وفي هذا الصدد، يقول مقلد إن تجربة العائلات العربية والمسلمة تنطوي على معاناة مزدوجة: السياسة الخارجية تؤثر على أقاربهم في الخارج، والخطاب الداخلي يحرض عليهم في الداخل. في مثل هذه اللحظات، يرى مقلد أنه لا مفرّ من تمثيل العرب والمسلمين الأميركيين في المؤسسات العامة لضمان حماية حقوقهم وكرامتهم، مؤكداً أنه «لا يمكننا الانعزال والاختباء خلف الصمت».
لحظة فارقة
يستعيد الأب لتوأمين تجربة احتجازه في مطار ديترويت الدولي بعد دفاعه عن طلاب «جامعة ميشيغن».
تم فصله عن زوجته وابنتيه، واستُجوب لساعات، وطُلب منه فتح هاتفه وتسليم مراسلات قانونية محمية، وهو ما رفضه. يقول إن أسوأ ما في تلك التجرية، لم يكن الاستجواب بحد ذاته، بل نظرة ابنتيه إليه، حينها أدرك أن المبادئ لا تُختبر في الخطابات بل في المواقف الفعلية.
ويرى المرشّح الديمقراطي أن المؤسسات لا تتآكل دفعة واحدة، بل في كل مرة تنتهك فيها حقوق شخص واحد ويصمت الآخرون.
تلك اللحظة، عززت قناعته بأن المشاركة داخل المؤسسات ضرورة، لا خياراً.
في ختام حديثه، يؤكد مقلد أن حملته الانتخابية لا تدور حول مقعد واحد، بل حول اتجاه مؤسسة عامة في لحظة سياسية حساسة. يرى أن السؤال المطروح ليس إدارياً فحسب، بل أخلاقياً: هل نترك الأمور كما هي، أم نعمل على المساءلة من الداخل؟ هل نختار الراحة والصمت، أم الشجاعة؟
ويجيب مقلد على تساؤله بالقول إنه اتخذ قراره، ويبقى على المجتمع أن يقرر ما إذا كان يريد حضوراً فعلياً داخل المؤسسات العامة، أم الاكتفاء بالتعليق من خارجها.







Leave a Reply