ديربورن
فيما تواصل إسرائيل عدوانها الوحشي على جنوب لبنان، جال عشرات اللبنانيين الأميركيين في منطقة ديربورن يوم الأربعاء الفائت في مسيرة صامتة تحدّت درجات الحرارة المرتفعة، وامتدت على طول شارع ميشيغن أفنيو من «مركز فورد» المجتمعي شرقاً إلى «المتحف العربي الأميركي»، للتعبير عن تضامنهم مع ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على جنوب لبنان في أول أيام عيد الأضحى المبارك.
وكان جيش الاحتلال قد صعّد الأسبوع الماضي اعتداءاته على مناطق جديدة في الجنوب اللبناني شملت صور والنبطية، موقعاً عشرات القتلى والجرحى المدنيين، بالتزامن مع أوامر إخلاء طالت تلك المناطق.
وعقب صلاة العيد الجماعية التي أقيمت في المكان، تجمع حشد صغير نسبياً من المتظاهرين أمام «مركز فورد» البلدي عند الساعة الحادية عشرة صباحاً وهم يرفعون الأعلام اللبنانية والأميركية وصور عشرات الأطفال والعائلات من أقاربهم الذين قضوا من جراء الاعتداءات الإسرائيلية.
وكان منظّما المسيرة التضامنية، الدكتورة لينا سعد والدكتور إبراهيم دهيني، قد تقدما بدعوة مفتوحة إلى كافة أطياف المجتمع المحلي والفعاليات الأهلية للانضمام والمشاركة الواسعة في الوقفة الاحتجاجية التي جرى تنظيمها تحت شعار «صلة الرحم»، في لفتة تتوخى تجسيد المعاني الإنسانية والروابط الدينية والاجتماعية، لاسيما في عيد الأضحى، للتأكيد على أن الغربة لا تقطع أوصال الانتماء، وأن التضامن مع الأهل والأقارب في محنتهم هو واجب إنساني وأخلاقي بالدرجة الأولى.
من جانبه، أوضح ناشر «صدى الوطن» الزميل أسامة السبلاني، في بداية المسيرة، بأن هذه الفعالية التضامنية تأتي تكريماً لأطفال وشهداء لبنان الذين رووا تراب الوطن بدمائهم الطاهرة، مشيراً إلى أن حجم التضحيات في عيد الأضحى هذا العام كبير جداً، وهو ما يتطلب من العرب الأميركيين التكاتف والوقوف بمسؤولية ليكونوا على قدر هذه التضحيات الجسيمة.
وقال السبلاني: «رجاء انضموا إلينا لكي يكون وجودنا أكبر من أي وقت مضى لأن التضحيات في لبنان أكبر من أي وقت مضى، ولا تنسوا أن هؤلاء الذين استشهدوا من أجل الأرض التي جئنا منها، والتي من أجلها لسنا مستعدين للوقوف هنا فقط، وإنما نحن على استعداد لكي نبذل الغالي والنفيس من أجلها».
من جانبه، تحدّث السيد مهدي الأمين من «المركز الإسلامي في أميركا»، عن تفاقم الكارثة الإنسانية في جنوب لبنان، مشيراً إلى المدنيين الأبرياء يواصلون دفع الأثمان الباهظة جراء الغطرسة والعنجهية الإسرائيلية التي لم تراعِ حرمة عيد الأضحى المبارك، حيث واصلت عدوانها موقعةً عشرات الشهداء والضحايا في صبيحة يوم العيد.
ووجه الأمين دعوة المشاركة إلى أبناء الجالية اللبنانية في منطقة ديربورن التي يتحدر معظم أبنائها من القرى والبلدات المستهدفة في الجنوب والبقاع، مؤكداً على واجبهم الأخلاقي والوطني في المشاركة بالأنشطة التضامنية مع لبنان بالقول: «نحن أولياء الدم، ونحن أولى أن نكون هنا برغم العالم الذي يغلق عينيه ويصم أذنيه، وإن وقفتنا اليوم هي وقفة شرف تتطلب منا جميعاً أن نكون هنا اليوم للتنديد بجرائم الاحتلال والمطالبة بتحقيق العدالة للضحايا».
مشاركة خجولة
رغم الدعوات المتكررة والانتظار لغاية الساعة الثانية عشرة لقدوم المزيد من المشاركين، لم يتخطًّ عدد المحتجين –وفق أفضل التقديرات– حاجز 200 شخص ممن ساروا صامتين على طول شارع ميشيغن أفينو، جيئة وذهاباً، بين مركز فورد والمتحف العربي الأميركي، بمرافقة دورية من شرطة ديربورن وسيارة إسعاف لتقديم المساعدة الطارئة في ذلك اليوم الحار.
وأثارت المشاركة الخجولة استياءً عارماً لدى بعض الحاضرين، حتى أن إحدى المتظاهرات ذرفت الدموع حسرةً على الغياب غير المبرر لأبناء الجالية.
وفيما برر البعض ضعف المشاركة بحرارة الطقس وانشغال الناس مع عائلاتهم في عيدي الميموريال والأضحى، أكد البعض الآخر لـ«صدى الوطن» أن ضعف التفاعل لا يتناسب مطلقاً مع حجم المأساة الدامية والتضحيات الجسيمة في لبنان، والتي تستدعي التزاماً أخلاقياً وإنسانياً يتناسب مع دعم اللبنانيين الأميركيين للقضايا العربية العادلة لاسيما وأن آلاف المسلمين الأميركيين كانوا يؤدون صلاة العيد على مقربة من موقع التظاهرة ولم يكلف أحدهم نفسه بأن ينضم إلينا، وفق تعبير أحد المتظاهرين.
وعبّرت الناشطة المجتمعية مشهدية عاصي عن شعورها بالإحباط من ضعف الفعالية التضامنية مع شهداء لبنان، التي تعتبر «أقل القليل الذي يمكن أن تقدمه عاصمة العرب الأميركيين لدعم لبنان في وجه آلة القتل الإسرائيلية»، بحسب تعبير مشهدية التي تتحدر من قضاء النبطية في جنوب لبنان، والتي أضافت: «لقد وقفنا نحن اللبنانيين مع غزة خلال محنتها ولم يردعنا الخوف من دعم الشعب الفلسطيني والتضامن مع ضحاياه، فأين هم العرب بكافة جنسياتهم وجميع مذاهبهم وطوائفهم مما يجري علينا اليوم؟».
وأشارت مشهدية إلى أنها تركت عملها وقدمت للمشاركة في المسيرة الصامتة التي نظّمها نشطاء محليون في أعقاب صلاة العيد لضمان المشاركة الضخمة، وقالت بمرارة: «عشرات آلاف المصلين أدوا صلاة العيد ثم انصرفوا متجاهلين هذه الوقفة التضامنية التي يفترض بها أن تكون وقفة لجميع العرب الأميركيين في منطقة ديترويت، وليس اللبنانيين فقط»، واصفة المشاركة الهزيلة بأنها «عار علينا جميعاً».
أضعف الإيمان
المدير التنفيذي «للمجلس الأميركي للحريات المدنية» عماد حمد، أعرب أيضاً عن استيائه من عزوف المجتمع المحلي عن المشاركة في الحراك الشعبي المناصر للقضايا العادلة والمحقّة تحت ذرائع الانشغال أو التوجس من العواقب المحتملة، وقال: «صحيح أن الأعياد هي مناسبات للأفراح ولكن هذا لا يعني تجاهل قضايا شعوبنا وآلامهم وتضحياتهم»، مضيفاً: «لقد كان حرياً بآلاف المصلين الذين أدوا صلاة العيد اليوم أن يخصصوا ولو جزءاً بسيطاً من أوقاتهم للتعبير عن تضامنهم مع المتضررين من الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان للعام الثالث على التوالي».
وأكد حمد بأن تذرع البعض بالخوف ليس «مبرراً على الإطلاق»، موضحاً بأن الأطراف المناوئة لقضايانا العادلة نجحت في تدجين نفوسنا وعقولنا التي باتت تعمل تحت سقف «أضعف الإيمان»، الذي يتجلى بالسلوك القلبي الصامت، مشيراً إلى المفارقة المريرة التي تعكسها المسيرة الصامتة، حيث المشاركة الخجولة لم ترق إلى مستوى الحد الأدنى من «أضعف الإيمان».
بدورها، أفادت سعاد بزي لـ«صدى الوطن» بأنها شهدت للمرة الثالثة خلال حياتها على تدمير بيوت عائلتها في مدينة بنت جبيل التي تحوّلت إلى أنقاض خلال الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، معربة عن استيائها من غياب المشاركة الحقيقية في دعم المهجرين اللبنانيين وعائلات الضحايا الذين يسقطون يومياً من جراء الغارات الإسرائيلية في جنوب وشرق البلاد.
وأنحت سعاد باللوم على رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون الذي «يُفاضل بين اللبنانيين»، وقالت: «إننا نطلب من الرئيس أن يعاملنا على قدم المساواة مع اللبنانيين الآخرين، وأن يعامل أبناء الجنوب كما يعامل أبناء الأشرفية، فنحن لسنا مواطنين من الدرجة الثانية».
الدكتورة لينا سعد شددت من جانبها، على أهمية الانخراط المجتمعي في دعم لبنان خلال هذه المحنة الإنسانية، مؤكدة على أن تنظيم المسيرة الصامتة جاءت كردة فعل على «خمول الجالية اللبنانية وانكفائها عن دعم عائلاتهم وأقاربهم في الوطن الأم»، وقالت: «إن مسيرتنا اليوم هي دعوة للبنانيين الأميركيين للانخراط في دعم قضايا وطنهم الأم، مسيرتنا صامتة ولكنها في الوقت نفسه تشكل صرخة ضد الصمت».








Leave a Reply