عدد قياسي لشكاوى التمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة خلال 2025
واشنطن
تحت عنوان «الحق في أن تكون مختلفاً»، أصدر مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير)، يوم الثلاثاء الفائت، تقريره السنوي لعام 2026 مسجلاً ارتفاعاً غير مسبوق لمستويات الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة من جراء الإجراءات الصارمة التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب ضد المهاجرين والاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين.
وقدم التقرير خريطة شاملة لتآكل الحقوق الدستورية والاستهداف الممنهج للأقليات، مع تسليط الضوء على صعود المجتمع المدني والمسارات القضائية كخط دفاع أخير عن الحريات الأساسية للمسلمين الأميركيين.
ووثّق التقرير الذي جاء في 122 صفحة، 8,683 شكوى تمييز ضد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العام الماضي، وهو أعلى رقم منذ بدأت منظمة «كير» بتوثيق البيانات ذات الصلة في عام 1996، متجاوزاً بنسبة طفيفة بلغت 0.3 بالمئة شكاوى عام 2024 البالغة 8,658 شكوى، وكاشفاً عن نمط مؤسسي مقلق يتمثل في استغلال مسؤولين حكوميين لمناصبهم لـ«تضييق تعريف الهوية الأميركية، وفرض وصاية سياسية على ما يمكن للمواطنين قوله أو الاعتقاد به»، بحسب التقرير.
وتظهر بيانات العام 2025 أن الانتهاكات لم تقتصر على حوادث فردية، بل امتدت لتشمل ممارسات مؤسسية ومنهجية، حيث تصدر التمييز في التوظيف قائمة الشكاوى بواقع 1,101 حالة، و568 قضية متعلقة بالهجرة واللجوء، و555 حادثة كراهية مباشرة، بالإضافة إلى 505 انتهاكات لحقوق السجناء و488 شكوى مرتبطة بقوائم المراقبة والقيود على السفر.
كما امتد التضييق ليشمل البنية التحتية للمجتمعات الإسلامية حيث وثق التقرير 33 حادثة استهداف مباشر للمؤسسات الإسلامية خلال عام 2025، شملت المساجد، والمراكز المجتمعية، وحتى مصليات المطارات والأماكن المخصصة لصلاة الجمعة والعيد.
وأشار التقرير إلى أن هذه الإحصائية اعتمدت على معايير رصد موضوعية تستند إلى معلومات عامة ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن الاستهداف اتخذ طابعاً «إسلاموفوبياً» جلياً يهدف إلى زعزعة أمن المساحات العامة التي يتجمع فيها المسلمون، مما يضيف بعداً خطيراً لمحاولات إقصاء المظاهر الدينية من الفضاء العام الأميركي.
اتجاهات تصعيدية
حدد فريق البحث لدى «كير» خمسة اتجاهات رئيسية لتوثيق الانتهاكات والشكاوى، جاءت كما يلي:
■ ارتفاع الشكاوى في ولايات محددة، حيث تصدرت ولايات فلوريدا وإيلينوي ومينيسوتا وأوكلاهوما وتكساس القائمة خلال عام 2025. إذ سجّل فرع مينيسوتا زيادة بلغت 96 بالمئة مقارنة بالعام السابق، بواقع 693 شكوى 23 بالمئة منها خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) الفائت، بينما رصد فرع شيكاغو 877 شكوى بنسبة نمو وصلت الى 65 بالمئة مقارنة ببيانات العام 2024.
■ عودة الخطابات المعادية للمسلمين، حيث شهد عام 2025 بروز خطاب متطرف مفاده أن المبادئ الدينية للمسلمين تشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وذلك بالتوازي مع طرح خمسة مشاريع قوانين فدرالية تهدف إلى حظر ممارسة الشعائر الإسلامية أو منع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وكان من أبرزها مشروع قانون مجلس الشيوخ الأميركي رقم 5512، المعروف بـ«قانون لا شريعة»، الذي سعى لاستصدار تشريع فدرالي يحظر اعتراف المحاكم الأميركية بأية أحكام تستند إلى الشريعة الإسلامية، مع فرض قيود مشددة على دخول المهاجرين الذين يتبنون مبادئها بدعوى حماية الدستور والسيادة الوطنية من القوانين الأجنبية.
وفي الإطار، لفت التقرير إلى الحملة التي شنها حاكم ولاية تكساس غريغ آبوت في شباط (فبراير) عام 2025 بدعوى حظر الشريعة الإسلامية، وكذلك إلى «تجمع أميركا الخالية من الشريعة» الذي أسّسه في كانون الأول (ديسمبر) الجمهوريان عن ولاية تكساس في مجلس النواب الأميركي، تشيب روي وكيث سيلف، والذي وصل عدد أعضائه بحلول فبراير المنصرم إلى 45 عضواً في الكونغرس.
وأوضح فريق البحث لدى «كير» بأن الخطاب التحريضي تجاوز الأروقة التشريعية ليصل إلى القيادات التنفيذية، حيث زعمت مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، خلال خطابها في مهرجان منظمة «تيرنينغ بوينت يو أس أي»، بأن المسلمين الأميركيين يسعون لفرض «الشريعة والمبادئ الإسلامية» في البلاد سواء عبر الوسائل القانونية أو العنف، مشيرة بشكل محدد إلى مدينتي باترسون في ولاية نيوجرزي وهيوستن في ولاية تكساس، كأمثلة على هذا التمدد المزعوم.
■ استهداف جماعات محددة على أساس العرق والدين، مع استخدام المسؤولين الحكوميين لسياسات العقاب الجماعي والأيديولوجي خلال استهدافهم للمواطنين والمقيمين المسلمين الذين ينظر إليهم على أنهم «غير مرغوب بهم». وأوضح التقرير بأن الأفغان والصوماليين والسوريين تصدروا قائمة الفئات المستهدفة، حيث واجهوا تمييزاً مكثفاً تجلى في عقوبات وسياسات إقصائية.
وأشار التقرير إلى قيام إدارة الرئيس ترامب بتبرير عمليات اعتقال ناشطين مؤيدين لحقوق الشعب الفلسطيني من خلال تصوير الخطاب الداعم للقضية الفلسطينية كتهديد أمني للولايات المتحدة، وهو ما أسفر عن اعتقال صحفي وثلاثة طلاب على الأقل بتهم عجزت الأدلة عن إثباتها أمام القضاء. وفي سياق متصل، كشف التقرير عن حكم تاريخي أصدره قاضٍ فدرالي في أيلول (سبتمبر) الماضي، في القضية المرفوعة من «الرابطة الأميركية لأساتذة الجامعات» و«رابطة دراسات الشرق الأوسط»، حيث أثبت الحكم أن مسؤولين حكوميين «تعمدوا وخططوا مسبقاً» للتنسيق بين وكالتين فدراليتين بهدف تقويض حقوق أعضاء المنظمتين في حرية التعبير والتجمع السلمي.
■ توسيع الصلاحيات التقديرية للسلطة التنفيذية على حساب الحقوق المدنية، حيث شهد العام 2025، زيادة ملحوظة في استخدام أوامر الطوارئ، وقوانين الهجرة، واللوائح التنظيمية، وصولاً إلى فرض شروط على التمويل، لتحقيق أهداف سياسية غالباً ما تفشل عند خضوعها للتدقيق القضائي أو معايير الإثبات التقليدية، بحسب التقرير الذي أوضح بأن إحلال هذه الصلاحيات التقديرية محل الضمانات الدستورية المعتادة أسفر عن تقليص مساحة الحريات العامة، مما أعاق قدرة المواطنين والمقيمين على ممارسة حقوقهم المدنية بحرية وأمان.
■ تراجع الحقوق الدستورية والمساواة في الوصول للفرص، إذ أصبحت ممارسة الحقوق الأساسية مشروطة بالانتماء السياسي، أو الصمت، أو القدرة المالية على خوض غمار التقاضي، كما أصبح الوصول المتكافئ للفرص الاجتماعية، والتعليم والسفر والمشاركة المدنية والعمل غير الربحي، خاضعاً لقيود متزايدة، ولم يعد ضمان «المساواة في الحماية» يعتمد على الإدارة الحكومية المحايدة، بل بات مرهوناً بنتائج التقاضي وتدخل المحاكم
حماية الحقوق المدنية
تقرير «كير» وثّق أيضاً، مبادرات المجتمع المدني في حماية الحقوق المدنية، إذ تمكن المسلمون الأميركيون والمؤسسات المتحالفة معهم من مواجهة التحديات عبر مسارات قانونية ومبادرات مناصرة عامة ومشاركة مؤسسية فاعلة. وأثبتت الدعاوى القضائية أنها أداة فعالة نسبياً في ترسيم الحدود الدستورية، حيث رفضت المحاكم في عديد القضايا محاولات فرض الرقابة أو التمييز بناءً على الرأي، مع الحفاظ على بعض حقوق الخصوصية، وحافظت على مكتسبات معيّنة في ملف الخصوصية.
ومع ذلك، ينوّه التقرير إلى أن هذه التدخلات تظل في الغالب «رد فعل» يأتي بعد وقوع الضرر، وليس إجراءً وقائياً، مما يجعل الحلول القضائية وآليات الضغط الشعبي علاجات جزئية تتطلب جهوداً وقائية أكثر استدامة.
مؤتمر صحفي
خلال مؤتمر صحفي عُقد في العاصمة واشنطن، الثلاثاء الفائت، أوضح مدير قسم الأبحاث والمناصرة لدى «كير»، كوري سوير، بأن عام 2025 سجل الرقم الأعلى من الشكاوى خلال تاريخ المنظمة الحقوقية الذي يمتد زهاء ثلاثة عقود، محذراً من التوجهات الخطيرة لدى بعض المسؤولين الأميركيين الذين يسعون لجعل الحريات الدستورية «مشروطة» بالولاء السياسي أو التوافق العرقي والأيديولوجي.
وأردف سوير: «إن حماية حقك في أن تكون مختلفاً وفي المعارضة ليس منحةً تُقدم لمجتمع معين، بل هو نظام التشغيل الأساسي والضروري لأي بلد حر».
من جانبها، كشفت المستشارة القانونية لدى «كير»، لينا المصري، عن نمط ممنهج لاستخدام «العقاب الجماعي» ضد المسلمين الأميركيين، لا سيما من خلال تصوير الخطاب الداعم للحقوق الفلسطينية كتهديد أمني، موضحة بأن السلطات توسعت في استخدام التحقيقات الفدرالية وإجراءات الهجرة لإسكات الأصوات المعارضة، مما حول المشاركة المدنية للمسلمين إلى مشاركة «مرهونة بالموافقة السياسية»، وقالت: «يتم التعامل مع المسلمين وكأن انخراطهم في الحياة العامة مشروط بما يقولونه، وبمدى قبول آرائهم لدى من هم في سدة السلطة».
ولفتت المصري إلى أن القضاء الأميركي يظل الأداة الأكثر حزماً في ردع التجاوزات، وأن محاولات وصم المؤسسات الإسلامية بـ«الإرهاب» أو تقييد ممارسة الشعائر الدينية لن تصمد أمام الاختبار القانوني المحايد، وقالت: «في الولايات المتحدة، لا تملك الحكومة سلطة تقرير أي خطاب هو المقبول، أو أي دين هو الشرعي، أو من يحق له ممارسة حقوقه المدنية».
وتعد «كير» التي تأسست عام 1994 أكبر مؤسسة مدنية للدفاع عن الحقوق والحريات الإسلامية في الولايات المتحدة؛ إلا أن المنظمة نفسها كانت في العام الماضي هدفاً للتضييق الحكومي، حيث قامت ولايتا تكساس وفلوريدا بتصنيف «كير» كمنظمة إرهابية ومنعها من التملّك في الولايتين الكبيرتين.







Leave a Reply