سمر نادر
لم يكد لبنان يلتقط أنفاسه من حروبٍ إسرائيلية متلاحقة، ومن أطماع لا تشبع من أرضه ومياهه، حتى تلقّى ضربةً أخرى، أشدّ وقعاً لأنها لا تستهدف حدوده، بل ذاكرته. ضربةٌ تحاول أن تمحو الحكاية الأولى، أن تعبث بالبدايات، وأن تُعيد كتابة تاريخ هجرة العرب الأولى إلى الولايات المتحدة، كما لو أن أبناء جبل لبنان لم يكونوا يوماً روّاد الطريق.
هناك، في منتصف القرن التاسع عشر، بدأت الحكاية. بين عامي 1854 و1930، حين ضاقت الحياة بأبناء جبل لبنان تحت وطأة العثمانيين وسطوتهم، فاختاروا الأطلسي خلاصاً، والغربة قدراً. حملوا أطفالهم وأحلامهم، واندفعوا نحو المجهول، ليكونوا أوائل المشرقيين الذين بلغوا القارة الأميركية، قبل أن تفتح أبوابها لموجاتٍ لاحقة بخمسين عاماً. هجرة أبناء جبل لبنان الكبيرة التي كانت هروباً يومذاك، التحق بها عدد كبير من المناطق الساحليّة في سوريا وآخرون من دمشق وفلسطين. وصلوا بلا هوية، تحت مسمّى «السوريّون»، لأنّ ما اصطُلِحَ على تسميته بـ«بلاد الشام» كانت لا تزال كياناً واحداً بلا حدود ولا أعلام.
في جزيرة «إيليس آيلاند» في خليج نيويورك، لم يكن المرفأ مجرد محطّة عبور، بل كان غرفة إعادة تشكيل الهوية. هناك، صار بطرس وحنا وجرجس وأسطفان ومريانا ولطيفة أسماء تُسجّل تحت عنوانٍ واحد، وتُختزل بـ«المهاجرين السوريين». ورغم الثلوج والعواصف، لم ينكسروا. بنوا حياةً من الصفر، وفتحوا في قلب مانهاتن محالّ السمانة، وأفران الخبز، ومشاغل التطريز، ومحلات الحلويات الشرقية، وصنعوا من الحنين اقتصاداً، ومن الذاكرة مجتمعاً حيّاً، أطلق عليه اسم «سوريا الصغرى» (ليتل سيريا) لكن الحكاية، التي كان يُفترض أن تُصان، تُروى اليوم على نحوٍ مبتور.
ففي عام 2017، أعلنت بلدية نيويورك عن مسابقةٍ فنّية لتخليد ذكرى المهاجرين الأوائل. اسمٌ فائزٌ ظهر فجأة: فنانة تشكيلية فرنسيّة مغربية الأصل، تتقن فنّ الموزاييك. لم يُفلح «غوغل» في العثور على أسماء منافسيها في المسابقة، أو حتى على مكانها ومراحلها. وكأنّ القرار وُلد في العتمة. ثم مضت البلدية أبعد، فكلّفت الفنانة سارة أوحدو بتنفيذ نصب تذكاري كُشف عنه قبل أيام في حديقة «إليزابيث بيرغر بلازا»، بحضور رسمي وعددٍ من أحفاد المهاجرين وأدباء المهجر، إن نظرْنا في هوياتهم، فهم أبناء جبل لبنان المكلّل بالثلوج، المزخرف بقلاعه الرومانيّة وصخوره الفينيقية، ومغاور القديسين و«لوحات الله راسمها» في هذا الشرق العتيق.
هذا العمل كانت ترافقه جمعية «واشنطن ستريت» التاريخية التي ترأسها ليندا جاكوب، اللبنانية الأصل، التي واكبت تحضير هذا النصب التذكاري، غير أن المشهد بدا احتفالياً في ظاهره، لكنه في عمقه يحمل اضطراب الرواية وغياب الدقة. وما زاد الالتباس، أنّ الحديقة التي أُعلنت باسم «السوريين المهاجرين الأوائل» في قلب مانهاتن، تجاهلت بوضوح أن أبناء جبل لبنان هم أصل تلك الهجرة وبدايتها. كأنّ التاريخ يُعاد ترتيبه، أو يُختصر على نحوٍ يُفرِّغ البدايات من مضمونها الحقيقي.
أما المجسّم نفسه، فهو تمثال قائم وسط المسطح الأخضر في الحديقة، يجسّد كلمة «القلم» (نسبة إلى الرابطة القلمية) بأسلوب تجريدي. النُّصب التذكاري الذي كلّف مليون و600 ألف دولار، مزجت فيه الفنانة أوحدو بين الخط العربي وأشكال هندسية مستوحاة من العمارة الإسلامية في موزاييك ملوّن. جميل، لكنه جاء غريباً عن الذاكرة التي يُفترض أن يُجسّدها. ألوانه أقرب إلى عباءةٍ إفريقية، ونقوشه لا تشبه ما سُمِّي بـ«بلاد الشام» المطرزة بشجر الزيتون، ولا أرز لبنان، ولا بياض صخوره، ولا زرقة بحره الممتد بلا أفق. لا رائحة زعتر فيه، ولا ظلّ لـ«عريشةٍ» تنتظر رسالةً من مهاجرٍ غاب ولم يعد. بدا العمل وكأنه مُستعار من جغرافيا أخرى، لا يمتّ بصلةٍ إلى وجع الحكاية ولا جمالها، ولا حتى إلى «جبل الغيم الأزرق».
ثم جاء اللوح التذكاري التعريفي، ليُكمل النقص. ذُكر اللبنانيون والفلسطينيون عَرَضاً، كأنهم هامشٌ في القصة. ونُسبت إنجازات أدباء المهجر إلى عبارة «السوريين» وحدهم. ومع أنّه لا يمكن إنكار حقيقة تاريخ المهاجرين الأوائل الذين كانوا عُرفوا باسم السوريين، لكن السرد في اللوحة تجاهل أنّ معظم أدباء المهجر، جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وإيليا أبو ماضي وعفيفة كرم خرجوا من رحم تلك الجبال اللبنانية التي حملت كتاباتهم إلى العالم، فأسماهم «الكتّاب السوريون»!
ليست القضية تفصيلاً لغوياً، ولا مجرد تسمية عابرة. إنها معركة على الذاكرة، على الحق في أن تُروى الحكاية بحقيقتها، لا كما يُراد لها أن تُختصر.
هنا، لا تنتهي الحكاية… بل تبدأ المعركة.
فإن كانت بلدية نيويورك تجهل تاريخ المهاجرين الأوائل، فهذه مصيبة تُدين مؤسّسةً تدّعي صون الذاكرة وهي تجهلها. وإن كانت تعلم، فالمصيبة أكبر، لأنّها تتحوّل من خطأ إلى فعلٍ مقصود، من سهوٍ إلى تزوير. أما الطامة الكبرى، فهي أن يقف من يفترض أنهم حُرّاس الرواية جمعية «واشنطن ستريت» ومن واكب هذا المشروع، بين جهلٍ مريب أو تواطؤٍ صامت، في لحظةٍ يُعاد فيها تشكيل التاريخ على مرأى من الجميع.
والأشد مرارة، أن يُصفّق أحفاد أولئك الذين عبروا البحار، وأن يلتقطوا الصور أمام نصبٍ لا يشبههم، ولا يروي حكاية أجدادهم، ولا يحمل أسماءهم كما يجب. كأنّ الذاكرة تُسرق منهم وهم يبتسمون، وكأنّ الخطأ يتحوّل إلى حقيقةٍ فقط لأنه وُضع في ساحةٍ عامّة في أهمّ مدينة في العالم.
ونقل الإعلام مشاهدات ومقابلات مع المسؤولين في بلدية نيويورك، كريستوفر مارت وبروس إهرمن، اللذين تحدّثوا عن هجرة «السوريين» الأولى إلى الولايات المتحدة، متجاهلين اسم لبنان بشكل كامل.
هذه ليست زلّة عابرة… إنها جريمة بحقّ الذاكرة.
جريمة تبدأ بحذف اسم لبنان، وتمرّ بتحريف رواية، ولا تنتهي إلا حين يُمحى الأصل ويُستبدل بنُصب مستعار من تاريخ وشعب آخرين. وحينها، لا يخسر لبنان فقط تاريخه، بل يخسر العالم حقيقة من نسجوا بداياته على هذه الأرض.
فإمّا أن تُستعاد الحكاية كما كُتبت بالعرق والحنين، وإما أن يُفتح الباب واسعاً أمام زمنٍ تُسرق فيه الذاكرة علناً… ويُطلب من أصحابها أن يصفّقوا.






Leave a Reply