التقرير الأسبوعي
بعد 110 أيام على العدوان الأميركي–الإسرائيلي الفاشل ضدّ إيران، تمّ يوم الأربعاء 17 حزيران (يونيو) 2026، توقيع مذكرة تفاهم تاريخية –عن بُعد– بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء النزاع الدائر بينهما، حيث وقّعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصياً أثناء مأدبة عشاء في قصر «فرساي» في فرنسا عقب قمة «مجموعة السبع»، بينما وقّعها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في طهران بفاصل زمني قصير، مكلّلَين بذلك جهود وساطة حثيثة قادتها باكستان بالتعاون مع دول إقليمية شملت قطر وسلطنة عمان ومصر وتركيا والسعودية.
وتُعدّ المذكرة، التي قوبلت بامتعاض واسع في إسرائيل، بمثابة إطار انتقالي مدته 60 يوماً للتمهيد لمفاوضات شاملة بغية الوصول إلى اتفاق نهائي يُعتمد بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي، فيما من المقرر إجراء مراسم أو لقاءات فنية مكملة في سويسرا لتفعيل اللجان التنفيذية المعنية بتطبيق بنود الاتفاق.
وعكست بنود المذكرة، نجاح إيران في فرض رؤيتها للحل، ولا سيما في الإنهاء الفوري للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها، الوقف الشامل والدائم لكافة الأعمال القتالية على الجبهة اللبنانية، مع التعهد باحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وهو بند قابله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإعلان رفض الانسحاب من جنوب لبنان «ما دامت الاحتياجات الأمنية لإسرائيل تقتضي ذلك»، مشدداً على أن «إعادة الأمن للشمال، تتطلب الحفاظ على المنطقة الأمنية في لبنان».
بنود مذكرة التفاهم
تنقسم بنود «تفاهم إسلام آباد» المكون من 14 بنداً إلى شقين: عسكري فوري، واقتصادي–تفاوضي مرحلي.
ويتركز الشق العسكري والأمني على الوقف الشامل والدائم لكافة الأعمال القتالية على جميع الجبهات، واحترام السيادة المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران مع التزام الدولتين بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، والامتناع التام عن التهديد باستخدام القوة. كذلك، يتضمن الشق العسكري تعهد واشنطن بسحب قواتها العسكرية من محيط إيران وإعادتها إلى تموضع ما قبل الحرب في غضون 30 يوماً من التوصل للاتفاق النهائي.
أما الشق الاقتصادي فينص على فتح مضيق هرمز، بحيث تلتزم إيران بضمان العبور الآمن والمجاني للسفن التجارية من الخليج إلى بحر عمان والعكس لمدة 60 يوماً، مع البدء الفوري بإزالة الألغام والعوائق الفنية.
في المقابل، تبدأ الولايات المتحدة برفع الحصار البحري عن إيران فوراً، على أن ينتهي بالكامل خلال 30 يوماً لتستعيد حركة الملاحة مستويات ما قبل الحرب.
وحول إدارة المضيق مستقبلاً، تجري إيران حواراً مع سلطنة عمان وبقية دول الخليج لتحديد آلية الإدارة والخدمات البحرية المستقبليّة في مضيق هرمز وفق القانون الدولي.
وجاء في مذكرة التفاهم أيضاً، بند يتعلق برفع العقوبات المفروضة على إيران، مع التزام وزارة الخزانة الأميركية بإصدار إعفاءات فورية تتيح لإيران تصدير النفط الخام والمشتقات البترولية، وتسهيل الخدمات المصرفية والتأمين والنقل المرتبطة بها طوال فترة المفاوضات.
وتشمل المذكرة وضع جدول زمني يُتفق عليه لاحقاً لإنهاء كافة العقوبات الأميركية (الأولية والثانوية)، وقرارات مجلس الأمن الدولي، وعقوبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ذات الصلة.
وحول الأصول الإيرانية المجمدة، التزمت واشنطن بوضع إجراءات لتسهيل الإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة والمقيدة لتصبح قابلة للاستخدام اللوجستي والمصرفي.
وفي بند آخر أثار امتعاضاً واسعاً لدى أنصار إسرائيل، تتعهد الولايات المتحدة بالعمل مع شركاء إقليميين على وضع خطة نهائية لتمويل مشروع إعادة إعمار وتنمية إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، مع منح التراخيص المالية اللازمة له.
بموجب مذكرة التفاهم، يلتزم الطرفان ببدء مفاوضات فنية ومكثفة لحل الملفات العالقة (وعلى رأسها الملف النووي) والوصول للاتفاق الشامل خلال مدة أقصاها 60 يوماً، يتم عبر إنشاء آلية تنفيذية مشتركة للإشراف على تطبيق بنود هذه المذكرة وضمان التزام الطرفين بالتعهدات التمهيدية.
وينص البند الأخير (الرابع عشر) على أن الاتفاق النهائي الشامل سيتم اعتماده وتثبيته عبر قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي لضمان استدامته.
وفي اليوم الثاني على توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، قال ترامب إنه يتوقع وقفاً تاماً لإطلاق النار على جميع الجبهات بما في ذلك في لبنان بين «حزب الله» وإسرائيل.
كما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أنها رفعت الحصار البحري عن إيران، وأن البحرية الأميركية لا تعرقل مرور السفن من وإلى الموانئ الإيرانية.
وفي محاولة لطمأنة إسرائيل وأنصارها، شدّد جاي دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، على أن بلاده لن تقدّم أي أموال لإيران أو ترفع العقوبات عنها، «ما لم تغيّر سلوكها جذرياً»، وأشار إلى أن 12.5 مليون برميل نفط عبرت من مضيق هرمز خلال الليلة الأولى من توقيع مذكرة التفاهم.
بدوره، قال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إنه كان لديه رأي آخر بشأن مذكرة التفاهم، مستدركاً بأنه «وافق عليها بعد تعهد الرئيس مسعود بزشكيان بتحمل مسؤولية صون حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة»، وأضاف أن طهران ستنتظر تحقق الشروط الواردة في مذكرة التفاهم، «لكنّ المفاوضات المستقبلية بحضور الطرفين لا تعني قبول طهران بشروط العدو».
ومن جانبه، أعلن مجلس الأمن القومي الإيراني أنه وفقاً لمذكرة التفاهم سيتعين على السفن التجارية الراغبة في عبور مضيق هرمز تقديم طلباتها لهيئة إدارة المضيق الإيرانية، وذكر أنه لن يتم فرض أي رسوم على السفن العابرة للمضيق لمدة 60 يوماً بموجب المذكرة.
غضب إسرائيلي
قوبلت مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بغضب عارم ورفض قاطع من قِبل إسرائيل بكافة أطيافها السياسية، ومن قِبل أنصارها في الداخل الأميركي. واعتُبر الاتفاق بمثابة «كارثة» تهدد الأمن الإسرائيلي وتمنح طهران طوق نجاة اقتصادي.
وعبّر نتنياهو عن غضبه الشديد من الاتفاق، وصرح بأن «المعركة لم تنتهِ بعد» وأن إسرائيل ستواصل القتال لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وصرح وزراء بارزون، مثل وزير الدفاع إسرائيل كاتس ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بأن التفاهم الأميركي الإيراني لا يُلزم إسرائيل بشيء، ولن يمنع الجيش الإسرائيلي من مواصلة ضرب أهدافه أو الانسحاب من حزام أمنه في جنوب لبنان.
وحذرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من أن الاتفاق أنقذ النظام الإيراني من «انهيار اقتصادي وشيك» كان سيسببه الحصار البحري. كما أبدت مخاوفها من أن تستغل إيران مهلة الـ 60 يوماً كخديعة لتسريع تخصيب اليورانيوم والوصول للقنبلة النووية.
وطلبت إسرائيل رسمياً الاطلاع على نص المذكرة، إلا أن إدارة ترامب رفضت الطلب خوفاً من تسريب التفاصيل. وشنّ نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس هجوماً حاداً على الوزراء الإسرائيليين المعترضين، موجهاً رسالة حازمة لهم: «لا يمكنك فقط الاعتماد على القتل لحل كل المشاكل».
وصبّت المعارضة والشارع الإسرائيلي جام غضبهم على نتنياهو الذي يستعد لخوض الانتخابات في أكتوبر القادم، معتبرين أن الاتفاق يُمثل فشلاً استراتيجياً ذريعاً لسياساته، كونه ترك إسرائيل معزولة ومستثناة من الترتيبات الإقليمية الكبرى.
وفي الولايات المتحدة، تحركت اللوبيات والمجموعات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن لمهاجمة خطوة الرئيس ترامب عبر مسارين، حيث أصدرت منظمات كبرى مثل اللجنة اليهودية الأميركية AJC بيانات تطالب فيها بضرورة ألّا تؤدي أي مفاوضات إلى تخفيف الضغط على إيران، مشددة على ضرورة تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية ووقف دعم الفصائل كـ«حزب الله» و«حماس»، كما شنّت منظمة «الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل» DMFI هجوماً لاذعاً على ترامب، ووصفت استراتيجيته بـ«المرتبكة وغير المستقرة». واعتبرت المنظمة أن الاتفاق يضعف حلفاء أميركا، وينعش الحرس الثوري الإيراني بمنحه صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار وإعفاءات نفطية فورية دون تدمير حقيقي لقدراته النووية.
موقف ترامب
دافع ترامب بقوة عن مذكرة التفاهم التي وقّعها لإنهاء الحرب مع إيران، واصفاً إياها بأنها «استسلام غير مشروط» من قِبَل طهران بفضل «الهزيمة العسكرية التي ألحقتها بها الولايات المتحدة».
وفي تصريحاته الصحفية، ومقابلته مع موقع «أكسيوس»، وعبر حسابه في منصة «تروث سوشال»، ركّز ترامب على عدة رسائل أساسية لتبرير الاتفاق الذي يصفه معارضوه بأنه «استسلام أميركي غير مشروط»، حيث صرّح ترامب بأن الهدف الأساسي من التفاوض وقبول المذكرة هو منع الحرب من التحول إلى «كساد اقتصادي عالمي» نتيجة إغلاق مضيق هرمز وتهديد إمدادات الطاقة الدولية.
وأشار باعتزاز إلى نجاح خطوته سياسياً واقتصادياً قائلاً: «أسواق الأسهم تحقق مستويات قياسية، وأسعار النفط تنهار». وأكد ترامب أن المذكرة «وثيقة قوية للغاية»، مشدداً على أنها إطارية وليست نهائية، ووجه تهديداً شديد اللهجة لطهران قائلاً: «إذا لم يحترموا الاتفاق، سنعود لقصفهم وإسقاط القنابل فوق رؤوسهم.. إنه لأمر مدهش ما يمكن أن تفعله القنابل».
وأوضح أن الهدف النهائي لأميركا هو «تدمير اليورانيوم الإيراني وليس امتلاكه»، مؤكداً التزامه المطلق بضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي.
ودافع ترامب عن التنازلات الفنية في المسودة، معتبراً أن من حق إيران امتلاك قدرات وصواريخ دفاعية لحماية نفسها، طالما أنها لا تشكل تهديداً هجومياً أو نووياً، في إشارة إلى برنامج طهران للصواريخ الباليستية، االذي لطالما طالبت إسرائيل بتدميره.
وهاجم ترامب بشدة المشككين في الاتفاق من السياسيين وأعضاء الكونغرس (سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين) ووصفهم بـ«الأغبياء أو الحاقدين أو الغيارى»، رافضاً الادعاءات بأن المذكرة تمنح إيران أفضلية استراتيجية، ومؤكداً أن أميركا فرضت شروطها من موقع القوة.
وفي تصريحات وصفتها الصحافة العالمية مثل «رويترز» و«نيويورك تايمز» بالأعنف في تاريخ العلاقات بين البلدين، هاجم فانس المسؤولين الإسرائيليين الذين انتقدوا الاتفاق الأميركي–الإيراني، قائلاً إن «ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم المتعاطف مع إسرائيل في هذه اللحظة».
جبهة لبنان
منذ توقيع «تفاهم إسلام آباد» تشهد جبهة لبنان حالة من التوتر الشديد والتعقيد الميداني والسياسي رغم أن النص الصريح للمذكرة يفرض وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية «على جميع الجبهات بما فيها لبنان»، إلا أن رفض إسرائيل للاتفاق حول لبنان يبقى نقطة الاختبار الأخطر لمدى صمود التفاهم الأميركي الإيراني.
ويرفض الجيش الإسرائيلي الالتزام ببنود التفاهم مستمراً بشن غارات جوية وقصف مدفعي على بلدات جنوبية. وتبرّر تل أبيب ذلك برغبتها في مواصلة تفكيك البنية التحتية لحزب الله في «المنطقة الأمنية» التي أنشأتها جنوب هضبة النبطية.
وأعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشكل صريح أن إسرائيل تعتزم الحفاظ على تواجدها العسكري في جنوب لبنان. ورفضت الحكومة الإسرائيلية طلباً من واشنطن للانسحاب الفوري إلى حدود ما قبل الحرب.
في المقابل، جددت طهران تحذيرها من أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية أو بقاء قوات الاحتلال في جنوب لبنان يمثل خرقاً جوهرياً ومباشراً للمذكرة.
وصرح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بأن «استمرار الاحتلال أو الهجمات ضد حزب الله يعني إلغاء وفشل مذكرة التفاهم بالكامل»، مشدداً على أن إيران لن تتخلى عن حلفائها في لبنان.
داخلياً، يرى لبنان الرسمي (برئاسة جوزاف عون) أن الساحة اللبنانية يجب ألا تُستخدم كورقة تفاوضية بين أطراف خارجية، بينما يجري التحضير لجولة مفاوضات مباشرة جديدة مع دولة الاحتلال برعاية واشنطن في 22–23 يونيو الحالي. وتهدف هذه المفاوضات لبحث آليات تطبيق القرار 1701، وانسحاب القوات الإسرائيلية من «المناطق التجريبية» المحددة ليتسلمها الجيش اللبناني وحده، في وقت يطالب فيه «حزب الله» الحكومة اللبنانية بإنهاء مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مؤكداً أن صمود المقاومين في الميدان هو الذي أدى إلى حماية لبنان من الأطماع الإسرائيلية.
وقد أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بمقتل 30 ضابطاً وجندياً وإصابة 1347 منذ تجدد القتال في لبنان مطلع آذار (مارس) الماضي.
بدوره، أكد رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري التزام «حزب الله» بوقف إطلاق النار «طالما التزمت إسرائيل به بشكل كامل وشامل».







Leave a Reply