نورثفيل – ابتسام خنافر
قبل أكثر من أربعة عقود، غادر طفل لبناني وطنه مع عائلته بحثاً عن فرصة أفضل في الولايات المتحدة. لم يكن يحمل معه سوى القيم التي زرعها فيه والداه: الإيمان، العمل الجاد وخدمة الآخرين. اليوم، أصبح الدكتور بلال عبدالله أحد الوجوه المؤثرة في القطاع الطبي الأميركي، حيث تم تعيينه مؤخراً ضمن لجنة الاستشارات الصحية التابعة لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية، ليصبح بذلك مشاركاً فاعلاً في صياغة السياسات الصحية التي تمسّ حياة ملايين الأميركيين، دون أن ينسيه نجاحه المهني الجذور التي شكلت شخصيته ومسيرته.
بداية الرحلة
يقول د. عبدالله لصحيفة «صدى الوطن» إن لبنان كان نقطة البداية التي صاغت هويته الإنسانية. فسنوات الطفولة هناك، علمته معنى الانتماء وأهمية الأسرة والمجتمع، فيما منحت تجربة الهجرة المبكرة تقديراً عميقاً لقيمة الفرص والعمل الدؤوب.
يختصر رحلته بعبارة يردّدها دائماً: «لبنان منحني الجذور، وأميركا منحتني الأجنحة».
هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1973 وهو في السابعة من عمره واستقر مع عائلته في مدينة ديربورن بولاية ميشيغن حيث التحق بالمدارس المحلية وتخرّج من ثانوية «فوردسون» التي خرّجت أجيالاً من أبناء الجالية العربية الأميركية.
حصل لاحقاً على درجة البكالوريوس في العلوم البيولوجية من جامعة «وين ستايت» في ديترويت عام 1988، ثم نال درجة الدكتوراه من كلية الطب في الجامعة نفسها عام 1992.
وأكمل عبدالله تدريبه في الطب الباطني في «مركز ديترويت الطبي» لينال شهادة البورد الأميركي في الطب الباطني، قبل يوسّع خبرته في الإدارة والقيادة الصحية بالحصول على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من كلية «ستيرن» لإدارة الأعمال في «جامعة نيويورك».
مسيرة مهنية
أمضى عبدالله المتحدر من مدينة بنت جبيل الجنوبية، أكثر من 25 عاماً في ممارسة الطب الباطني ورعاية المرضى في العيادات والمستشفيات والمنازل ودور الرعاية الصحية، حيث تميّز باهتمامه بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في صحة المرضى، وبالدفاع عن نماذج الرعاية الصحية القائمة على الوقاية.
تولى مناصب قيادية في عدد من المؤسسات الصحية الكبرى في ميشيغن، من بينها مستشفيات «كورويل»، كما يشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي لشبكة خدمات Arvon CIN للرعاية الصحية وقيادة مراكز مجموعة Pulse Primary Care.
ومن خلال تميزه في تطوير نماذج للرعاية الصحية تركز على الوقاية وتحسين النتائج الصحية وخفض التكاليف، اختير الدكتور عبدالله في آذار (مارس) 2026 ليكون أحد الأعضاء الثمانية عشر في لجنة الاستشارات الصحية (HAC) التي أسسها الرئيس دونالد ترامب، للتوصية بإصلاحات هيكلية لنظام الرعاية الصحية الأميركي، بموجب الأمر الرئاسي «لنجعل أميركا صحية مرة أخرى».
وترفع اللجنة الاستشارية تقاريرها مباشرة إلى وزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت أف. كينيدي جونيور، ومدير مراكز خدمات الرعاية الطبية والخدمات الطبية الدكتور محمد أوز.
الطب رسالة
رغم المنصب المهني الرفيع الذي يتولاه اليوم، لا يتحدث د. عبدالله كثيراً عن الألقاب أو الإنجازات، بل عن الرسالة التي قادته إلى اختيار الطب كمهنة. مؤكّداً أن دافعه لم يكن المكانة الاجتماعية أو النجاح المادي، بل الرغبة الحقيقية في إحداث فرق إيجابي في حياة الناس.
ويقول الطبيب المقيم في منطقة ديترويت: «كنت أبحث عن مهنة تجعلني أشعر كل يوم أن ما أقوم به يغير حياة الناس نحو الأفضل».
وخلال أكثر من خمسة وعشرين عاماً من العمل الطبي، اكتشف الدكتور اللبناني الأصل أن أهم الدروس لم يتعلمها في قاعات الدراسة أو من الكتب العلمية، بل من المرضى أنفسهم. فقد علّموه «الصبر والقوة والإنسانية»، ليدرك من خلالهم أن مهنة الطب لا تقتصر على تشخيص الأمراض ووصف الأدوية، وإنما هي مهنة تتطلب فهماً أعمق للإنسان وظروفه وتحدّياته.
عن التجارب التي أثّرت بشدة في رؤيته المهنية، يلفت عبدالله إلى أهمية الزيارات المنزلية للمرضى، حيث لمس عن كثب كيف تؤثر الظروف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية في الصحة.
ويؤكد في هذا الصدد، أن كثيراً من الأمراض المزمنة ترتبط بعوامل تتجاوز الجانب الطبي، مثل الفقر والعزلة والضغوط اليومية وضعف الوعي الصحي، موضحاً إن دقائق قليلة داخل منزل المريض قد تكشف حقائق لا تظهر في أي ملف طبي.
كما شكّل عمل عبدالله مع مرضى الإدمان، محطة مهمة في مسيرته. فقد عمقت هذه التجربة قناعته بأن الإدمان مرض يحتاج إلى علاج وتعاطف ودعم، لا إلى أحكام مسبقة أو وصمة اجتماعية مشينة، مشدداً على أن التعاطف غالباً ما يكون جزءاً أساسياً من العلاج والشفاء.
الوقاية أولاً
مع تراكم الخبرة، أصبحت الوقاية من الأمراض، القضية التي تشغل حيزاً كبيراً من اهتمامه. إذ يؤمن عبدالله بأن الأنظمة الصحية الحديثة تنفق موارد هائلة على علاج الأمراض المزمنة بعد وقوعها، بينما لا يتم الاستثمار بالقدر الكافي في الوقاية منها.
ويشير إلى أنه كان يرى باستمرار مرضى في مراحل مبكرة من السكري وأمراض القلب وغيرها، غير أن النظام الصحي لم يوفر قط، الوقت أو الحوافز اللازمة للتركيز على تغيير نمط الحياة قبل تطور المرض.
لذلك، يرغب عبدالله بدعم رؤية صحية تركز أولاً على الوقاية وتعزيز أنماط الحياة الصحية، من خلال تشجيع النشاط البدني والتغذية السليمة والنوم الجيد وإدارة التوتر والعوامل الأخرى التي تساعد على الحد من الأمراض المزمنة وتحسين جودة الحياة.
ومن هذا المنطلق، يدعو عبدالله، من خلال منصبه الاستشاري الجديد، إلى إعادة توجيه السياسات لتعزيز الصحة العامة من خلال الوقاية أولاً، معتبراً أن المشكلة ليست في نقص المعرفة العلمية، بل في آليات العمل والتمويل التي لا تشجع دائماً على تطبيق ما أثبتته الأبحاث.
ويصف عبدالله دوره الجديد ضمن اللجنة الاستشارية الوطنية بأنه الفرصة التي كان ينتظرها لخدمة الناس على نطاق أوسع، مؤكداً أن أهم ما سيحمله إلى طاولة النقاش هو صوت المرضى وتجاربهم اليومية.
وصرّح عبدالله بأنه يحرص عند مناقشة أي سياسة صحية عامة في منصبه الجديد، على التفكير أولاً في تأثيرها على كل من الطبيب داخل غرفة المعاينة وعلى المريض نفسه.
لبنان حاضر دائماً
رغم انشغاله في العمل الطبي وصنع السياسات الصحية العامة، لا يزال لبنان حاضراً في وجدان الدكتور عبدالله. وهو ما دفعه إلى إنشاء ودعم مبادرات تهدف إلى نشر التوعية الصحية وتعزيز التعاون مع المؤسسات الطبية في لبنان، مؤكداً أن ردّ الجميل لوطنه الأم يبقى جزءاً أساسياً من رسالته.
ويترأس عبدالله مؤسسة «مدرار–أميركا» الخيرية التي يعمل من خلالها على بناء شراكات مع مؤسسات صحية ومجتمعية في لبنان ومناطق أخرى، فضلاً عن إعداد وتطوير محتوى صحي وتثقيفي يخدم الجاليات العربية داخل الولايات المتحدة.
ورغم كل ما حققه، يؤكد عبدالله أن ما يدفعه إلى الاستمرار هو «العمل غير المنجز». فما زالت هناك مجتمعات محرومة من الرعاية الصحية الأساسية، وما زالت الأمراض المزمنة تحرم ملايين الأشخاص من حياة أفضل.
أما عن الإرث الذي يتمنى أن يتركه، فإجابته كانت بعيدة تماماً عن المناصب والإنجازات المهنية، بقوله: «لا أريد أن أُذكر باعتباري الأذكى أو الأكثر شهرة، بل كشخص كان حاضراً عندما كانت هناك فرصة للخدمة».
وختم بالقول إن أعظم ما يأمل أن يتذكره أبناؤه وأحفاده عنه هو أنه كان أباً وزوجاً وصديقاً حاضراً في حياتهم، وأن نجاحه المهني لم يأتِ يوماً على حساب الأشخاص الأقرب إليه.







Leave a Reply