ديترويت
في استمرار للأحوال الجوية القاسية التي تعكّر صيف منطقة ديترويت منذ أواخر حزيران (يونيو) المنصرم، جاء طقس الأسبوع الماضي وكأنه مستوحى من أجواء الجحيم، إذ لامست درجات الحرارة عتبة 100 فهرنهايت لعدة أيام قبل أن تغطي المنطقة سحب الدخان الناتجة عن حرائق الغابات في كندا ومينيسوتا.
وغطى دخان حرائق الغابات، منطقة ديترويت الكبرى يومي الخميس والجمعة، مُشكلاً ضباباً كثيفاً بعد أن قطع مئات الأميال من أونتاريو وشمال مينيسوتا.
وأوضح المسؤولون الصحيون بأن جودة الهواء في جنوب ميشيغن قد تدهورت صباح الخميس إلى مستويات «سامة للغاية»، ما دفع السلطات إلى تصنيف الوضع كـ«حالة طوارئ» بيئية، والتحذير من خطر حقيقي يهدد صحة السكان، لاسيما الأطفال وكبار السن ومرضى الربو والقلب والعيون.
وأدى الضباب الكثيف، الذي حجب الرؤية في بعض المناطق، إلى إلغاء العديد من الأنشطة والفعاليات الخارجية في جنوب شرقي ميشيغن، وصولاً إلى القطاع القضائي، حيث أعلنت محكمة مقاطعة وين –وهي كبرى محاكم الولاية– تعليق كافة جلساتها في يومي الخميس والجمعة بسبب كثافة الدخان.
وللدلالة على مدى سوء الأحوال الجوية في ديترويت، صنّف موقع IQAi المتخصص برصد تلوث الهواء حول العالم، المدينة ضمن أسوأ المدن الكبرى عالمياً من حيث جودة الهواء ليوم الخميس الماضي.
وتصدرت ديترويت القائمة بدرجة تلوث بلغت 426 نقطة، متقدمةً على كل من تورونتو (360)، مينيابوليس (349)، كينشاسا عاصمة الكونغو (161)، شيكاغو (155)، دلهي، الهند (146).
وأمام مستويات التلوث الحاد التي وصفت بأنها الأسوأ في تاريخ المنطقة على الإطلاق، قررت بعض الشركات ومنشآت الترفيه في منطقة ديترويت الكبرى إغلاق أبوابها؛ كما جرى إغلاق المسابح العامة في العديد من الضواحي، وعلّقت بعض المنشآت التجارية التي تضم مرافق تسوق أو مناطق جذب خارجية عملياتها، بما في ذلك معرض الفنون السنوي في مدينة آناربر الذي أغلق أبوابه أمام الزوار بسبب الدخان الكثيف.
وفي صباح اليوم نفسه، تلقى السكان إشعارات هاتفية عاجلة تحذر من تدهور جودة الهواء في منطقة ديترويت نتيجة استمرار تدفق دخان الحرائق الكندية، موصية المواطنين بالبقاء داخل منازلهم، وإغلاق الأبواب والنوافذ بإحكام، مع ضبط أجهزة التكييف على وضعية إعادة تدوير الهواء الداخلي لمنع تسرب الدخان.
كما أوصت الإشعارات بضرورة ارتداء الكمامات عند الاضطرار لمزاولة الأنشطة الخارجية، مهيبة بالأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي بتوخي الحذر الشديد.
وأوضح خبراء الأرصاد الجوية لدى وزارة البيئة والبحيرات العظمى والطاقة بولاية ميشيغن، بأن توقعاتهم تشير إلى أن موجة الدخان قد تستمر زهاء 48 ساعة، مع احتمال هطول أمطار يوم السبت المقبل مما قد يساعد بشكل كبير على تحسن الظروف البيئية.
وفي السنوات الماضية، أصبحت حرائق الغابات في كندا مصدر تلوث سنوي لأجواء ميشيغن خلال الصيف، إلا أن تركيزات الدخان المرصودة هذه المرة، كانت غير مسبوقة، وتجاوزت بفارق كبير ما سُجّل في عامي 2023 و2025،
ويُعزى هذا الأمر –وفقاً للخبراء– إلى قرب الحرائق من ميشيغن (شمال منطقة رأس السهم في مينيسوتا) وكثرة عددها وحجمها في تلك المنطقة، كما ساهمت حركة الرياح المتغيّرة في حصر الدخان وسحبه جنوباً، باتجاه ولاية ميشيغن.
وقال كايل كلاين، خبير الطقس في هيئة الأرصاد الجوية الوطنية في ديترويت، إن جبهة هوائية باردة ومعتدلة دفعت الدخان المتراكم من حرائق الغابات في كندا ومينيسوتا جنوباً باتجاه شبه الجزيرة السفلى من ميشيغن وصولاً إلى ولايتي أوهايو وإنديانا.
حالة طوارئ
بدأت سحب الدخان القادمة من الشمال ببلوغ جنوب ميشيغن بحلول يوم الأربعاء المنصرم، حيث أصدرت وزارة البيئة والبحيرات العظمى والطاقة في ميشيغن EGLE، تحذيراً عاماً بشأن تدني جودة الهواء في جميع أنحاء الولاية، لاحتوائه على مستويات عالية من الجسيمات الدقيقة التي قد تسبب مشاكل صحية في حال استنشاقها بكميات كبيرة.
وجاء في التحذير أن منطقة شبه الجزيرة العليا كانت أول المناطق المتأثرة، قبل أن يمتد الدخان جنوباً نحو الجزء الشمالي من شبه الجزيرة السفلى، وصولاً إلى منطقة ديترويت في جنوب شرقي الولاية.
ووصلت مستويات تلوث الهواء في جنوب الولاية يوم الخميس المنصم إلى مستويات من السمية دفعت مسؤولي البيئة المحليين والفدراليين إلى تصنيف الوضع باعتباره «حالة طوارئ».
وكان الوضع أسوأ في شمال ميشيغن، حيث أفاد برايان هوميل، منسق إدارة الطوارئ في مقاطعة ماركيت في شبه الجزيرة العليا، بأن «الرماد تساقط كالثلج يومي الأربعاء والخميس». وقال هوميل لصحيفة «ديترويت نيوز»: «لقد وجدت طبقة من الرماد تغطي سيارتي عندما غادرت منزلي متوجهاً إلى العمل. إنها المرة الأولى التي أشهد فيها أمراً كهذا».
إرشادات السلامة
يقول الخبراء الصحيون إن أفضل وسيلة للحفاظ على السلامة في مثل هذه الظروف الجوية السامّة، هي البقاء داخل المنزل مع إغلاق النوافذ.
كما أوصى مسؤولو الصحة العامة بتشغيل أجهزة تكييف الهواء وأجهزة تنقية الهواء الداخلية. أما في حال اضطرار الأشخاص للخروج، فينبغي عليهم ارتداء كمامة عالية الجودة، مثل كمامة «N95» كحد أدنى.
وأما الأشخاص المصابون بالربو وغيره من المشكلات الصحية المزمنة فهم الأكثر عرضة للمخاطر الناجمة عن استنشاق الدخان الموجود في الهواء، حيث يمكن للدخان أن يتسبب فعلياً في تضييق المجاري الهوائية وإصابتها بالالتهاب، فضلاً عن إدخال الغازات والجسيمات الدقيقة إلى الجسم.
تحسّن الطقس
منذ أواخر يونيو الماضي، تعرّضت منطقة ديترويت إلى سلسلة متواصلة من الظروف الجوية القاسية التي تمنع السكان المحليين من الاستمتاع بموسم الصيف، إذ تعرضت المنطقة خلال الأسابيع الماضية إلى موجتي حرّ قاسيتين لم تفصل بينهما سوى سلسلة عواصف رعدية تسببت بانقطاعات واسعة في التيار الكهربائي.
وجاءت حرائق الغابات خلال الأسبوع الماضي لتضع المزيد من الملح على جراح سكان ميشيغن، الذين لم يتسنّ لهم بعد، الاستمتاع بربوع الطبيعة والمنتزهات وشواطئ البحيرات هذا الصيف.
ولكن من المتوقع أن تؤدي الأمطار المرتقبة خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى تبريد الأجواء وانقشاع سحب الدخان وتحسن جودة الهواء في منطقة ديترويت وعموم ولاية ميشيغن، حيث تشير الأرصاد الجوية إلى هبوط درجات الحرارة العليا إلى أوائل الثمانينيات فهرنهايت مما يبشر بطقس صيفي أكثر اعتدالاً ابتداءً من يوم الاثنين القادم.







Leave a Reply