ديربورن
تشكّل الانتخابات التمهيدية المقرّر إجراؤها في ميشيغن يوم الرابع من آب (أغسطس) المقبل، مواجهة مفصلية داخل الحزب الديمقراطي الذي يعاني من انقسام داخلي متزايد في ظل صعود التيار «التقدّمي» اليساري، بمواجهة تيار «مؤسّسة الحزب» الذي مُني بهزيمة نكراء أمام الرئيس دونالد ترامب والجمهوريين في انتخابات العام 2024.
ومن شأن جولة التصفيات الحزبية المرتقبة، أن تمنح الناخبين الديمقراطيين في عموم ولاية ميشيغن، فرصة فعلية للمساهمة في تحديد مسار الحزب الأزرق الذي مازال يبدو عاجزاً –حتى الآن– عن فرز قيادة جديدة أو توحيد قاعدته الشعبية حول برنامج انتخابي جامع قبل أقل من سنتين على انطلاق سباق البيت الأبيض 2028.
ويزداد موقف الديمقراطيين في ميشيغن وعموم الولايات المتحدة، تعقيداً، في ظل بروز قضايا خلافية حادة قد تحول دون توحيد قواعد الناخبين، قبل انتخابات 2028.
وبهذا، يمثل صعود التيار التقدّمي أو «الاشتراكي الديمقراطي» –أو حتى «الماركسي» كما يحلو للجمهوريين تسميته– اختباراً تاريخياً للحزب الأزرق الذي بات عليه أن يحسم موقفه من قضايا محورية هامة على رأسها، القضية الفلسطينية والموقف من استمرار الدعم الأميركي لدولة الاحتلال الإسرائيلي، فضلاً عن قضايا أخرى مثيرة للانقسام الحزبي، كتمويل الحملات الانتخابية من قبل الشركات الكبرى واللوبيات الأجنبية، وفي مقدمتها، اللوبي الإسرائيلي (آيباك).
وفي حين يجادل داعمو «مؤسسة الحزب» بضرورة فوز مرشّحيهم «المعتدلين» في التصفيات التمهيدية، باعتبارهم «الأكثر قابلية» للتغلّب على الجمهوريين في الانتخابات العامة المقررة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، يراهن الجناح اليساري –من جهة أخرى– على شعبيته المتنامية محلياً ووطنياً، وذلك، عقب تحقيق انتصارات انتخابية بارزة من قبل المرشّحين «الاشتراكيين الديمقراطيين» في ولايات كولورادو ونيويورك وبنسلفانيا والعاصمة واشنطن، بما في ذلك، الإطاحة بمسؤولين حاليين.
وفي ميشيغن نفسها، كان مؤتمر الحزب الديمقراطي الذي انعقد خلال الربيع المنصرم، شاهداً صريحاً على صعود الجناح اليساري داخل الحزب، إذ حسم المرشّحون التقدّميون معظم السباقات الداخلية للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لعدد من المناصب على مستوى الولاية، ومن ضمنها، الإطاحة بعضو مجلس «جامعة ميشيغن»، اليهودي الأميركي الداعم لإسرائيل، جوردان آكر، لصالح المرشّح العربي الأميركي التقدّمي، أمير مقلد، الذي سيسعى لخلافته بمواجهة الجمهوريين في انتخابات نوفمبر العامة.
أما المرشّحون التقدّميون الذين سيتعيّن عليهم خوض الانتخابات التمهيدية في أغسطس المقبل، للظفر بترشيح الحزب الأزرق، فيراهنون بدورهم، على استمرار الموجة اليسارية الزرقاء عبر صناديق الاقتراع، معوّلين على توق الناخبين إلى «تغيير حقيقي» و«إصلاح شامل» للنظام الاجتماعي والاقتصادي.
وبالإضافة إلى رفض الدعم الأميركي المفتوح لإسرائيل، وهو التوجه الذي ما زالت تتبناه المؤسسة الحزبية، تشمل أبرز قناعات المرشّحين التقدّميين عموماً، فرض ضرائب على الأثرياء، وتوفير رعاية صحية مموّلة حكومياً للجميع، ووقف المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل.
وأما مرشّحو «مؤسسة الحزب» فيحذّرون من أن انتصارات التقدّميين في أنحاء البلاد تركزت إلى حد كبير في ولايات ديمقراطية بامتياز (تُعرف بالولايات الزرقاء)، في حين أن ميشيغن تُعد ساحة معركة متأرجحة، مما يجعلها محط أنظار ومراقبة دقيقة.
وقد بدأ الجمهوريون بالفعل حملاتهم الدعائية ضد المرشّحين التقدّميين قبيل الانتخابات التمهيدية، واصفين إياهم بأنهم «متطرفون» و«ماركسيون» يشكلون تهديداً وجودياً للولايات المتحدة.
وحذّر رئيس مجلس النواب، الجمهوري مايك جونسون، من أن الولايات المتحدة تخوض «معركة» ضد الماركسية، مؤكداً أن هذه الأيديولوجية تكتسب زخماً مع تحقيق المرشّحين الاشتراكيين سلسلة من الانتصارات في الانتخابات التمهيدية خلال دورة التجديد النصفي الحالية.
معركة السيّد–ستيفنز
في أهم السباقات التمهيدية التي يخوضها مرشّحون تقدّميون في ميشيغن، يبرز سباق مجلس الشيوخ الأميركي بين عبدول السيد ومرشّحة مؤسّسة الحزب واللوبي الإسرائيلي (آيباك)، هايلي ستيفنز.
وبينما يتعرض السيد لحملة إعلانية مكثفة تتهمه بالانحياز ضد النساء، بتمويل من حلفاء ستيفنز، يتمسّك المرشح التقدمي، من جهته، برفع شعار «الرعاية الصحية للجميع» وانتقاد نفوذ الشركات واللوبيات فضلاً عن معارضة الدعم الأميركي المفتوح للكيان الإسرائيلي.
ويركز السيد، الذي تولى سابقاً منصب مدير الصحة العامة في كل من مدينة ديترويت ومقاطعة وين، انتقاداته ضد جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، مجادلاً بأن الإنفاق العسكري على الصراعات الخارجية يزيد من صعوبة معالجة تكاليف المعيشة والتحديات الأخرى التي يواجهها الأميركيون. ويتهم المرشح المدعوم من اتحاد عمال السيارات منافسته ستيفنز بالولاء للوبي «آيباك»، مصرّحاً بأن الأموال التي تُرسل إلى إسرائيل وتُستخدم في «قتل وتشويه الأطفال» تطارده في أحلامه.
ورغم أن السيد يُعدّ تقدّمياً، إلا أنه لا يصف نفسه بأنه «اشتراكي ديمقراطي»، علماً بأنه يحظى بدعم قادة وطنيين من التيار اليساري، بمن فيهم السناتور الأميركي بيرني ساندرز (عن فيرمونت) والنائبة الأميركية ألكساندريا أوكاسيو–كورتيز (عن نيويورك) اللذان حضرا إلى ميشيغن خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي للمشاركة في تجمعين انتخابيين لحملة السيد في ديترويت ولانسنغ.
وخلال الحفلين الحاشدين، سلط ساندرز الضوء بوضوح على الانقسامات الأيديولوجية داخل الحزب الديمقراطي في المرحلة الحاسمة التي تسبق الانتخابات التمهيدية. وقال ساندرز في ديترويت السبت الماضي: «يدرك الشعب الأميركي أن هذه البلاد تواجه أزمات هائلة، والشعب يريد التغيير – تغييراً حقيقياً – ولهذا السبب، أيها الإخوة والأخوات، نجد أن التقدّميين يهزمون مرشّحي المؤسسة الحزبية في جميع أنحاء البلاد».
من جهتها، تحظى ستيفنز التي تمثل مقاطعة أوكلاند في الكونغرس الأميركي، بدعم مالي قياسي من اللوبي الإسرائيلي والأذرع المرتبطة به، بالإضافة إلى دعم شخصيات ديمقراطية محسوبة على تيار المؤسسة الحزبية، بمن فيهم السناتور غاري بيترز الذي تسعى عضوة الكونغرس الحالية لخلافته.
وبشكل عام، يجزم المراقبون بأن معركة السيد–ستيفنز، اللذين سيخوضان مناظرة تلفزيونية ثانية وأخيرة بينهما عبر قناة «فوكس» المحلية يوم 27 يوليو الجاري، تختصر طبيعة الصراع القائم داخل الحزب الديمقراطي، وسيكون لنتيجتها أثر كبير على اتجاه الحزب في السنوات القادمة.
وأفادت التقارير الإعلامية أن زعيم التيار التقدمي في البلاد، السناتور ساندرز يؤيد أكثر من 90 مرشّحاً في هذه الدورة الانتخابية بمن فيهم السيد ومرشحين آخرين لعضوية الكونغرس، وهو ما أثار استياء بعض الديمقراطيين البارزين، بمن فيهم زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي، حكيم جيفريز، الذي واجه ساندرز مؤخّراً وحذّره من التدخّل في الانتخابات التمهيدية للمجلس النيابي، حسبما نقلت «سي أن أن» الأحد الماضي.
تقدّميون للكونغرس
في أبرز معارك الكونغرس التمهيدية بين الديمقراطيين، يسعى عضو مجلس نواب ولاية ميشيغن دونافان ماكيني للإطاحة بعضو الكونغرس الحالي عن «الدائرة 13» في ميشيغن، شري تانيدار المدعوم من مؤسسة الحزب الديمقراطي واللوبي الإسرائيلي.
وبالإضافة إلى دعم ساندرز والجناح التقدّمي، يتميز ماكيني بأنه المرشّح الإفريقي الأميركي الوحيد الذي لديه حظوظ لتمثيل ولاية ميشيغن تحت قبة الكابيتول في واشنطن، بعد قرار النائب الجمهوري الحالي، جون جيمس، خوض سباق حاكمية الولاية بدلاً من محاولة الاحتفاظ بمقعده التشريعي في الكونغرس.
ومنذ خمسينيات القرن الماضي، لم تخلُ بعثة ميشيغن إلى الكونغرس قط من نائب أسود واحد على الأقل، وهو تقليد مستمر قد ينتهي في الانتخابات الراهنة في حال لم يحالف ماكيني التوفيق في الدائرة التي تغطي معظم ديترويت ومجتمعات أخرى في مقاطعات وين.
ومن شبه المؤكد أن الفائز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في «الدائرة 13» سيفوز في الانتخابات العامة في شهر نوفمبر، نظراً لأن هذه الدائرة محسوبة تاريخياً كمعقل راسخ للحزب الديمقراطي.







Leave a Reply