لم يكن الزجل بالنسبة إلى الشاعر عماد زين شعيب، مجرد محطة في حياته، بل كان حياته نفسها. فمنذ طفولته، كبر بين القصائد والمباريات والمنابر، حتى أصبح هذا الفن الشعبي جزءاً من شخصيته، لا مجرد موهبة يمارسها.
هو ابن الشاعر الكبير الراحل زين شعيب، المعروف بـ«أبو علي»، وحفيد الحاج عيسى شعيب، أحد الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ الزجل اللبناني. لكن عماد لا يحب أن يُقدَّم بوصفه ابن شاعر كبير، بقدر ما يفضل أن يُعرف بما صنعه بنفسه فوق المنبر.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على وقوفه لأول مرة أمام الجمهور، لا يزال يحمل الرسالة نفسها، لكن هذه المرة من ولاية ميشيغن الأميركية، حيث يواصل إحياء الأمسيات الزجلية، محافظاً على تراث لبناني يرى أنه يستحق أن ينتقل إلى الأجيال المقبلة، كما وصل إليه.
ويقيم شعيب في الولايات المتحدة منذ نحو عامين، وقد أحيا أخيراً أمسية زجلية في ولاية ميشيغن، ويستعد لإحياء حفلات أخرى خلال الفترة المقبلة، إيماناً منه بأن الاغتراب ليس نهاية علاقة اللبناني بتراثه، بل مساحة جديدة للحفاظ عليه.
وفي حديثه لـ«صدى الوطن»، يقول شعيب: «لو لم أكن شاعر زجل، لما عرفت نفسي».
حلم أصبح مسيرة
يروي عماد أن والده كان يصطحبه إلى مباريات الزجل منذ صغره، فكان يجلس بين كبار الشعراء، يستمع إلى المحاورات ويحفظ الأوزان والإيقاعات، قبل أن يبدأ هو نفسه كتابة الشعر. ومع مرور الوقت، لمس والده موهبته، فطلب من الشاعر الكبير زغلول الدامور أن يمنحه فرصة الغناء مع جوقته، وكانت تلك اللحظة بداية مسيرة امتدت لعقود.
ولا يزال شعيب يستذكر باعتزاز، كلمات زغلول الدامور بعد أول حفلة له، عندما قال لوالده: «يا أبو علي، عماد كأنه يغني على المنبر منذ عشرين سنة».
كما لا ينسى عماد، شهادة الشاعر الراحل أنيس فغالي، الذي أوصى زغلول الدامور قبل وفاته بأن يتمسك به، وهي كلمات يعتبرها من أغلى ما حمله في بداياته.
الزجل.. هوية لا مجرد شعر
لا يختصر عماد شعيب الزجل في كونه شعراً عامّياً يُلقى فوق المنبر على إيقاعات الدفّ، بل يراه مدرسة في الفكر وسرعة البديهة وقوة الحجة. ويشرح ذلك بمثال بسيط، فيشبّه شاعر الزجل بالمحامي؛ إذ قد يُطلب من أحد الشعراء، الدفاع عن السكر، فيما يتولى شاعر آخر الدفاع عن الملح، فيستخدم كل منهما الحجج والصور الشعرية لإقناع الجمهور، حتى وإن كان الموقف الذي يدافع عنه لا يعكس رأيه الشخصي. فالقوة الحقيقية لشاعر الزجل، برأيه، لا تكمن في حفظ القصائد، بل في قدرته على الارتجال، وسرعة الرد، وبناء الفكرة في لحظتها أمام الجمهور.
وعلى الرغم من الإرث الشعري الكبير الذي حمله عن والده، لا يعيش عماد في ظل أبيه، بل يؤمن بأن لكل شاعر شخصيته وأسلوبه ولونه الخاص. ويقول: «الشعر مثل الأزهار؛ لكل شاعر لونه ونكهته، ولا يمكن لزهرة أن تلغي جمال أخرى».
ومن هذا المنطلق، يرفض المقارنة الحادة بين شعراء الأمس واليوم، مؤكداً أن لكل جيل ظروفه ولغته وذائقته. وهو يعترف بأن العصر الذهبي للزجل ترك أثراً يصعب تكراره، حين كانت المباريات الشعرية تُنقل عبر شاشات التلفزيون ويتابعها اللبنانيون بشغف، لكنه لا يحمّل الجيل الجديد مسؤولية تغيّر المشهد الثقافي. فالحروب، وتبدل وسائل الترفيه وظهور أنماط فنية جديدة، كلها عوامل أسهمت في ابتعاد أجيال عن هذا الفن. وفي المقابل، يرى شعيب أن عدداً من الشعراء الشباب نجحوا في الوصول إلى أبناء جيلهم، رغم اختلاف أسلوبهم عن أساليب الرواد، مؤكداً أن «لكل زمن لونه، ولكل شاعر بصمته».
وبالنسبة إليه، يبقى الزجل أكثر من مجرد شعر شعبي؛ فهو أحد أبرز ملامح الهوية اللبنانية، وفن يقوم على الموهبة والارتجال وسرعة البديهة واحترام الخصم. ولذلك، لا يكفي حفظ الأوزان أو معرفة القواعد لصناعة شاعر زجل، لأن المعرفة قد تصقل الموهبة، لكنها لا تستطيع أن تخلقها.
الموهبة أولاً
الموهبة هي الأساس، بحسب شعيب، أما الأوزان والقواعد فيمكن تعلمها. فقد ساعد بنفسه خلال مسيرته، عدداً من الشعراء الشباب في فهم البناء الشعري، لكنه يؤمن بأن الموهبة لا تُكتسب، بل تُصقل بالتجربة والمثابرة.
وعن الذكاء الاصطناعي، يبتسم قائلاً إنه قد يقدم معلومات عن الشعر، لكنه لن يستطيع أن يقف على المنبر أو يُبدع ردّاً زجلياً مرتجلاً، لأن القصيدة الحقيقية لا تخرج من آلة، إذ هي إحساس الشاعر وسرعة تفاعله مع جمهوره.
وفي الوقت نفسه، لا يرفض التجديد، حيث يؤمن بأن الزجل قادر على مواكبة العصر من دون أن يفقد هويته، مستشهداً بتجربة شارك فيها جمعت الزجل بالموسيقى الحديثة، ولاقت استحساناً لدى شريحة واسعة من الشباب.
من لبنان إلى الاغتراب
يشغل شعيب اليوم منصب نائب رئيس نقابة شعراء الزجل في لبنان، إلى جانب الشاعر سامي غريزي، فيما يرأس النقابة الشاعر بسام حرب. ويرى أن مسؤولية النقابة، كما مسؤولية الشعراء، لا تقتصر على إحياء الحفلات، بل تمتد إلى حماية هذا التراث وتشجيع المواهب الجديدة، حتى يبقى الزجل حاضراً في لبنان وبلدان الاغتراب.
ورغم استقراره في ميشيغن، لا يشعر شعيب أنه ابتعد عن لبنان. فكل أمسية يحييها بين أبناء الجالية هي، بالنسبة إليه، عودة إلى المنبر الذي أحبّه منذ طفولته، وإلى جمهور يرى في الزجل أكثر من كلمات موزونة؛ يراه جزءاً من ذاكرته ولهجته وملامح وطنه.
ويختم شعيب حديثه بثقة لا تخلو من التفاؤل، قائلاً إن الزجل قد لا يعيش اليوم عصره الذهبي، لكنه بلا شك مازال حاضراً ولن يختفي، لأن الفن الذي استطاع أن يصمد أمام القرون والحروب وتبدل الأجيال، سيبقى قادراً على أن يجد طريقه دائماً إلى الناس.









Leave a Reply