يتوّجه الناخبون في ولاية ميشيغن يوم الثلاثاء المقبل، في الرابع من آب (أغسطس)، إلى مراكز الاقتراع لاختيار المرشحين الذين سيخوضون الانتخابات العامة في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، والتي تشمل حاكمية الولاية ومجلسي النواب والشيوخ فيها، وكذلك أحد مقعدي ميشيغن في مجلس الشيوخ الأميركي و13 مقعداً في مجلس النواب الأميركي. ومع أن كل انتخابات مهمة، إلّا أن لهذه الدورة نكهة خاصة ليس لأنها الأولى بعد «واقعة» انتخابات الرئاسة الأخيرة، التي ساهم فيها الصوت العربي الأميركي في إعادة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وحسب، لكن لأن فيها معطيات مثيرة ستؤثر على الحضور العربي الأميركي في الولاية وعلى المستوى الوطني.
لذلك، تكتسب الانتخابات التمهيدية المرتقبة، وزناً يعادل أو يفوق الانتخابات العامة، لأنها ستحدد المرشحين النهائيين، ومنهم نجمان عربيان أميركيان صاعدان يمثلان إضافة نوعية إلى الخريطة السياسية، وهما عبدول السيد، المرشح لنيل تزكية الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ الأميركي، وعباس علوية، المرشح لعضوية مجلس شيوخ ميشيغن عن «الدائرة 2»، وكلاهما يمتلكان مواصفات وتجارب تؤهلهما، في حال نجاحهما لشغل منصبيهما بكفاءة والتأثير على صنع القرار، إضافة إلى تعزيز الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، الذي كسر القواعد التقليدية للعمل السياسي الأميركي، وقدّم رؤية شجاعة تهم العرب الأميركيين في السياسات الداخلية والخارجية.
عدا عن انتمائهما إلى الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، يتشارك السيد وعلوية بميزات أخرى، أهمها التفوق الدراسي في مدارس ميشيغن ما سمح لهما بالحصول على منح كاملة لدخول الجامعة، كذلك تخصصهما في مجال الإدارة الصحية والعلوم السياسية، وشغفهما بالعمل العام والنشاط الاجتماعي. حصل السيد على شهادة طب لكنه لم يمارس المهنة، وفضّل بعد عام من التدريس في «جامعة كولومبيا»، العودة إلى ديترويت عام 2014، ليتسلم قسم الصحة فيها وهو في الثلاثين من العمر، وبعد ثلاث سنوات خاض معركة التزكية لمنصب حاكمية ميشيغن وحصل على 340 ألف صوت لم تكن كافية للفوز، وعام 2023 عيّن مديراً لدائرة الصحة في مقاطعة وين كبرى مقاطعات الولاية، وترك منصبه بعد سنتين ليبدأ حملته الانتخابية الراهنة.
واجه السيد منذ إعلان ترشيحه رفضاً حاسماً من الجناح التقليدي للحزب، وعلى غرار عمدة نيويورك الجديد زهران ممداني، تعرّض لحملة دعائية قاسية على خلفية موقفه من المال السياسي ومطالبته بالتأمين الصحي الشامل ودعم التعليم الحكومي والدفاع عن حقوق الأقليات والمهاجرين، لكن القضية الأبرز كانت موقفه من الاحتلال الإسرائيلي وحرب الإبادة على غزة والحروب المفتوحة على لبنان، لذا سارعت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك) إلى تجييش مصادرها المالية والإعلامية ضده ودعمت حملة منافسته، عضو مجلس النواب المؤيدة لإسرائيل هايلي ستيفنز وأنفقت عليها حتى الآن ما يقارب 18 مليون دولار، وتظهر استطلاعات الرأي نوعاً من التعادل بين المرشّحين مع تقدم طفيف جداً للسيد.
أما علوية الذي هاجر مع أسرته من لبنان إلى ديترويت وهو في السادسة من العمر، قبل 29 سنة، فينتمي إلى بيت منخرط في النشاط العام، رغم المصاعب المالية والمعيشية التي واجهت العائلة، فوالده الإعلامي زهير علوية من الوجوه المعروفة التي تشارك في معظم الفعاليات الثقافية والسياسية والتربوية العربية الأميركية، وشقيقته فدوى حمود التي تبوأت منصب مساعدة وزيرة العدل في ميشيغن وعملت بجد مع مسؤولين عرب أميركيين على توفير فرص عمل كثيرة للمحامين الشباب في مختلف أقسام الوزارة، لكنها تركت منصبها نتيجة اصطدامها مع المدعية العامة دانا نسل المؤيدة للاحتلال على خلفية الإبادة في غزة والحرب على لبنان.
باشر علوية نشاطه العام وهو على مقاعد الدراسة الثانوية، وبرع في تنظيم مبادرات تربوية وطلابية ناجحة، وبعد تخرجه من الجامعة عمل في أحد البرامج الإنسانية التابعة للأمم المتحدة قبل أن ينتقل إلى العمل التشريعي في واشنطن حيث شغل مناصب حيوية في مكاتب أعضاء الكونغرس آندي ليفين ورشيدة طليب وكوري بوش، أبرزها دوره ككبير المستشارين التشريعيين حيث شارك في إعداد مشاريع قوانين تتعلق بالصحة العامة والهجرة والتعليم والبيئة، ولم يُغفل خلال وجوده في واشنطن علاقته مع ميشيغن واهتمامه بقضاياها، وسيكون نجاحه المأمول رافداً مهماً لنخبة من الشباب العرب الأميركيين المنتخبين، إلى جانب عبدالله حمود ومو بيضون والعباس فرحات الذي يواجه منافسة كيدية في مسعاه لإعادة انتخابه نائباً عن الدائرة الثالثة في مجلس نواب الولاية.
هناك أيضاً مرشحون عرب يستحقون الدعم ومنهم أبراهام عياش عن الدائرة الأولى في مجلس شيوخ ميشيغن، ورشيدة طليب التي تواجه منافسة جدية من رئيس بلدية إنكستر بايرون نولين، الذي يحظى بتأييد القيادة التقليدية للحزب… لكن لا ينبغي للمشاركة العربية الأميركية أن تقتصر على دعم المرشحين العرب، فهناك مرشحون آخرون يسعون إلى الحصول على أصوات العرب الأميركيين ويبدون تفهماً لقضاياهم الحيوية ورفضهم لحملات التجني التي تلاحقهم، في ظل الجو الشعبوي الذي تشهده أميركا بسبب صعود التيار اليميني الديني المتعصب، ومن هؤلاء سكرتيرة الولاية الحالية جوسلين بنسون المرشحة لحاكمية ميشيغن، ومرشحو الكونغرس ديبي دينغل عن «الدائرة 6»، ودون أفورد عن «الدائرة 11»، ودونوفان ماكيني عن «الدائرة 13».
منذ بدأ الحضور العربي الأميركي في التبلور بولاية ميشيغن، إنطلاقاً من ديربورن أواسط ثمانينيات القرن الماضي، ساهمت عوامل كثيرة في جعل كل دورة انتخابية أهم من التي تسبقها، فالنمو الديموغرافي المضطرد، الذي رفدته الهجرات المتوالية خصوصاً من لبنان والعراق واليمن وسوريا، ترسخ في المدينة وانتشر إلى المدن المجاورة من ديترويت إلى ديربورن هايتس وليفونيا ووستلاند وغاردن سيتي وألن بارك… وصار يمثل ثقلاً انتخابياً وازناً سواء على مستوى البلديات ومجالس التربية أو على صعيد انتخابات ميشيغن وانتخابات الرئاسة، وزاد من قيمته أن الولاية متأرجحة الولاء بين الحزبين الكبيرين، كما أن النجاح الاستثماري والتجاري الذي أصبح جزءاً مؤثراً من الاقتصادات المحلية، عزز القدرة على المشاركة الإيجابية في المواسم الانتخابية، وصار المرشحون يقصدون العرب الأميركيين ليس من أجل أصواتهم فقط، بل لجمع التبرعات أيضاً.
إلّا أن العاملَين اللذين لا يقلان شأناً هما البنية المؤسسية العربية الأميركية التي وفرت مناخاً ملائماً للعمل العام بكافة وجوهه الاجتماعية والمدنية والدينية والسياسية، والتي شكلت خط الدفاع الأهم بعد «نكسة» 2001، عقب الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من أيلول، التي وضعت العرب الأميركيين في عين العاصفة وكادت تسلبهم كل المكاسب الكيانية التي حققوها بعد سنوات من العمل الدؤوب، وجاء دخول الشباب من الجيلين الثاني والثالث ليكون العامل الحاسم في استعادة الحضور الفاعل، من خلال الانخراط في العملية الانتخابية ترشيحاً وتصويتاً وتنظيماً، وهو ما أدى إلى النجاحات التي تحققت في الدورات الانتخابية الأخيرة.
لا شك في أن انتخابات 2024، أدت إلى بعثرة الصوت العربي الأميركي وانكفاء قسم مهم منه، خصوصاً وأن المرشحين الأساسيين ترامب وهاريس، لم يكونا جذابين، في ظل الإحباط الشديد من إدارة جو بايدن إزاء الإبادة في غزة ومن تواطؤ مؤسسة الحزب الديمقراطي معها، مما أدى إلى الاختراق النافر لترامب بعد وعوده الخلبية عن السلام! الآن باتت الصورة أوضح بكثير، والفارق بيّن بين خيارين أولهما إبقاء القديم على قِدَمه مع المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي المرتبطة بالمال السياسي والشركات الكبرى والمحابية لإسرائيل، وبين الجناح التقدمي الذي يعِد بمستقبل أفضل وأرحم في السياستين الداخلية والخارجية، فليكن كل صوت عربي أميركي كلمة في فصل جديد على وشك الإنجاز.





Leave a Reply