ديترويت
نجح المرشح التقدمي عبدول السيد في تحقيق ما يشبه المعجزة الانتخابية، بفوزه التاريخي –يوم الثلاثاء الماضي– بسباق الديمقراطيين التمهيدي لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن، وذلك، إثر تغلّبه على مرشحة المؤسسة الحزبية النائب هايلي ستيفنز التي حظيت حملتها بتمويل غير مسبوق من قبل اللوبي الإسرائيلي.
وبعد مواجهة ديمقراطية–ديمقراطية ضارية، ونتيجة وصفت بالزلزال السياسي في الولايات المتحدة، لم يتأخر السيد عن التصويب على المرشح الجمهوري مايك روجرز الذي سيواجهه في الجولة النهائية المقررة يوم الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، فيما لم يتوان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مهاجمة السيد واتهامه بمعاداة اليهود في محاولة واضحة لتأليب الديمقراطيين على بعضهم البعض.
وأسفر السباق الديمقراطي الذي حظي باهتمام وطني بالغ بسبب دلالاته السياسية المرتبطة بصراع الأجنحة داخل الحزب الأزرق، عن فوز السيد بفارق نقطة مئوية واحدة على ستيفنز، التي تمثل حالياً ولاية ميشيغن في مجلس النواب الأميركي عن «الدائرة 11» في مقاطعة أوكلاند.
وإلى جانب العلامة الفارقة التي تميزه، كأول مسلم قد يشغل عضوية مجلس الشيوخ الأميركي في تاريخ الولايات المتحدة، شكل فوز السيد صدمة كبيرة في ميشيغن وعموم البلاد، نظراً لرمزية المعركة الانتخابية الضارية التي أنفقت عليها عشرات ملايين الدولارات، والتي انتهت بتفوق الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي الذي مازال يعاني من ضعف القيادة وغياب الأجندة الانتخابية الموحدة منذ خسارته انتخابات 2024، وحتى قبل أقل من ثلاثة أشهر على الانتخابات العامة التي ستحسم مصير الأغلبية التشريعية في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين خلال السنتين الأخيرتين من عهد ترامب.
وبحسب الأرقام النهائية للسباق الديمقراطي، حصل السيد على 743,441 صوتاً (48.5 بالمئة) مقابل 727,747 صوتاً (47.5 بالمئة) لستيفنز التي حظيت بدعم حاكمة الولاية غريتشن ويتمر والسناتور الأميركي غاري بيترز الذي قرر عدم الترشح للاحتفاظ بمقعده الذي سينتقل إما للسيد أو لروجرز مع بداية العام 2027.
ولم يقف إنجاز السيد (41 عاماً) عند حدود حسم الترشيح الديمقراطي، بل حمل في طياته دلالات سياسية عميقة بعدما نجح الطبيب الشاب في دحر القيادات التقليدية في الحزب والتمويلات الضخمة التي ضختها المجموعات المؤيدة لإسرائيل ولجان العمل السياسي الخارجية لدعم حملة ستيفنز، وفي مقدمتها «لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية» (آيباك)، والتي تجاوزت 65 مليون دولار، وقد تم استثمار عدة ملايين منها لتشويه صورة السيد ومحاولة كبح نجوميته المتصاعدة في ميشيغن وعموم الولايات المتحدة.
وصرفت حملة ستيفنز تسعة أمثال ما صرفته حملة السيد التي رفعت شعار إخراج المال من السياسة، إلى جانب شعارات تقدمية أخرى أبرزها توفير الرعاية الصحية الشاملة للجميع وتحسين التعليم العام.
خطاب النصر
بسبب تقارب نتائج السباق وحساسية المعركة داخل الحزب الديمقراطي، فضل السيد عدم إعلان النصر مساء الثلاثاء الماضي، رغم تقدمه الصريح خلال عملية الفرز.
وبالقرب من تمثال «روح ديترويت» بوسط ديترويت، وبحضور حشد من مؤيديه وعشرات وسائل الإعلام المحلية والوطنية، ألقى السيد في اليوم التالي للانتخابات، خطاب النصر، مركّزاً على الأبعاد السياسية لفوزه الانتخابي دون إغفال التصويب على المال السياسي ونفوذ الشركات الكبرى وانتقاد منافسه روجرز المدعوم من ترامب.
واستهل السيد كلمته بالحديث عن امتنانه لفرصة المشاركة في العملية الديمقراطية كابن لعائلة مصرية مهاجرة، مشدداً على أن هذه الفرصة ليست بديهية بالنسبة للجميع، لافتاً إلى أن عائلته هاجرت من مكان تفتقر فيه الحياة السياسية للديمقراطية، ولا يمكن لأحد فيه ببساطة أن يترشح أو يعبر عن رأيه، ومؤكداً أن القدرة على اختيار القادة هي بمثابة هبة يغفل الكثيرون عن قيمتها.
وتركز خطاب السيد بشكل محوري على تحدي النفوذ المالي والشركات الكبيرة ومجموعات الضغط الخارجية، حيث أكد السيد أن حملته الانتخابية استطاعت التغلب على آلة سياسية أنفقت أموالاً ضخمة لمواجهة الدعم الشعبي الجارف لحملته والذي أثبت أنه أكبر وأقوى من نفوذ الأموال الخارجية، وقال: «لقد واجهنا آلة سياسية ضخمة إذ ليس من المفترض أن تكون قادراً على هزيمة 70 مليون دولار من إنفاق لجان الدعم الخارجية… وما أثبتناه اليوم يبرهن على أن قوة أصواتنا أكبر من قوة أموالهم».
وأضاف السيد: «عندما تأتي كبرى شركات الأدوية والتكنولوجيا والطاقة والتأمين ليطرقوا الباب قائلين: هذه ديمقراطيتنا وسنشتريها… يمكننا دائماً أن نتصدى لهم ونقول: لا، هذه ديمقراطية الشعب وسنملكها نحن دائماً».
واستعرض السيد، خلفيته كطبيب متدرب، وكيف انعكست هذه الخبرة على نهجه السياسي في التواصل مع المواطنين والاستماع لمشاكلهم، مشيراً إلى أن اللحظة الأكثر أهمية في العمل الطبي تبرز عندما يشارك المريض آلامه مع الطبيب إيماناً منه بقدرته على تقديم العلاج، وهو المبدأ ذاته الذي يسعى لتطبيقه في العمل العام من خلال التعامل مع معاناة الناس اليومية بمسؤولية وجدية.
وتوجّه السيد بشكل خاص ومباشر إلى أبناء المجتمع اليهودي، مستحضراً «ذكريات لا تُنسى جمعته بهم» خلال مسار حملته الانتخابية، بدءاً من مشاركتهم مائدة الفصح وحضور مناسباتهم الدينية في المعابد، وصولاً إلى مشاعر التضامن خلال الأزمات التي يتعرضون لها.
وثمّن السيد أصوات المواطنين اليهود الذين صوتوا له للتأكيد على أن لوبي «آيباك» لا يمثلهم، وقال إن حق تقرير المصير لشعب ما، لا ينبغي أن يتم على حساب تدمير وحرمان شعب آخر من الحق ذاته، وأن حرية أي فئة تبقى ناقصة ما لم يتحرر الجميع، وذلك في إشارة إلى تأييده لحقوق الشعب الفلسطيني.
وأعرب السيد عن عميق على التزامه بحماية وأمن المجتمع اليهودي وكافة أطياف المجتمع بغض النظر عن عقائدهم الدينية، موضحاً أن حماية أمنهم هي التزام راسخ لديه لا يقل عن حرصه وشغفه بحماية أمن وسلامة ابنتيه.
وبحسب المراقبين، جاء حرص السيد على خطب ود المجتمع اليهودي الأميركي، تعبيراً عن تمسكه بتوحيد الناخبين الديمقراطيين عشية مواجهة روجرز في نوفمبر.
وفي السياق، شنّ المدير السابق للصحة العامة في ديترويت ومقاطعة وين، هجوماً حاداً ومباشراً على منافسه الجمهوري، معتبراً إياه مجرد مرشح «مباع للشركات» يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية على حساب المواطنين، كما اتهمه باستغلال سنوات خدمته الأربع عشرة في الكونغرس كنائب عن ميشيغن، للتربح و«تلقي الشيك تلو الآخر من شركات الأدوية والتأمين والطاقة، قبل أن ينتقل للعيش في فلوريدا هرباً من مناخ ميشيغن القارس».
وانتقد السيد تقلبات روجرز السياسية وجمعه بين أسوأ ما في تيار المحافظين الجدد وحركة «ماغا»، واصفاً إياه بأنه «لاعق حذاء» الرئيس ترامب،
وتحدّى السيد، منافسه بإجراء خمس مناظرات عامة أمام الناخبين، مستدركاً بأن روجرز –على الأرجح– سيرفض عرضه لأنه «جبان».
وقال: «هيه مايك، إذا أردت أن تكون شخصاً من فلوريدا، فلك أن تكون كذلك، وفي كل الأحوال، أعدك أن نرسلك إلى فلوريدا في نوفمبر».
واختتم السيد خطابه بالتأكيد على أهمية بناء حركة سياسية شاملة تضمن «حقوق الجميع وتوفر الفرص لكل الأطفال بغض النظر عن خلفياتهم»، مشدداً على أن الفلسفة السياسية الحقيقية التي يجب أن تحرك الجميع تعتمد على سؤال أساسي يتعلق بما يمكن بناؤه وتقديمه للجميع إذا ما تم التعامل مع كافة الأطفال في المجتمع وكأنهم أبناء للجميع.
وحدة الديمقراطيين
من جانبها، أقرت ستيفنز بالهزيمة صباح الأربعاء الماضي، وقالت في منشور على صفحتها بمنصة «أكس» إنها اتصلت بالسيد لـ«تقديم الدعم الكامل له»، موضحة في بيان منفصل أنها هنأت زميلها الديمقراطي على فوزه وحثته على العمل لضمان وحدة الحزب.
وقالت ستيفنز التي تمثل ولاية ميشيغن في مجلس النواب الأميركي منذ عام 2019: «نحن بحاجة إلى الفوز بمقعد مجلس الشيوخ هذا، لأن (السناتور الديمقراطية عن ولاية ميشيغن) إليسا سلوتكين تستحق شريكاً مثل عبدول»، مؤكدة بأنها ستعمل بكامل طاقتها خلال الفترة المتبقية لإجراء الجولة الأخيرة في نوفمبر المقبل لضمان فوز الديمقراطيين في جميع السباقات الانتخابية، «للتأكد من قدرتنا على الوقوف في وجه ترامب، وإيقاف تخفيضاته في الرعاية الصحية، وحل أزمة الغلاء لدينا، وضمان إسماع صوت الصناعيين في أروقة السلطة».
وبينما يسيطر الجمهوريون حالياً على 53 مقعداً في مجلس الشيوخ الأميركي، يسعى الديمقراطيون لانتزاع مقاعد في بعض الولايات الحمراء لقلب المقاعد الأربعة التي يحتاجونها لاستعادة الأغلبية، وفي الوقت نفسه يتعين عليهم الدفاع عن مقاعدهم في عدد من الولايات المتأرجحة، بما فيها ولايتا جورجيا وميشيغن.
وتأكيداً على وحدة الديمقراطيين، أعربت المرشحة السابقة ضد السيد وستيفنز، السناتور في مجلس شيوخ ميشيغن مالوري ماكمورو عن تأييدها للسيد بعد فوزه في الجولة التمهيدية. وقالت في بيان: «أنا فخورة بتقديم تأييدي ودعمي الكامل لعبدول ونحن نتجه نحو نوفمبر معاً كحزب موحد… خذوها مني، لقد كانت انتخابات تمهيدية قاسية، ولكن مهما كانت الاختلافات بين المرشحين في هذا السباق، فإنها لا تقارن في حال من الأحوال بالتباينات في انتخابات نوفمبر».
وأضافت ماكمورو: «إن دونالد ترامب ومايك روجرز يعولان على أن نكون جميعاً مجروحين للغاية، وممتلئين بالكبرياء وموجوعين بدرجة تمنعنا من العودة معاً لهزيمتهما. لنثبت أنهما على خطأ».
ورغم انسحابها من السباق قبل نحو شهر من يوم الاقتراع، حصلت ماكمورو على 61,344 صوتاً (4 بالمئة)، بحسب النتائج النهائية.
وأبدى السيد تجاوباً واضحاً مع دعوات كل من ستيفنز وماكمورو لتوحيد الصفوف ولأم جراح الديمقراطيين بعد منافسة محتدمة، موضحاً في عدة مقابلات إعلامية بأن التركيز الحالي ينصب على «جمع كافة القوى لضمان هزيمة روجرز»، ومؤكداً في الوقت نفسه بأن حراكه السياسي يتسع للجميع وأنه يسعى لبناء جبهة متماسكة للفوز بالجولة النهائية.
معركة نوفمبر
في الجانب الجمهوري، تأهل روجرز بشكل تلقائي إلى جولة نوفمبر بعد خوضه تصفيات الجمهوريين منفرداً، بدعم من الرئيس ترامب الذي أفرغ الساحة أمامه.
ويرجح المراقبون السياسيون أن تكون معركة نوفمبر المقبل بين روجرز والسيد أكثر سباقات مجلس الشيوخ الأميركي حماوة، حيث يتحتم على الديمقراطيين الاحتفاظ بمقعد السناتور بيترز للإبقاء على حظوظهم بانتزاع الأغلبية في المجلس التشريعي الأعلى.
وبينما يواجه السيد مهمة توحيد الديمقراطيين، يواجه الجمهوريون على المقلب الآخر تحدياً تاريخياً يتمثل في الفوز بأحد مقعدي ميشيغن في مجلس الشيوخ الأميركي لأول مرة منذ عقود، حيث كان السناتور سبنسر إبراهام آخر سناتور جمهوري ينتخب عن الولاية عام 1994.
وكان روجرز المقيم في مقاطعة أوكلاند، قد حاول كسر العقدة الجمهورية في انتخابات 2024 إلا أنه خسر سباق مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن بفارق ضئيل أمام السناتور الحالية إليسا سلوتكين التي حسمت السباق لصالحها بحوالي عشرين ألف صوت تقريباً، لتخلف السناتور الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابينو.
الرئيس ترامب الذي ساعد في إخلاء الساحة أمام روجرز خلال تصفيات الجمهوريين، والذي ربح ولاية ميشيغن خلال الانتخابات الرئاسية في عامي 2016 و2024، لم يتأخر في التعبير عن دعمه لروجرز في انتخابات نوفمبر، حيث بادر الثلاثاء الماضي إلى التحذير من مخاطر صعود «الاشتراكيين الديمقراطيين» الذين سوف «يدمرون بلادنا»، على حد تعبيره.
وقال ترامب خلال مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «عندما تذهب إلى هذه المدن التي يسيطر عليها الاشتراكيون والشيوعيون، تجدها دائماً قذرة وملوثة… إنها مقززة». وأضاف: «بعيداً عن الجريمة، وبعيداً عن كل المشاكل الأخرى: لا وظائف، لا شيء، لا أموال… إنها دائماً قذرة، ومقززة، وتفتقد النظافة، وهذا ما ستحصلون عليه».
وعبّر ترامب عن اعتقاده بأن روجرز «سيحقق أداءً أفضل بكثير ضد عبدول» مقارنة بأدائه ضد سلوتكين، بسبب ميول السيد التقدمية.
وكان روجرز والجمهوريون على المستوى الوطني قد ألمحوا إلى أنهم يعتبرون السيد منافساً أسهل من ستيفنز. ووصل الأمر باللجنة الوطنية للجمهوريين في مجلس الشيوخ إلى إنتاج إعلان رقمي يركز على مزايا السيد التقدمية وتأييد السناتور اليساري بيرني ساندرز له، وهي خطوة اعتبرها الكثيرون محاولة لتعزيز فرصه أمام ستيفنز والتأهل إلى الانتخابات العامة.
وجادلت ستيفنز نفسها بهذه الحجة لتعزيز حظوظها الانتخابية في تصفيات الديمقراطيين، مدعية مراراً وتكراراً بأن السيد سيكون المنافس الأسهل لروجرز.
هجوم ترامب
بدوره، شن ترامب هجوماً حاداً على السيد واتهمه بكراهية اليهود ووصفه بأنه «مليء بالهراء».
وقال الرئيس الأميركي خلال فعالية في لاس فيغاس: إن السيد «لا يحب الجميع»، مشيراً إلى أنه إذا تم انتخابه «ستكتشفون ما الذي يحبه. إنه لا يحب إسرائيل، ولا يحب الشعب اليهودي؛ بل يكرههم. إنه يكرههم بشغف متقد في قلبه، ولا يوجد شيء يمكنه فعله حيال ذلك».
كما هاجم ترامب صعود الاشتراكية داخل الحزب الديمقراطي، معتبراً أنها أقرب إلى الشيوعية.
ومن جانبه، رد السيد على هذه التعليقات في مقابلة مع شبكة «سي أن أن»، متهماً ترامب بالتركيز على سباق مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغن أكثر من تركيزه على أزمة غلاء المعيشة التي تمس جيلاً بأكمله.
وقال السيد: «يدفع الناس ما يقرب من 5 دولارات ثمناً لغالون الوقود بسبب حربٍ أشعلها هو، وفي معظم الأوقات، إذا لم يكن يتحدث عني، فإنه يتحدث عن ستائر قاعة الاحتفالات لديه».
واعتبر المرشح الديمقراطي أن تعليقات الرئيس تغذي مشاعر «الإسلاموفوبيا»، متعهداً بمواجهته وترسيخ نهج سياسي يحتضن الجميع؛ «فسواء كنت يهودياً أو مسلماً أو مسيحياً أو هندوسياً أو سيخياً، أو حتى إذا كنت لا تمارس أي شعائر دينية، فإنك تستحق أن تشعر بالأمان في هذا البلد، وأن تشعر بالأمان داخل الحزب الديمقراطي. وأنا ملتزم بذلك تماماً».







Leave a Reply