ديربورن
في مرآبٍ بُني عام 1915 ضمن قصر «فيرلين»، المنزل التاريخي لرائد صناعة السيارات الأميركي هنري فورد وزوجته كلارا في ديربورن، تستقر منصة دائرية لعرض السيارات التي تم تصنيعها لتحل مكان منصة مماثلة صنعت قبل أكثر من قرن من الزمن. المنصة الأصلية اختفت ولا توجد أي صورة توثق شكلها، غير أن أرشيف آل فورد احتفظ برقم طرازها، ما مكّن فريق الترميم من استساخها ووضعها في موقعها الأصلي. الفارق الوحيد هو أن المنصة القديمة كانت تدور يدوياً لعرض سيارة فورد من طراز «موديل تي» الشهير، أما المنصة الجديدة فتعمل بالكهرباء.
هذه المنصة تختصر مشروع ترميم امتد نحو 14 عاماً، ويتوقع أن تصل كلفته الإجمالية إلى قرابة 55 مليون دولار، لإعادة أحد أبرز معالم ديربورن التاريخية إلى حالته الأصلية التي كان عليها قبل أكثر من قرن من الزمن.
«صدى الوطن» تفقدت القصر التاريخي ومرافقه في جولة إعلامية نظمتها إدارة «فيرلين»، الأربعاء الماضي، تحضيراً للافتتاح العام في حزيران (يونيو) 2027. واطلع الإعلاميون على أعمال الترميم المستمرة في المنزل الرئيسي والمرآب ومحطة الطاقة ومركز استقبال الزوار، للتعرّف على الجهود المبذولة لإعادة العقار المحاذي لنهر الروج إلى مظهره وأجوائه الأصلية بين عامي 1919 و1950.
14 عاماً من الترميم
وقال مدير قسم الترميم والموارد التاريخية في قصر «فيرلين»، أوستن إيغمي، لـصحيفة «صدى الوطن»، إن التحدي الأكبر كان يكمن في الحفاظ على دقّة المشروع ومصداقيته التاريخية، وعدم التضحية بالتفاصيل من أجل اختصار الوقت، مشيراً إلى أن طاولة البلياردو في المنزل الرئيسي وحدها استغرقت ست سنوات من العمل.
ويضم المنزل الرئيسي 56 غرفة موزعة على ثلاثة طوابق، بمساحة تقارب 31 ألف قدم مربع. وعاش فيه هنري وكلارا فورد منذ عام 1915 وحتى وفاة هنري عام 1947 وكلارا عام 1950.
وبعد رحيل الزوجين، بيعت في المزاد معظم مقتنيات المنزل التي لم تكن مثبتة في مكانها، ما وضع فريق الترميم أمام مهمة استثنائية. وكشف إيغمي لـ«صدى الوطن» أن جميع قطع الأثاث تقريباً أعيد تصنيعها ووضعها في المنزل بالاستناد إلى الصور والوثائق والسجلات التاريخية، باستثناء نحو سبع أو ثماني قطع أصلية.
وقال إن الزائر عند إعادة الافتتاح سيدخل إلى مكان سيشعر فيه بأنه سافر عبر الزمن إلى عام 1919.
70 مصباحاً مخفياً في السقف
من أبرز المفاجآت التي تم اكتشافها خلال عملية الترميم كانت في سقف غرفة البلياردو، حيث عثر إيغمي أثناء إزالة طبقات الطلاء عن السقف على ألواح من الزجاج الملون، وخلفها نحو 70 مصباحاً من مصابيح إديسون بقيت مخفية لعقود.
وكشف إيغمي أن المصابيح كانت لا تزال تعمل عند اكتشافها، موضحاً أن كلارا فورد كانت قد أخفت الألواح عبر طلائها، قبل أن تضيع معالمها مع مرور الزمن. ووصف الاكتشاف بأنه أحد الأمثلة المبكرة في الولايات المتحدة على الإضاءة المتوهجة الغائرة في سقف غرفة ألعاب.
وفي المرآب، تكشف تفاصيل أخرى عن مدى التقدم الذي شهده العقار قبل أكثر من قرن، إذ كانت كلارا فورد تقود سيارة كهربائية من طراز «ديترويت إلكتريك»، وكان المرآب مجهزاً بتوصيل كهربائي لشحنها. وبحسب الشرح خلال الجولة، فضّلت كلارا، السيارة الكهربائية لأنها لم تكن تحب ضجيج ورائحة سيارة «موديل تي» وطريقة تشغيلها اليدوية.
بين التاريخ والتكنولوجيا
للحفاظ على الشكل والمحتويات الأصلية لقصر «فيرلين» والمباني المرفقة به، استخدم فريق الترميم تقنيات دقيقة، من بينها الفحص المجهري لطبقات الطلاء للوصول إلى الألوان الأصلية التي كانت مستخدمة في عهد آل فورد، إضافة إلى إعادة تصنيع بلاط تاريخي لم يعد يُنتج بالمواصفات نفسها.
وقال إيغمي ممازحاً لـ«صدى الوطن» إن من مزايا عمله كمتخصّص في حفظ المقتنيات التاريخية أنه لا يحتاج إلى اختيار الألوان، لأن «هنري فورد اختارها» قبله.
أما محطة توليد الطاقة، التي وصفها إيغمي بأنها أصعب أجزاء المشروع من الناحية العملية، فكانت في زمنها مسؤولة عن توفير الكهرباء والتدفئة والإضاءة للعقار، وضمت مولدات وغرفة للمحركات ومختبراً تجريبياً.
واستفادت المحطة من مياه نهر الروج لتوليد الطاقة الكهرومائية، فيما لا تزال معداتها الكهربائية التاريخية محفوظة في مكانها، في انعكاس لاهتمام هنري فورد بالتكنولوجيا والهندسة وعلاقته الوثيقة بصديقه المخترع توماس إديسون.
الافتتاح في 2027
وقال إيغمي لـ«صدى الوطن» إن كلفة أعمال الترميم في العقار ستصل على الأرجح إلى نحو 55 مليون دولار عند اكتمال المشروع، موضحاً أن تمويل هذه المرحلة جاء من مصادر خاصة، من بينها عدد من وكلاء سيارات «فورد».
وتشمل عملية الترميم، المنزل الرئيسي والحدائق والأراضي ومحطة الطاقة والمرآب ومركز استقبال الزوار، على أن يعاد افتتاح الموقع، المصنف معلماً تاريخياً وطنياً، بالكامل أمام الجمهور في يونيو 2027.
ولدى سؤاله عما قد يشعر به هنري وكلارا فورد لو عادا إلى منزلهما اليوم، أجاب إيغمي بأن رائد صناعات السيارات كان ليتأثر بشدة لرؤية الجهود المبذولة للحفاظ على منزله، خاصة وأنه أمضى جزءاً كبيراً من حياته في الحفاظ على مواقع تاريخية مرتبطة بأشخاص آخرين، مثل مختبر صديقه توماس أديسون.
أما كلارا، التي عُرفت بشغفها بالبستنة، فرأى إيغمي أنها قد تتأثر أكثر برؤية حدائقها التي لا تزال تُحفظ وفق المخططات التاريخية، مضيفاً أنها ستجد حدائقها «لا تزال حيّة» بعد أكثر من مئة عام.







Leave a Reply