ارتفاع قياسي في أسعار الديزل يهدّد بتفاقم التضخّم في الولايات المتحدة
واشنطن
يوماً تلو الاخر، تواصل الحرب الإيرانية تضييق الخناق على المستهلك الأميركي نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، حيث وصلت الزيادة الإجمالية التي تكبدها الأميركيون في نفقات البنزين والديزل، إلى نحو ١٠٠ مليار دولار منذ بدء الحرب في نهاية شهر شباط فبراير الماضي.
ووصل سعر الديزل خلال الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوى له على الإطلاق، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية AAA، إذ بلغ المتوسط الوطني لسعر الغالون ٥.٩٧ دولاراً، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في حزيران يونيو ٢٠٢٢، حين بلغ متوسط سعر الغالون ٥.٨١ دولاراً بعد أشهر قليلة من الغزو الروسي لأوكرانيا.
ووفقاً لموقع «أكسيوس»، فقد أظهر مؤشر تتبع أسعار الطاقة لـ«كلية واتسون» بـ«جامعة براون»، أن الفاتورة التي يتحمّلها المستهلكون الأميركيون تواصل الارتفاع بوتيرة سريعة، إذ يُضاف نحو مليون دولار إلى التكلفة الإجمالية كل دقيقتين تقريباً، فيما تجاوز متوسط ما دفعته الأسرة الأميركية أكثر من ٧٦٠ دولاراً إضافية على البنزين والديزل منذ بدء الحرب على إيران في ٢٨ فبراير المنصرم.
ويأتي الجزء الأكبر من هذه الزيادة نتيجة ارتفاع سعر البنزين الذي ما زال دون المستويات القياسية المسجلة خلال صيف ٢٠٢٢، إلا أن تكلفة الديزل بدأت في الارتفاع بوتيرة أسرع خلال الأيام الأخيرة محققة مستويات غير مسبوقة، مثيرةً مخاوف متزايدة من امتداد تأثير الأزمة إلى قطاعات النقل والشحن والسفر خلال الأسابيع المقبلة.
كارثة الديزل
بينما يؤكد الرئيس دونالد ترامب أن الأميركيين مستعدون لتحمل عبء ارتفاع تكاليف الطاقة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، تنعكس زيادة أسعار الطاقة على مختلف جوانب الاقتصاد الأميركي، في وقت يمثل فيه التضخم أحد أبرز مصادر القلق لدى الناخبين.
ويشير باتريك دي هان، محلل شؤون النفط في تطبيق GasBuddy المتخصص في تتبع أسعار الوقود، إلى أن الارتفاع القياسي في أسعار الديزل يحمل أهمية بالغة للمواطن الأميركي؛ نظراً لأن الديزل يمثل المحرك الأساسي لجزء كبير من سلاسل التوريد الصناعية في الولايات المتحدة عبر ما يُعرف بـ«التاءات الثلاث» Three T’s في الاقتصاد: القطارات Trains، والجرارات الزراعية Tractors، والشاحنات Trucks.
ففي حين يتعامل معظم الأميركيين مع البنزين –وأسعاره– بشكل يومي، فإن الديزل هو شريان الحياة للاقتصاد الأميركي؛ فهو الوقود الذي يُستخدم لنقل البضائع والمواد الغذائية والمنتجات الزراعية من المزارع والمصانع إلى متاجر التجزئة في جميع أنحاء البلاد
وأكد دي هان أن ارتفاع أسعاروقود الديزل «سينتقل تدريجياً إلى المستويات الأخرى» حيث ستنعكس التكلفة على مختلف السلع والخدمات، وفق تعبيره.
وكان سعر غالون الديزل يبلغ ٣.٧٦ دولاراً عشية الحرب على إيران، لكنه ارتفع الآن بأكثر من دولارين ليقارب متوسط ستة دولارات وطنياً، بينما يراوح سعر البنزين العادي حالياً، فوق عتبة أربعة دولارات للغالون.
وتنعكس هذه التكاليف المتزايدة على كل شيء؛ فالعديد من المعدات الزراعية تعتمد على الديزل، وبالتالي فإن ارتفاع سعره يهدد بزيادة تكاليف الزراعة، ومن ثم أسعار المواد الغذائية. كذلك، عندما ترتفع تكلفة تزويد الشاحنات بالوقود، فإن تكاليف النقل هذه قد تؤدي إلى رفع أسعار معظم السلع التي يشتريها الناس. وعلاوة على ذلك، تعمل نحو ٩٠ بالمئة من الحافلات المدرسية في البلاد –والبالغ عددها ٥٠٠ ألف حافلة– بالديزل، وقد أدى ارتفاع الأسعار إلى إجهاد ميزانيات المناطق التعليمية مع بداية العام الدراسي.
ويعاني الأميركيون بالفعل من تضخم مستمر؛ فقد ارتفع معدل التضخم في الاقتصاد بنسبة ٣.٤ بالمئة خلال العام الماضي، وفقاً لأحدث بيانات مؤشر أسعار المستهلك الصادرة في شهر أغسطس المنصرم. غير أن أسعار الطاقة شهدت ارتفاعاً كبيراً يلتهم ميزانيات الأسر، ولا سيما الأسر ذات الدخل المنخفض، وذلك بحسب تحليل صادر عن بنك الاحتياطي الفدرالي.
إلى متى؟
لا تزال التوقعات بشأن أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة غير مستقرة، في ظل حالة عدم اليقين بشأن حجم إمدادات النفط التي ستخرج من منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن تأثير الحرب في أوكرانيا، خصوصاً الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية، والتي تساهم بدورها في تحريك الأسواق العالمية، ولا سيما سوق الديزل.
ومع استمرار الحرب الإبرانية، تشير التقديرات إلى أن المستهلكين الأميركيين قد يواجهون فترة أطول من ارتفاع أسعار الوقود مقارنة بما كان متوقعاً عند اندلاعها، وهو ما قد يزيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الإدارة الأميركية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وفي حين ارتفعت أسعار معظم أنواع المنتجات النفطية منذ بدء الحرب مع إيران نتيجة تأثر الإمدادات عبر مضيق هرمز. إلا أن الديزل تحديداً يبدو أكثر عرضة للارتفاع بسبب الانخفاض الحاد في المعروض. وقد تجلى ذلك بقيام بعض المصافي في آسيا بتقييد صادراتها من الديزل لتلبية الطلب المحلي.
كما أدت الهجمات الأخيرة التي شنتها أوكرانيا على مصافي النفط الروسية إلى توقف العديد من مصافي الديزل عن العمل؛ ونتيجة لذلك، قلصت روسيا صادراتها من الديزل، بل وبدأت في استيراد الوقود من دول مثل الهند وكازاخستان وبيلاروسيا.
وثمة عامل آخر يتمثل في سعر وقود الطائرات، الذي ارتفع أيضاً منذ اندلاع الحرب. ويقول خايمي بريتو، رئيس قسم الطاقة في مؤشر «داو جونز»: «لقد حاولت شركات التكرير في الولايات المتحدة استغلال حافز السعر هذا لإنتاج المزيد من وقود الطائرات»، موضحاً أن هذا الأمر أدى عملياً إلى تقليل إنتاج الديزل في المصافي، مما نتج عنه انخفاض الكميات المتاحة منه في السوق.
كذلك، وهناك عوامل موسمية قد تُبقي تكلفة الديزل مرتفعة لأشهر قادمة؛ فعادة ما يرتفع السعر في فصل الخريف قبيل موسم الحصاد، حيث تزداد الحاجة إليه لتشغيل المعدات الزراعية –التي يعمل ٧٥ بالمئة منها بالديزل، وفقاً لبيانات «منتدى تكنولوجيا المحركات». ومع اقتراب فصل الشتاء، سيبدأ الناس في تشغيل أجهزة التدفئة مستخدمين زيت التدفئة، الذي يكاد يكون مطابقاً كيميائياً لوقود الديزل؛ لذا، فعندما يرتفع سعر أحدهما، غالباً ما يرتفع سعر الآخر أيضاً.






Leave a Reply