محمد العزير
تكشف الصحافية والأكاديمية الأميركية المخضرمة شارون واينبرغر، في كتابها الجديد بعنوان «وادي الموت: كيف تغذي شركات التكنولوجيا الكبرى مستقبل الحروب»، Valley of Death: How Big Tech Is Fueling the Future of War، عن الوجه الأكثر اكتمالاً من مخاطر الذكاء الاصطناعي الذي شاع الحديث عنه بكثافة مؤخراً، وفتح سجالاً عالي النبرة، بين الداعين إلى تقنينه وضبطه تشريعياً، لتلافي الوقوع في كوارث من صناعته الذاتية أو تنفيذاً لأوامر بشرية متهورة، وبين الرافضين لإبطاء نموه، بحجة عدم كبح التقدم التقني، والحفاظ على الميزة التنافسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة إزاء الصعود الصيني، ويتمثل هذا الوجه في العلاقة المثيرة بين الإدارة الأميركية والبنتاغون وبين كبرى شركات التقنيات في وادي السيليكون، معقل الإنترنت.
تقدّم واينبرغر الضليعة بشؤون الأمن القومي ومؤلّفة أكثر من كتاب في الموضوع، مقاربة مقلقة لما يجري الآن في أروقة القرار العسكري والتقني في أميركا، وكيفية التحول السريع من معادلة تحالف المجمع الصناعي–العسكري The military–industrial complex، الذي حذر من خطورته الرئيس الأميركي الرابع والثلاثين وبطل الحرب العالمية الثانية الجنرال دوايت أيزنهاور، الذي قال في خطبة وداعه للبيت الأبيض عام ١٩٦١، «يجب علينا أن نحترس من اكتساب نفوذ غير مبرر، سواء كان مطلوباً أو غير مرغوب فيه، من قبل المجمع الصناعي العسكري. إن احتمال الصعود الكارثي للسلطة في غير محلها موجود وسوف يستمر»، إلى معادلة جديدة يرسم ملامحها أقطاب صناعة الإنترنت والذكاء الاصطناعي بدلاً من صانعي الطائرات والسفن الحربية والدبابات والذخائر، من الجيل الماضي.
ولولا الأسلوب الممتع في السرد الذي تعتمده واينبرغر، لكانت مقدّمتها للكتاب كافية، لكن سنوات خبرتها الطويلة في مجال الأمن القومي والعلوم العسكرية وعلاقاتها المتشعبة في أوساط المسؤولين والخبراء والعلماء، تمكّنها من سرد معلوماتها بطريقة سلسة بعيداً عن التوثيق الجاف أو التقرير الإخباري، فلكل معلومة في الفصول العشرة من كتابها الصادر عن شركة «ليتل وبراون» فرع من دار هاتشيت في نيويورك الشهر الماضي، وعلى مدى ٣٠٦ صفحات، إنسان يروي التفاصيل الدقيقة من موقع الاختصاص والتجربة الموثّقة، في سياق يوضح موقع ودور كل مساهم، سواء من الذين قابلتهم أو تابعتهم عن بعد.
تبدأ مقدمة الكتاب التي عنونتها «قنبلة الملياردير»، بتجربة محاكاة افتراضية أجراها البنتاغون عام ٢٠١٣ لمعرفة ما إذا كان بإمكان شخص فاحش الثراء إنتاج سلاح نووي بشكل مستقل، وخلصت إلى أنه يستطيع ذلك. ويوضح سيناريو «قنبلة الملياردير» هذا، تحوّلاً جوهرياً في المجمع الصناعي–العسكري مع انتقال تكنولوجيا الدفاع المتقدمة من سيطرة الحكومة السيادية إلى أيدي الشركات الخاصة المموّلة بمشاريع حكومية، وتتطرق إلى تجربة العالم النووي عبد القادر خان الملقّب بـ«أبو القنبلة النووية الباكستانية»، وكيف تمكن من إيهام العالم بأنه كان يعمل لصالح حكومة إسلام آباد، بينما تمكن فعلاً من تكوين شبكة دولية عابرة للحدود وقادرة على بيع خدماتها «النووية»، لمن يدفع، وتستعرض كيفية إنشاء شركات متعددة الجنسيات بهدف تطوير أسلحة غير تقليدية في أكثر من بلد، وفي حالات كثيرة دون معرفة العاملين فيها بالهدف الحقيقي لهكذا إستثمارات.
وصفت واينبرغر في كتابها مجموعة أباطرة التكنولوجيا في وادي السيليكون بـ«الأخوية الأوليغارشية» ومعظمهم من مؤسسي وخريجي ما يوصف بــ«مافيا PayPal»، أمثال إيلون ماسك صاحب شركة «سبايس أكس»، وبيتر ثيل وأليكس كارب مؤسسي شركة «بالانتير»، وبالمر لاكي صاحب شركة «أندوريل» وغيرهم ممن أصبحوا بالضرورة جزءاً حيوياً من منظومة الأمن القومي، وتمكنوا من الجلوس على طاولة القرار في البنتاغون لقاء ما يقدمونه من خدمات وأسلحة وبرامج متقدّمة، وما يزيد من الشكوك في نفوذهم غير العادي في البيت الأبيض، هو أن نائب الرئيس جاي دي فانس خريج وادي السيليكون وربيب بيتر ثيل الألماني النشأة، والذي كان شريكاً لماسك في تأسيس «باي بال» وكان الوحيد بين أقطاب التكنولوجيا الذين أيدوا دونالد ترامب في ولايته الأولى.
وتلفت واينبرغر إلى ظاهرة جديدة في العلاقة بين الحكومة الفدرالية وبين منتجي الأسلحة في القطاع الخاص، وهي سهولة حصول الشركات الجديدة التي يؤسسها أقطاب صناعة التكنولوجيا، على صفقات كبيرة من البنتاغون، وفق معرفتهم بحاجات الدفاع الحديثة، حيث يحصلون على تمويل لبرامجهم دون رقابة مسبقة من الحكومة، فيما كان السائد منذ الحرب العالمية الثانية، أن تتولى وزارة الدفاع الإشراف المباشر على برامج التسليح كلها من الدراسات الأولية إلى تحديد المواصفات وصولاً إلى اختبار فعالية المنتجات من طائرات وسفن ومدافع ودبابات، قبل التعاقد مع شركات مثل «بوينغ» و«لوكهيد مارتن» و«نورثروب» و«جنرال دينامكس»، وتفرض قيوداً شديدة على بيع أية منتجات عسكرية لدولة أخرى دون موافقة الحكومة الفدرالية، ويبدو أن هذه الحالة هي الأبرز في الموضوع لأن طبيعة «الأسلحة» التي تنتجها التكنولوجيا سائلة وغير قابلة للضبط.
وتشير واينبرغر إلى التحول الهائل في طبيعة الأسلحة والمعدات التي تحتاجها الحروب الحديثة، كما يجري خلال أكبر مواجهة عسكرية دولية تجري منذ أربع سنوات في أوكرانيا، وتستخدم فيها وسائل قتالية غير تقليدية على نطاق واسع للمرة الأولى في التاريخ، وهو تحوّل نوعي لم يسبقه سوى إستخدام البارود على نطاق واسع في أوروبا في القرن الرابع عشر، بعد أربعة قرون على إكتشافه في الصين، والمحركات البخارية في القرن الثامن عشر، ومحركات الوقود في القرن التاسع عشر، والطيران ثم المحركات النفّاثة والسلاح النووي في القرن العشرين، مع ما ترتب على كل محطة منها من تغيير في العقائد العسكرية والموازنات والخطط والتدريب، وصولاً إلى حروب القرن الحادي والعشرين التي يدار معظمها من خلف شاشات تبعد آلاف الأميال عن أرض المعركة.
هكذا صار الاستثمار الأكثر نمواً في السنوات الأخيرة يتركز على التكنولوجيا الحديثة، وتحوّل دور وادي السيليكون من مدنية المكننة والمعلوماتية والتواصل الاجتماعي، إلى عسكرة المسيرات والأقمار الاصطناعية والتحكم عن بعد، فشركة «سبايس أكس» وشقيقتها «ستارلينك» توفران الخدمات الفضائية، وشركة «أندوريل» تصنّع المسيرات ومضاداتها، وشركة «بالانتير» تتولى دمج البيانات الضخمة والحروب الخوارزمية، فيما تقدم «غوغل» و«ميتا» فيسبوك سابقاً و«مايكروسوفت» و«أوراكل»، المعلومات الاستخبارية وتتبّع الأهداف الحيوية، ولكل شركة منها عقود بمليارات الدولارات. وتتخوف واينبرغر من أن طبيعة هذه الخدمات واحتفاظ الشركات بملكيتها للمعلومات قد تغري أحد الأثرياء أو حديثي النعمة ببناء ترسانة تقنية خاصة به يمكنه من خلالها التحكم بالأمن القومي الأميركي وابتزاز الحكومة.
تستعير واينبرغر في الفصل الختامي لكتابها من زميلتها في صحيفة «وول ستريت جورنال» ميغان براندي، عنوان روايتها الرومانسية الشهيرة «خداع حتى الانكسار» Fake It Till You Break It، لتتناول كيفية استغلال شركات وادي السيليكون صراع النفوذ المتفاقم بين أميركا والصين، لتقدم بديلاً أكثر فعالية من الحرب التقليدية المفترضة بين الدولتين في حال قررت الصين اجتياح جزيرة تايوان التي تعتبرها جزءاً منها، وذلك من خلال أسلحة غير تقليدية تقلل الخسائر البشرية المحتملة عبر تحويل الحرب برمتها إلى مواجهات بعيدة المدى تستغني عن حاملات الطائرات والقواعد العسكرية وتستبدلها بمسيرات وصواريخ وعمليات تشويش عن بعد، لكن كل ذلك مبني على فرضيات وتقنيات غير موجودة أو ليست واردة حتى الآن، وكيف أن تسويق هذا السيناريو يزيد من نفوذ تلك الشركات إلى درجة تجعل أيزنهاور يترحم على تحالف الإنتاج العسكري الذي حذّر منه.
«وادي الموت» كتابٌ جديرٌ بالقراءة.





Leave a Reply