إبتسام خنافر
ربما كل ما نحتاجه أحياناً هو كرسي نضعه أمامنا، ونُجلس عليه ذلك الشخص الذي قرّرنا مسبقاً أننا لا نحبه.
نراه عن بُعد، عبر الشاشة. نقرأ اسمه في الأخبار، دينه، عرقه وأصوله. نعرفه بوجهه وصوته وتاريخه. ولكننا إذا منحناه الوقت الكافي ليخبرنا قصته، من زاويته، فإننا على الأرجح سنكتشف إنساناً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي بنينا حوله كل تلك الأفكار المسبقة.
قد يحدث هذا اللقاء في مقهى في ديربورن أو متجر في ديترويت أو غرفة انتظار في ساوثفيلد أو حول طاولة عشاء فاخر في برمنغهام أو تروي. تختلف المدن والشوارع، ولكن الإنسان يحمل معه أحكامه وهواجسه أينما ذهب.
قد يكون عربياً أو غير عربي، أسود أو أبيض، مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً. في البداية تطغى الهوية على الانطباع الأولي ثم يبدأ الحديث.
تتعرف على اسمه واسم عائلته، فتعرف أن له أمّاً مريضة يقلق عليها، وطفلاً وحيداً ينتظر ملاعبته، وحلماً لم يتحقق بعد…
فجأة يصبح للكراهية مأزق: إذ أصبح للآخر وجهٌ.
فالإنسان يستسهل الكره عن بعد، لأنه بطبيعته عدوُ ما يجهل. ومن السهل أن نقول هؤلاء كذا وكذا، لأن «هؤلاء» لا أسماء لهم ولا قصص… ولكن الأمر يصبح أصعب حين نجلس مع أحدهم ونسمعه.
نحن اليوم نتحدث ونكتب ونعلّق ونشاهد أكثر من أي وقت مضى. مستعدون لأخذ الحكمة من أفواه نجوم السوشيال ميديا وأن نغيّر نمط حياتنا بسبب نصيحة عابرة على فيديو قصير عبر منصة إنستغرام أو تيك توك أو يوتيوب. ولكننا في خضم كل ذلك، يبدو أننا قد نسينا معنى الاستماع للآخر، وجهاً لوجه.
فالاستماع ليس من المفترض أن يكون وسيلة لتحضير رد أو جواب مفحم لإثبات أننا على حق، بل هو –ببساطة– محاولة لفهم الآخر وفهم رؤيته للعالم.
فالاستماع بوعي واهتمام لفهم أفكار ومشاعر المتحدث دون مقاطعة أو إصدار أحكام مسبقة، هو في حقيقة الأمر، «الكريبتونايت» المدمّر للحقد والكراهية والطمع وغيره من المشاعر السلبية التي قد تبدو لوهلةٍ، أنها مجرد عواطف لا تضرّ ولا تنفع على مستوى المجتمعات وحركة التاريخ.
للحروب أسباب سياسية واقتصادية وتاريخية معقدة، يتكرر فيها شيء مخيف دائماً: يصبح إيذاء الآخر أسهل حين نتوقف عن رؤيته كإنسان مثلنا، فنجعله عدواً أو رقماً أو اسم جماعة، ويصبح ألمه بعيداً عنا أو حتى سبباً للذّتنا.
تبدأ الحرب في داخل الإنسان قبل أن تبدأ في ساحات القتال. تبدأ في اللحظة التي يقتنع فيها الشخص بأن حياة الآخر أقل قيمة، لمجرد أنه مختلف.
نعم، نحن مختلفون، وسيبقى الاختلاف جزءاً من حياتنا. لكل منا أفكاره، تختلف العقائد والسياسات والسرديات. نحب أشياء مختلفة ونرى العالم من زوايا مختلفة. ولا حاجة لنا بأن نتشابه كي نعيش معاً. كل ما نحتاجه هو احترام حق الآخر بالاختلاف، بكرامة.
الاحترام المتبادل لا يحتاج إلى اتفاق، والحوار لا يحتاج إلى منتصر ومهزوم.
قد يجلس شخصان إلى الطاولة نفسها ساعة كاملة، ثم ينهضان وكل متمسك برأيه. وهذا في حد ذاته ليس فشلاً أو نجاحاً. بل يُقاس نجاح الحوار بمدى فهم المتحاورَين لوجهة نظر كل منهما. أن يخرجا مختلفين، وقد أصبح كل منا يعرف شيئاً جديداً عن الآخر لم يكن يعرفه من قبل… عندما يحدث ذلك، تبدأ بعض الجدران التي بنيناها بالتصدّع.
للكلمة قدرة غريبة على تغيير المسافة بين شخصين. ولعل الشاعر أحمد شتا عبّر عن ذلك ببساطة في أغنية «الكلمة الطيبة»، التي غنّاها جورج وسوف: «الكلمة الحلوة ما بين اتنين». كُتبت عن العاشقين، ومعناها يصل أيضاً إلى المختلفين. الكلمة الطيبة مساحة من الاحترام تقول: أنا أختلف معك، وأحترمك. أسمعك حتى النهاية، وأترك لك الحق في أن ترى العالم بطريقتك.
كلمات كُتبت عن قلبين، واتسع معناها ليصل إلى مدينة كاملة، وربما إلى عالم بأكمله.
أكثر ما يخيفني في الكراهية هو سهولة توريثها… طفل يسمع الكبار يتحدثون بازدراء عن جماعة ما، لا يعرف تاريخهم ولا سبب الخلاف معهم. ولكنه يعرف فقط أن الكبار الذين يحبّهم ويثق بهم، لا يحبّونهم.
وبعد سنوات قد يجلس ذلك الطفل، وقد أصبح رجلاً، أمام شخص من الجماعة المكروهة نفسها. يجمعهما كرسيان وطاولة، يجلسان ومعهما كل ما سمعاه قبل أن يلتقيا. فإما يتركا الأصوات القديمة تتحدث نيابة عنهما، أو يقررا الاستماع إلى قصة الآخر.
لن تنتهي حروب العالم لأن شخصين جلسا وتحدثا في ديربورن أو ديترويت أو برمنغهام، ولن تختفي الكراهية لأن جاراً تعرّف إلى جاره وابتسم بوجهه. بل السلام يبدأ من أشياء أصغر من ذلك؛ من الطريقة التي نتحدث بها، ومن قدرتنا على الاستماع، ومن قرار بسيط ألا نحكم على الآخر قبل أن نعرفه.
في الختام، نعود إلى الكرسي الذي بدأنا منه. هو تلك المساحة التي يجب أن نخصّصها في عقولنا لفهم الآخر، المختلف. يجلس عليه من لا يشبهنا، نتحاور ونبقى مختلفين. ولكن يكفي أن نعرف أسماء بعضنا البعض، وأن نفهم شيئاً من قصة بعضنا، وأن نحترم حق الاختلاف. عندها لن يكون مَن يجلس على الكرسي مجرد «آخر»، وإنما إنسان له وجه واسم وحكاية.
فقبل أن نبني جداراً جديداً، ربما يكفي أن نسحب كرسياً ونتحدث.





Leave a Reply