محمد العزير
فيما يطغى استمرار المناوشات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران والتي تطال الدول العربية المجاورة، والعدوان الإسرائيلي المدمر في لبنان، وتطورات الأوضاع في فلسطين وسوريا والعراق واليمن والسودان، على الاهتمام الإعلامي والشعبي، وفيما ينشغل معظم العرب بمتابعة مجريات كأس العالم الذي يتواصل هذه الأيام في أميركا الشمالية، لم تلقَ حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومة علي الزيدي في العراق، والتي تبشر بمعالجة جذرية وجدية لأسوأ الآفات التي ترتكبها النخب السافلة لعقود طويلة، الصدى المطلوب، على الرغم من هول الإرتكابات وضخامة أرقام السرقة، التي تتراوح تقديراتها بين 600 مليار وتريليون دولار، والتي جرى تهريب جزء كبير منها إلى حسابات مصرفية في الخارج.
تختلف الحملة التي يشرف عليها مجلس القضاء الأعلى وهيئة النزاهة، شكلاً ومضموناً عن المحاولات الخجولة السابقة، التي اقتصرت على بعض الموظفين والمسؤولين غير المحميين حزبياً إذ تطال للمرة الأولى نواباً ومدراء عامين وشخصيات معروفة، وتستهدف الفاسدين في قطاع النفط الكبير والقطاعات والإدارات الأخرى، وتعلن تباعاً عن أسماء المتورطين والأموال والأصول المصادرة، في واقعة لم يسبق لها مثيل سوى في المملكة العربية السعودية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، حين تم اعتقال 381 من الأمراء والوزراء وكبار المسؤولين ورجال الأعمال في فندق «ريتز كارلتون» في الرياض، وتمت تسوية أوضاع 87 منهم بعد استعادة الأموال المسلوبة، وإحالة 64 إلى النيابة العامة المالية، والإفراج عما تبقى لعدم كفاية الأدلة، وأعلن في ختامها عن استرداد 400 مليار ريال إلى الخزينة.
فجر الأحد في الثامن والعشرين من حزيران (يونيو) الماضي، دخلت قوات عراقية من الشرطة والجيش إلى المنطقة الخضراء في بغداد، وشنت حملة اعتقالات واسعة، بعد اعترافات وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، الذي صودرت من منزله أموال طائلة ومقتنيات ثمينة وسيارات فخمة، وطالت الحملة حوالي 50 شخصية بارزة، ومنهم رئيس تحالف «عزم» في مجلس النواب مثنى السامرائي، والنواب: زياد الجنابي، بهاء النوري، محمد الكربولي، عالية نصيف، محمد جميل المياحي، حسن الخفاجي، عبد الرحمن اللويزي، مضر الكروي، هند العباسي، محمد الجبوري، بشرى القيسي، والنائب السابق محمد الصيهود، ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج، وعدد آخر من المسؤولين الحاليين والسابقين، وجرى نقلهم إلى مبنى محصّن في المنطقة لمتابعة التحقيقات معهم.
ترافقت الحملة مع فتح الباب أمام من يريد التبليغ عن الهدر والاختلاس والتزوير لقاء حوافز مالية وحماية أمنية، والسماح لمن يريد تسوية أوضاعه بالتقدم إلى هيئة النزاهة وإعادة الأموال التي بحوزتهم مقابل أحكام مخففة أو إفراج مشروط، كما سارعت وزارة العدل إلى تكوين ملفات عن الأموال التي نقلت للخارج، ونجحت عبر القنوات الرسمية من تجميد بعض الأصول المهربة إلى مصارف خارجية، على أن تواصل مساعيها لتجميد كل الحسابات المشبوهة المتعلقة بالقضية تمهيداً لاستردادها، وتشير التقديرات إلى أن المبالغ المهربة تصل إلى حوالي 300 مليار دولار، لكن الجانب الأكثر إثارة كانت في الأموال التي تم إخفاؤها في بيوت المتورطين أو تم تحويلها إلى ذهب ومجوهرات وأبنية وسيارات فخمة وخيول ليصعب تتبعها، وأظهرت الفيديوهات التي صورت أثناء عمليات الدهم عشرات الشوالات المحشوة بملايين الدولارات ومليارات الدنانير، والمصاغات الذهبية الكبيرة والمجوهرات والأحجار الكريمة، وتم فتح حساب مصرفي خاص لإيداعها.
وكما هو متوقع، قوبلت الحملة بالتشكيك والاتهام بالاستنسابية خصوصاً من ائتلاف «الإعمار والتنمية» (28 نائباً) الذي يقوده رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، لأن أغلب النواب الموقوفين ينتمون إليه، وتحالف «عزم» (19 نائباً) الذى أوقف رئيسه مثنى السامرائي، ودخل على خط مواجهة الحملة «الإطار التنسيقي» الذي يضم غالبية القوى الشيعية ويمثل الأغلبية في البرلمان، حيث عقد لقاءً موسعاً دعا إليه رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان العبودي، في خطوة أثارت المخاوف من ممارسة الضغوط عليه لغضّ النظر عن الشخصيات الكبيرة التي تحوم حولها شبهات الفساد منذ سنوات طويلة وخصوصاً رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وعدد من قيادات التكتلات التي تشكّل الإطار، ومنهم من تولى مناصب وزارية وحكومية رفيعة.
وذكرت تقارير إعلامية متعددة أن القيادة الإيرانية رغم انشغالها بالمواجهات العسكرية والمفاوضات بادرت إلى التدخل لدى الحكومة العراقية، وأوفدت وزير الخارجية عباس عراقجي إلى بغداد بُعيد انطلاق الحملة للقاء كبار المسؤولين، وقالت تقارير أخرى أن المكونات السنية قد تواصلت مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني للتدخل أيضاً.
شعبياً لاقت الحملة تأييداً واسعاً، كما أشادت به الأحزاب غير الدينية ومؤسسات المجتمع المدني التي دأبت لعقود على الدعوة إلى مكافحة الفساد، لأن الطريقة التي تجري فيها الحملة حتى الآن أظهرت جدية واحترافية، ولم تأخذ الاعتبارات الحزبية والسياسية والمذهبية والمناطقية في الحسبان، ويبدو أن الزيدي متمسك بمواصلة الحملة وأكد مضي الحكومة في حملة مكافحة الفساد المالي والإداري، مشدداً على عدم السماح بإيقافها، نافياً ممارسة أي انتقائية في التعامل مع ملفات الفساد، وأنه «لا خطوط حمراء في حماية المال العام»، وأشار إلى أن «ليس أمام المتهمين بالفساد سوى إعادة الأموال المنهوبة».
وعلى مسافة غير بعيدة، يواصل الحكم الجديد في دمشق فتح ملفات الفساد التي بدأت الربيع الماضي، وطالت وزارات ومؤسسات رسمية والقطاع العام، وكان أبرزها كف يد حوالي 30 موظفاً في وزارة المالية واحالتهم إلى التحقيق ووزارة الإعلام والصحف الحكومية ووزارة الصحة وأعلنت الهيئة العامة للرقابة والتفتيش إنجاز 274 قضية خلال شهر أيار (مايو) الماضي، أحيلت 21 قضية منها مع 142 شخصاً إلى القضاء، و7 أشخاص إلى المحكمة المسلكية، فيما بلغ عدد المعاقَبين مسلكياً 163 شخصاً. وتمكنت الهيئة من تحصيل نحو 494 ألف دولار من أصل نحو 6.2 مليون مطلوبة للتحصيل. وكانت الهيئة قد أعلنت في تقارير سابقة تحصيل 899 ألف دولار خلال شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، وإنجاز 270 قضية خلال الفترة نفسها، فيما بلغ إجمالي المبالغ المطلوب تحصيله نحو 3.52 مليون دولار. وفي العام الأول بعد سقوط النظام السابق، أنجزت 1,198 قضية، وبلغ عدد الأشخاص المحالين إلى القضاء 401، إضافة إلى إحالة 23 شخصاً إلى المحكمة المسلكية، والمعاقبة المسلكية لـ 325 شخصاً.
ومن أبرز قضايا الفساد التي كُشف عنها مخالفاتٌ مرتكبة في «المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء» في دمشق بقيمة 26 مليون دولار، وعملية اختلاس إلكتروني في مؤسسة الخطوط الجوية السورية بقيمة 5.56 مليون دولار، واختلاس أكثر من خمس مليارات ليرة في فرع المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في درعا، وتجاوزات كبيرة في فرع الأعلاف ومبنى الجامعة في طرطوس.
أما في لبنان، وعلى الرغم من ملاحقة وتوقيف أكثر من عشرة أشخاص بقضايا فساد أبرزهم حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة وشقيقه رجا، وموظفين في الدوائر العقارية، وكازينو لبنان، ومصلحة تسجيل السيارات، لا تزال الحكومة غير قادرة على إطلاق حملة جدية على الفساد نتيجة الوضع القائم في الجنوب وأولويته، ونظراً للانقسام السياسي ذي الطابع الطائفي والمذهبي، ولا يوجد ما يوحي بأنها ستباشر حملة جدية لمكافحة الفساد الذي كان أسوأه انهيار القطاع المصرفي وحرمان المودعين من الوصول إلى أموالهم التي نقلت بالمليارات إلى مصارف أوروبا وأميركا.
الأسبوع المقبل، الفساد كنمط حياة.






Leave a Reply