إبتسام خنافر
طفل في التاسعة من عمره يعود من المدرسة، يجلس إلى جانب والده في السيارة، وبعد لحظات من الصمت يسأله: «بابا.. أنا أميركي أم لبناني؟».
يصمت الأب لثوانٍ، ثم يبتسم ويقول: أنت الاثنان.
ربما تبدو الإجابة سهلة، لكن السؤال ليس كذلك.
فهو سؤال يختصر رحلة ملايين المهاجرين، ويختصر أيضاً واحدة من أكثر القضايا حضوراً في عالمنا اليوم: الهوية والانتماء والمواطنة.
لعل هذا ما جعل قرار المحكمة العليا الأميركية الأخير، الذي أعاد التأكيد على أن حق المواطنة بالولادة لا يمكن إلغاؤه بقرار رئاسي، يتجاوز كونه خبراً قانونياً. فبالنسبة إلى رجال القانون، كان النقاش يدور حول الدستور وحدود السلطة التنفيذية. أما بالنسبة إلى ملايين العائلات، وخاصة المهاجرين، فكان السؤال مختلفاً تماماً:
هل سيبقى هذا الوطن وطناً لأبنائنا كما عرفناه؟
ولذلك، لم يكن الارتياح الذي شعر به كثيرون بعد الحكم، نابعاً من حصولهم على حق جديد، بل من شعورهم بأن حقاً أساسياً ما زال محمياً، وأن الانتماء القانوني لا ينبغي أن يتغير مع تغير الإدارات والسياسات.
لكن بينما كان الجميع يتحدث عن المواطنة، وجدت نفسي أفكر في سؤال آخر:
هل تكفي المواطنة وحدها ليشعر الإنسان بأنه منتمٍ؟
ربما نحن، أبناء الجاليات العربية، نفهم هذا السؤال أكثر من غيرنا.
سَل رجلاً هاجر إلى الولايات المتحدة قبل أربعين عاماً عن وطنه. سيجيبك فوراً باسم البلد الذي غادره. ثم ينظر حوله، ويبتسم، ويقول: «لكن حياتي كلها أصبحت هنا».
هذه الجملة تختصر حياة كاملة.
أما ابنه، فيقول بثقة: أنا أميركي.. من أصل لبناني، أو سوري أو عراقي أو فلسطيني أو يمني… تختلف البلدان، لكن الجملة الثانية تبقى واحدة. ليست لأنها تنقص من انتمائه إلى أميركا، بل لأنها تذكّره بأن للإنسان أكثر من بداية، وأن الجذور لا تتعارض مع الأغصان. فمن يعرف من أين جاء، يكون أقدر على أن يعرف إلى أين يمضي.
ثم يأتي الجيل الثالث.
على الأرجح لا يتحدث العربية بطلاقة، وربما لم تطأ قدماه أرض أجداده يوماً، لكنه يفرح عندما يعرف من أين جاءت عائلته. وربما إذا سألته عن لبنان أو العراق أو فلسطين فلن يحدثك عن السياسة، بل عن التبولة أو المجدرة أو المنسف أو الدولمة أو الكبة التي كانت جدته تصنعها في الأعياد…
ولا بأس في ذلك. فالذاكرة تبدأ أحياناً من مائدة الطعام. لكنها لا ينبغي أن تنتهي عندها.
قبل سنوات، التقيت بأميركي لا يمت إلى العالم العربي بصلة. وحين عرف أنني من لبنان، ابتسم وقال: «بلد جبران خليل جبران».
وفي مناسبة أخرى، حدثني شخص عن مي زيادة، بينما أخذ آخر يتحدث عن فيروز ووديع الصافي.
وفي كل مرة، كان سؤال واحد يراودني: كيف يعرف بعض الغرباء رموز ثقافتنا أكثر مما يعرفها بعض أبنائنا؟ وأين انقطعت السلسلة بين جيل حمل الكتب معه في حقائب الهجرة، وجيل لم تصل إليه تلك الكتب؟
لقد نجحنا، في كثير من الأحيان، في أن نورّث أبناءنا وصفات الجدات، لكننا لم ننجح دائماً في أن نورّثهم المكتبة التي كانت في بيت جدنا.
الهوية لا تعيش في الطعام وحده. إنها تعيش في اللغة وفي القصيدة وفي الأغنية وفي الحكاية التي يرويها الجد لحفيده وفي الكتاب الذي يبقى على رف البيت، حتى لو غطاه الغبار.
فالهوية لا تنتقل بالدم فقط.. بل بالرواية. أما الانتماء، فهو شيء آخر. فقد يحمل الإنسان جنسية بلد، لكنه لا يشعر أنه جزء منه. وقد يجد وطنه في مكان لم يولد فيه. فالانتماء لا يبدأ عند دائرة الهجرة، ولا ينتهي عند إصدار جواز السفر.
إنه يبدأ عندما تشعر أن نجاح هذا المجتمع نجاح لك، وأن فشله يمسّك أيضاً: عندما تحترم القانون، ليس خوفاً من العقوبة، بل إيماناً بأن احترامه يحمي الجميع.
عندما ترى أن المدرسة التي يتعلم فيها أبناء جيرانك هي نفسها المدرسة التي يذهب إليها أبناؤك. هنا تبدأ المواطنة الحقيقية!
لقد علمتنا الهجرة درساً ربما لا يفهمه إلا من عاشها.أن الإنسان يستطيع أن يحب أكثر من وطن. أن يحمل الأول في ذاكرته، والثاني في مسؤوليته…
أن يشتاق إلى شوارع طفولته، وفي الوقت نفسه يدافع عن المدينة التي بنى فيها مستقبله. لا تناقض في ذلك.
فالمواطنة لا تطلب منا أن ننسى جذورنا، كما أن التمسك بالجذور لا يعني أن نبقى غرباء عن المجتمع الذي اخترنا أن نعيش فيه.
وربما، بعد سنوات، سيجلس ذلك الطفل في السيارة نفسها، ولكن على المقعد الأمامي هذه المرة، وسيكون ابنه هو من يسأله: «بابا.. أنا أميركي أم لبناني؟».
… أتمنى أن يبتسم، كما ابتسم أبوه من قبل. لا لأنه وجد الإجابة الكاملة، بل لأنه أدرك أن السؤال لم يكن يوماً اختياراً بين وطنين. بل كان بحثاً عن طريقة جميلة للوفاء بهما معاً. فالجنسية يمنحها القانون. أما الهوية، فتبنيها الأسرة. وأما الانتماء فيبنيه الإنسان، كل يوم، بما يقدمه للمجتمع الذي يعيش فيه، وبما يحفظه من ذاكرة المكان الذي جاء منه.







Leave a Reply