محمد العزير
تحتفل أميركا هذه الأيام بالذكرى المئتين والخمسين لإعلان استقلالها عن التاج البريطاني في الرابع من تموز (يوليو) 1776، لتصبح أول جمهورية ديمقراطية ذات دستور مكتوب في العالم، وتحافظ منذ ذلك التاريخ على نظام سياسي تمثيلي مرن وقادر على التطور والتكيّف مع المستجدات ومواجهة التحديات، تأكيداً لمقولة الفيلسوف والسياسي الفرنسي أليكسس دي توكوفيل الذي أرخ التجربة الأميركية في ثلاثينات القرن التاسع عشر، ومفادها «أن عبقرية أميركا الحقيقية لا تكمن في أنها خالية تماماً من العيوب، بل في قدرتها المؤسسية الفريدة على إصلاحها»، ولذلك يحمل الإحتفال هذه السنة معنى إضافياً شديد الأهمية في ظل «زعامة» دونالد ترامب، الذي يمثل، في ولايته الثانية، أخطر محاولة استبدادية.
يتمثل المعطى الأكثر جدارة بالاحتفال هذه السنة، في حقيقة أن خطر الاستبداد، الذي استفحل مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي، على وقع الشعبوية المفرطة المصحوبة بتهافت الكثير من النخب السياسية والمالية والإعلامية أمامها، بدأ في الانحسار التدريجي، وأن الاندفاعة «الأوتوقراطية» التي بدت كقدر لا مفر منه، تتبدد بوضوح، فيما تنكفئ حركة «لنجعل أميركا عظيمة من جديد» MAGA إلى داخل الخريطة التقليدية للمحافظين، ويتقلص دورها إلى ألاعيب محلية في الولايات التي انطلقت منها، خصوصاً لجهة إعادة رسم الدوائر الانتخابية لصالحها أو تأييد مرشحين متطرفين في وجه المعتدلين من الحزب الجمهوري وإقرار تشريعات محلية متزمّتة تحدّ من الحريات الشخصية في إطار ما يسمى الحرب الثقافية، التي تطال الإجهاض والمثلية الجنسية والمناهج الدراسية والأكاديمية.
ولأن في بعض الوقائع البسيطة مؤشرات على تحولات كبيرة، يمكن النظر إلى ما جرى للإحتفال المركزي الضخم الذي نظمته إدارة ترامب للإحتفال بالذكرى في الساحة الوطنية في واشنطن العاصمة تحت شعار «حرية 250 الحفل الوطني الأميركي العظيم»، دليل على تلاشي الزخم الشعبوي، ففور الإعلان عن برنامج الإحتفال، سارع سبعة من أصل تسعة من الفنانين المعروفين الذين كان يفترض أن يحيوا الحفل، إلى إعلان عدم مشاركتهم، احتجاجاً على تسييس المناسبة الوطنية وتغليفها بشعارات فئوية تخدم أجندة حزبية، وهو ما دفع ترامب الغاضب إلى إلغاء البرنامج الفني واستبداله بعرض عسكري مصغّر وخطابات حماسية، فيما أعرب عشرات الآلاف من الأميركيين على وسائل التواصل الاجتماعي عن نيتهم عدم الحضور.
يأتي هذا المؤشر في سياق أوسع من النكسات التي ألمّت بترامب وتراوحت بين أحكام قضائية أوقفت الكثير من السياسات المحلية التي أعلن عنها، وبين إجباره على التراجع عن خطوات فاقعة اتخذتها إدارته وأبرزها قرار وضع اسمه على مركز «جون أف. كينيدي للفنون» في واشنطن، وقد تجمهر مئات المواطنين للتعبير عن فرحتهم عند مباشرة العمال بإزالة اسمه وإعادة تركيب الاسم الأصلي للمركز، لكن الأهم كان في تمرّد سياسيين جمهوريين ضده حين رفضت حكومتا ولايتي جورجيا وساوث كارولاينا إعادة رسم الدوائر الإنتخابية كما طلب، وكذلك تصويت مجلس الشيوخ على تقييد صلاحيات الرئيس في الحرب على إيران، قبل أن يعاد التصويت بعد تدخل ترامب شخصياً واجتماعه مع الأعضاء الجمهوريين الذين أيدوا القرار.
هذه ليست المرة الأولى التي تلقى فيها حركة شعبوية أو نزعة استبدادية مصيراً محبطاً. ففي تاريخ الولايات المتحدة حالات عديدة هددت المسار الديمقراطي والسياق الدستوري وكان نصيبها الفشل بدرجات متفاوتة، وإن نجحت واحدة منها فقط في إحداث تغيير استمر لعقود لكنه انتهى من خلال المؤسسات الدستورية وبعد مواجهات سياسية وحقوقية وشعبية لم تسمح ببقائه، كذلك لم تكن أميركا بمنأى عن محاولات الانقلاب المباشر والتي فشلت جميعها باستثناء محاولة محلية جداً أدت إلى تغيير بلدية منتخبة، تحت تهديد السلاح، وتمتد هذه الحالات زمنياً إلى سنوات الاستقلال الأولى.
كانت أولى المحاولات في عهد الرئيس الثاني جون آدامز، الذي اتهم المعارضة بقيادة توماس جيفرسون (الذي أصبح لاحقاً الرئيس الثالث) بالسعي لتدبير انقلاب بدعم فرنسي، فأوعز سنة 1798، إلى الكونغرس بوضع تشريع يجرّم المعارضة ويقيد الإعلام وعمد إلى اعتقال سياسيين وصحافيين، لكن ذلك قوبل بمقاومة سياسية وقانونية شديدة أفضت إلى انتخاب جيفرسون بعد عامين. وفي العام 1860، أعلنت 11 ولاية جنوبية، الانفصال عن الاتحاد بعد عدم اعترافها بفوز الرئيس السادس عشر أبراهام لينكولن، ودخلت البلاد في حرب أهلية دموية استمرت أربع سنوات وأدت إلى مقتل زهاء 700 ألف جندي وانتهت بفوز القوات الفدرالية وتحرير العبيد وإعادة الولايات المنفصلة إلى كنف الاتحاد.
الحالة الثالثة، والتي تركت آثاراً سياسية وقانونية كبيرة، بدأت بعد ست سنوات من انتهاء الحرب الأهلية حيث أعادت النخب السياسية والحزبية التي انهزمت في الحرب، تنظيم نفسها وبدأت في مقاومة مشروع إعادة الإعمار وتخريبه، وإلغاء الكثير من الحقوق المكتسبة للعبيد المحررين، وخصوصاً في مجال التصويت، حيث عمدت السلطات المحلية إلى فرض شرط الإلمام بالقراءة وتسديد الضريبة الإنتخابية للمشاركة في الاقتراع، وكان أبرز وقائع تلك الحالة إجبار رئيس بلدية مدينة ويلمينغتون في ولاية نوث كارولاينا والمجلس البلدي المنتخب على الاستقالة تحت تهديد السلاح بعدما اجتاح حوالي 2,000 مسلح المدينة وأحرقوا المحلات والمؤسسات التي يملكها السود وقتلوا العشرات منهم ثم اقتحموا مقر البلدية، وطردوا الرئيس وأعضاء المجلس وعينوا مجلساً بديلاً منهم. وأدى تغاضي الحكومة الفدرالية عن تلك الواقعة إلى تشجيع القوى العنصرية على سن تشريعات جائرة في كل الولايات الجنوبية ما لبثت أن أدت إلى نظام الفصل العنصري الذي استمر حتى إقرار قانون حق التصويت ضمن رزمة تشريعات الحقوق المدنية التي أقرت عام 1965.
وشهد العقد الرابع من القرن العشرين حالتين متناقضتين الأولى تمثلت في نهج الرئيس فرانكلين دي. روزفلت الذي وسع صلاحيات الرئيس وسعى إلى تغيير تركيبة المحكمة الدستورية العليا التي رفضت قراراته بشأن الخروج من الكساد الاقتصادي الكبير، لتنتهي الأزمة بتراجع المحكمة عن قراراتها مقابل تكريس مبدأ الفصل بين السلطات، جاء ذلك بعد إحباط محاولة انقلاب دبّرتها مجموعة من المتمولين وكبار رجال الأعمال المتأثرين بالموجة الفاشية التي عمّت في أوروبا والذين رفضوا قرارات روزفلت الإصلاحية، وبدأوا عام 1933 في تجنيد نحو نصف مليون من الضباط والجنود الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى لاجتياح البيت الأبيض والمقرات الفدرالية في واشنطن وعواصم الولايات بهدف الاستيلاء على الحكم، لكن الضابط البارز الذي اختاروه لقيادة الانقلاب الجنرال سميدلي باتلر أطلع الحكومة على المؤامرة وتم إحباطها.
في العام 1973، وفي ذروة فضيحة ووترغيت التي بدأت مع اقدام موظفين فدراليين ومعاونين للرئيس ريتشارد نيكسون على اقتحام مقر اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي لسرقة معلومات تتعلق بانتخابات الرئاسة 1972، عمد نيكسون إلى اتخاذ قرارات تجاهلت صلاحيات الكونغرس والأحكام القضائية وعزل المحقق العدلي، ما أثار أزمة دستورية انتهت باستقالته عام 1974. أما الحالة الأخيرة والتي لا تزال تتوالى فصولاً فبدأت مع وصول ترامب إلى الرئاسة 2016، ورفضه الإعتراف بنتائج انتخابات 2020، ومحاولة حلفائه من المشرعين وأعضاء من «ماغا» الانقلاب على النتائج من داخل الكونغرس عبر محاولة تعطيل المصادقة على النتائج، ومن الخارج عبر اقتحامه من قبل الآلاف من أنصاره لتعطيل الجلسة في السادس من كانون الثاني 2021، ثم عودته إلى البيت الأبيض عام 2025.







Leave a Reply