ديربورن، هامترامك
مرة جديدة، ظهر الناشط اليميني المتطرف جيك لانغ في منطقة ديترويت، الأسبوع المنصرم، ضمن مساعيه المستمرة للتحريض ضد المسلمين الأميركيين واستفزاز أبناء المجتمع المحلي من خلال إصراره على حرق نسخ من القرآن الكريم.
وبالفعل، شهدت مدينتا ديربورن وهامترامك حالة من التوتر الشعبي والأمني حيال زيارة لانغ يومي الأحد والاثنين الماضيين. وفي حين اقتصر ظهور الناشط اليهودي الأصل في هامترامك على مرور عابر قوبل بحشد من المحتجين على تدنيس المصحف الشريف، ومن ضمنهم بعض المسلحين المنتمين لتنظيم «الفهود السود»، إلا أن لانغ أصرّ على إنجاز «مهمته» في ديربورن، الاثنين المنصرم، بحرق نسخة من القرآن الكريم في محيط «المركز الإسلامي في أميركا» على شارع فورد، رغم توقيفه لوقت قصير من قبل شرطة المدينة.
وكان مؤسس مجموعة «أميركيون ضد الأسلمة» التي ظهرت العام الماضي، قد قاد سابقاً تظاهرة عدائية ضد مسلمي مدينة ديربورن في تشرين الثاني (نوفمبر) المنصرم، وقام خلالها بنصب صليب ضخم ورفع شعارات تحذر من «أسلمة أميركا» قبل أن يعمد إلى تدنيس القرآن الكريم بشرائح من لحم الخنزير ويدوس عليه تمهيداً لحرقه قبل أن يتدخل أحد المتظاهرين المحليين ويقوم بانتشال المصحف من بين يديه.
وفي زيارته السابقة أيضاً، أدلى لانغ بمداخلة استفزازية أمام مجلس بلدية ديربورن كرر خلالها الشتائم المهينة للمسلمين واتهمهم بالسعي الممنهج لأسلمة الولايات المتحدة «المسيحية البيضاء» عبر كثرة الإنجاب وتعدد الزوجات، مطالباً السلطات الفدرالية، وكذلك الرئيس دونالد ترامب، بإرسال المزيد من دوريات وكالة الهجرة والجمارك (آيس) لاعتقال وترحيل السكان العرب والمسلمين من المدينة.
محاولة فاشلة في هامترامك
مئات المتظاهرين، بينهم مؤيدون للقضية الفلسطينية وجماعات اشتراكية وأعضاء في منظمة «الفهود السود»، تجمعوا الأحد الفائت بالقرب من مسجد «الإصلاح» الواقع عند تقاطع شارعي جوزيف كامبو وكانيف في قلب مدينة هامترامك، لمواجهة زيارة لانغ الذي كان قد توعّد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتنفيذ «أكبر عملية حرق كتب في تاريخ الولايات المتحدة».
وخلال ثمانين دقيقة من البث المباشر عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، واصل الناشط المتطرف والمرشح المزعوم لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية فلوريدا، تهديداته بإضرام النيران بمئات النسخ من القرآن الكريم والكتب المحظورة التي تروج للمثلية الجنسية في مدارس هامترامك.
وقال لانغ «مبشّراً» المسيحيين البيض بأنه وصل إلى هامترامك ذات الأغلبية المسلمة، والتي تضم عدداً كبيراً من المساجد، مؤكداً بأنه سيقوم بحرق «كتاب النبي المصاب بالبيدوفيليا، المسمّى بالقرآن»، وفق تعبيره.
وزعم لانغ زوراً بأن الآلاف يتعقبونه «الآن» ويحاولون قتله، ولكنه يشعر بالسلام الداخلي لأنه «يفعل ما يطلبه الله منه». وقال: «إن محمداً مات وكذلك موسى والآخرون جميعهم ماتوا ولكن المسيح هو الحي الوحيد»، مضيفاً بأنه يعدّ شطائر من القرآن بلحم الخنزير ليقدمها لمن يشاء من المتظاهرين.
وعلى وقع التهديدات التي أطلقها لانغ من داخل كابينة شحن مستأجرة من شركة «يو–هول»، احتشدت تظاهرة مضادة على شارع جوزيف كامبو الرئيسي في مدينة هامترامك لحوالي ثلاث ساعات وسط حضور أمني مكثف ضم دوريات من شرطة هامترامك وشرطة مقاطعة وين وشرطة ولاية ميشيغن.
وخلال التجمع، تحدث عدد من الخطباء عبر مكبرات الصوت في كلمات تؤكد على الحقوق الدستورية للمواطنين الأميركيين وضرورة التصدي للأصوات اليمينية المتطرفة التي تسعى إلى تقويض السلم الأهلي وبث الانقسام داخل المجتمعات الأميركية، واصفين الدعوات إلى حرق القرآن الكريم بـ«الفكرة المروعة».
وكان لانغ قد أعلن عبر منشور على حسابه بموقع «فيسبوك» اعتزامه حرق المصحف الشريف أمام مسجد «الإصلاح» في الساعة الخامسة مساءً، إلا أنه لم يظهر إلا بعد أكثر من ساعتين من الموعد المحدد، مكتفياً بمرور عابر بشاحنته المستأجرة.
وفيما أكد رئيس بلدية هامترامك آدم الحربي بأن لانغ وأنصاره لم يستحصلوا فعلياً على إذن رسمي للتظاهر، تم تسجيل الخرق الوحيد للهدوء بعد الساعة السابعة مساءً، عندما اقتربت الشاحنة التي تقلّ لانغ وشخصاً آخر من الحشود الذين اندفعوا باتجاهها وقام أحدهم بضربها بعصا غليظة، بينما كان لانغ يصرخ بأعلى صوته «يسوع هو الملك».
وبعد أن لاذت المركبة بالفرار، قال لانغ عبر بث مباشر إنه تعرّض للهجوم من قبل المتظاهرين، مضيفاً أنه يحمل في شاحنته مئات الكتب، من بينها كتب مقدسة، سيعاود المحاولة لإضرام النار فيها.
جاكسون روباك، وهو من سكان مدينة ديترويت وأحد المنظمين لتظاهرة التضامن مع المجتمع المسلم في مدينة هامترامك، صرّح لوسائل الإعلام المحلية بأن هدف المتظاهرين المحليين يتوخى «طرد» لانغ من «مجتمعاتنا»، وقال: «نريد توحيد كافة الجماعات المختلفة لتحقيق هذا الهدف، أنا مسلم، وهؤلاء الأشخاص يريدون القدوم إلى مدينة ذات أغلبية مسلمة لحرق كتابهم المقدس»، مؤكداً أنه «ليس لديهم أي حق في فعل ذلك».
من جانبه، قال جو بيكو إنه حضر إلى التظاهرة لمنع لانغ وجماعته من تكرار ما فعله في مدينة ديربورن في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وقال: «يريدون تكرار نفس الأمر هنا في هامترامك، ولن نقبل بذلك».
العودة إلى ديربورن
بعد أن باءت خطّته بالفشل في هامترامك، توجّه لانغ وجماعته مساء اليوم نفسه إلى ديربورن التي تبعد بضعة أميال فقط، ولكن حظه العاثر سرعان ما أوقعه بيد شرطة ديربورن عند مشارف المدينة، حيث تم توقيفه على شارع فورد بتهمة إرسال رسائل نصية أثناء القيادة قبل أن يتم اعتقاله بتهمة حيازة مواد خاضعة للرقابة، وذلك بعد أن عثر الضباط داخل مركبته على فطر مخدّر (مهلوس).
وعقب اعتقاله مساء الأحد المنصرم، احتُجز لانغ لفترة وجيزة في سجن الشرطة المحلية قبل أن يُطلق سراحه لاحقاً. وفيما لم تنشر السلطات بعد أية تفاصيل حول أسباب الاعتقال أو التهم المحتملة، نشر لانغ مقطعاً مصوراً على وسائل التواصل وهو يخرج من دائرة الشرطة التي عاود الاتصال بها للحصول على إذن يسمح له ولأنصاره بإحراق المصحف الشريف أمام المسجد الواقع على شارع فورد، والذي يعتبر أكبر مركز إسلامي في الولايات المتحدة.
إذن رسمي
خلال المكالمة مع الضابط المسؤول، ظهر لانغ وهو يحاول استغلال الثغرات القانونية المتعلقة بقوانين «الإحراق في الأماكن العامة»، مهدداً بتصعيد الموقف وإشعال عشرات الحرائق إذا لم يتم تنفيذ طلبه، معتبراً أن القيام بذلك لا يعدو كونه مخالفة مدنية بسيطة لا تستوجب الاعتقال أصلاً.
وفي محاولة لإقناع الضابط الذي كان يتحدث معه، وهو ضابط برتبة ملازم لدى شرطة ديربورن، طالب لانغ بالحصول على تصريح يسمح له بإضرام النيران في مكان عام أسوة بالتصاريح التي تمنح لليهود في احتفالات «لاغ باعومر» (Lag BaOmer)، وهو عيد يهودي يعرف باسم «عيد الشعلة».
واستخدم لانغ ما وصفه بـ«الورقة اليهودية» مخبراً الضابط بأنّ والدته تتحدر من أصول يهودية أشكنازية من روسيا، ليجيبه الأخير بأنه سيسعى لإصدار ذلك التصريح. وبعد انتهاء المكالمة، اعترف لانغ بأن «الورقة اليهودية» ذات تأثير «سحري» وأن استعمالها يأتي دائماً بالنتائج المرجوة، مستدركاً بالإشارة إلى أن والدته، رغم كونها من أصول يهودية، إلا أنها تحيا على الطريقة الأميركية.
حرق المصحف
في اليوم التالي، الاثنين 11 أيار (مايو) 2026، قصد لانغ محيط «المركز الإسلامي» بالفعل، وصوّر نفسه وهو يحرق نسخة من القرآن الكريم قبل أن يسارع متظاهرون وضباط من شرطة المدينة إلى التدخل لإخماد النيران.
وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تظهر قيام لانغ بإحراق نسخة من المصحف الشريف، وذلك بحضور الشرطة التي قام أحد ضباطها باستخدام المطفأة لإخماد الحريق، قبل أن يقوم لانغ بسحبها من الموقد ورميها باتجاه «المركز الإسلامي في أميركا».
ويرى مراقبون بأن محاولات لانغ المتكررة لحرق القرآن وسط المجتمعات الإسلامية الأميركية في عديد المدن الأميركية، بما فيها ديربورن وهامترامك ونيويورك ومينيابوليس (مينيسوتا) وإيبك (تكساس)، تتوخى بشكل أساسي التحريض ضد المسلمين وتصويرهم كـ«أعداء» لأميركا ضمن حملة ممنهجة.







Leave a Reply