آناربر
أثارت لائحة اتهام فدرالية صدرت بحق ثمانية ناشطين مناصرين للقضية الفلسطينية –بينهم ستة طلاب حاليين أو سابقين في «جامعة ميشيغن»– انتقادات واسعة من منظمات معنية بالحقوق المدنية، وفي مقدمتها فرع مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) في ميشيغن.
وزعمت وزارة العدل الأميركية أن المتهمين شنّوا حملةً منسقة استمرت عاماً كاملاً، تضمنت الترهيب والتخريب واستهدفت قيادات جامعية وجهات إنفاذ القانون ومنظمات يهودية محلية، وذلك بهدف دفع الجامعة الحكومية على سحب استثماراتها من إسرائيل.
ووصف المدعون الفدراليون – بمن فيهم المدعي العام الفدرالي في ديترويت جيروم غورغان– أفعال المتهمين بأنها حملة إرهاب «معادية لأميركا».
وفي بيان صدر بالتزامن مع لائحة الاتهام، قال غورغان إن مكتبه «سيواجه الترهيب بالعدالة»، مؤكداً أن التهديدات ومحاولات ترهيب المسؤولين الحكوميين والشركات و«الاتحاد اليهودي» هي «ممارسات تتنافى مع القيم الأميركية».
في المقابل، ورغم إدانة الاعتداءات التي طالت منازل ومصالح تجارية وممتلكات تابعة لمسؤولين في «جامعة ميشيغن»، انتقد حقوقيون ما وصفوه بـ«الاتهامات المشبوهة»، حيث اعتبرت «كير» أن التهم الفدرالية تخلط بشكل غير ملائم بين النشاط السياسي والنشاط الإجرامي.
وتتضمن لائحة الاتهام، التي صدرت بتاريخ العاشر من حزيران (يونيو) الجاري، تهماً فدرالية تشمل التآمر لنقل التهديدات، والتآمر للتلاعب بالشهود، وإتلاف أدلة.
ويواجه كلّ من زينب حكيم، أمة الله حكيم، بايدج فييوك، أحمد كوركايا، جوناثان زو، ألكسندر سيبولفيدا، مريم عودة، وكولين ويغر، تهمة التآمر لنقل تهديدات، وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى السجن لمدة خمس سنوات.
كذلك تواجه زينب حكيم وبايدج فييوك، تهمة التلاعب بالشهود، التي تصل عقوبتها القصوى إلى السجن الفدرالي لمدة 20 سنة؛ وذلك بزعم تهديدهما لطالب كان يتعاون مع السلطات. وفيما يتعلق بتهمة إتلاف الأدلة، يواجه سيبولفيدا تهمة إضافية تتعلق بمزاعم تدمير أدلة إلكترونية قبيل عملية تفتيش أجراها مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي).
وكتب مدير وكالة «أف بي آي»، كاش باتيل، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن المتهمين قاموا بتخريب ممتلكات مسؤولين في الجامعة، وكتبوا عبارات مثل «انتفاضة» و«فلسطين حرة» على منازل ومكاتب بعضهم، فضلاً عن ترك «رسائل تهديد» على أبوابهم، وصولاً إلى كسر نوافذ منزل أحد المسؤولين؛ حيث تم إلقاء بعبوات زجاجية مملوءة بمواد كيميائية «بينما كان في الداخل أطفال نائمون».
وتشير لائحة الاتهام إلى أن بعض المتهمين «نشروا في الفناء الأمامي خياماً صغيرة، ومجسمات مكفّنة تبدو كجثث هامدة، ودمى أطفال ممزقة وملطخة بالدماء، وسريراً محطماً» أمام منزل أحد المسؤولين في الجامعة الواقعة بمدينة آناربر. وأردف الادعاء العام بأنه في إحدى الحالات ألصق المحتجون رسالة على الباب الأمامي لأحد المسؤولين تطالب بـ«سحب استثمارات جامعة ميشيغن من إسرائيل».
اتهامات مسيّسة
ترافق الإعلان عن التهم مع اعتصام أقيم خارج المحكمة الفدرالية في ديترويت، حيث أعرب عشرات المتظاهرين عن رفضهم للائحة الاتهام معتبرين أن الناشطين تم استهدافهم بسبب خطابهم.
من جانبها، قالت إيمي دوكوري، كبيرة المحامين في «كير–ميشيغن»، إن الأفعال المذكورة في لائحة الاتهام –رغم فداحة بعضها– لا ترقى إلى مستوى التهم الموجهة إلى الناشطين، لاسيما وأن الادعاء لم يذكر تهديدات معيّنة، على عكس ما يقتضيه القانون الفدرالي.
وأضافت: «يجب أن يكون التهديد محدداً. ويجب أن يكون بحسب القانون «تهديداً حقيقياً وفعلياً»… ولا يمكن أن يكون الأمر مجرد استنتاج أو افتراض».
ورأت دوكوري أن ما فعله الناشطون قد يكون «مستهجناً» بالفعل، واصفة أعمال التخريب الواردة في لائحة الاتهام بأنها «غير مبررة»، لكنها لم تجد أدلة كافية على وجود تهديدات محددة.
وأشارت دوكوري إلى أن «كير» –بحكم تعرضها شخصياً لمثل هذه التهديدات– تدرك تماماً المعايير الصارمة التي يجب استيفاؤها حتى يتمكن المدعون الفدراليون من توجيه اتهامات.
كذلك، تورد لائحة الاتهام أفعالاً عديدة تعتبرها دوكوري ممارسةً محميةً دستورياً لحرية التعبير؛ بدءاً من التجمعات داخل الحرم الجامعي ووصولاً إلى المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرض «مطالب» المتهمين.
وقالت دوكوري: «يريدون إقناعكم بأن الخطاب نفسه يشكل خطراً، وبما أن الخطاب خطير، فإن كل هذه الأفعال الأخرى يجب أن تكون خطيرة أيضاً. وأعتقد أن هذا أمرٌ يثير الإشكالية».
ومنذ انطلاق الحراك الطلابي ضد حرب غزة عام 2024، تعرض الطلاب المؤيدون لفلسطين في «جامعة ميشيغن»، لحملات قمع ومراقبة وإجراءات عقابية لم تقتصر على الجامعة، بل أيضاً من جانب السلطات الحكومية عبر الإجراءات القضائية، وشركات القطاع الخاص التي وضعت لوائح سوداء بحق الناشطين والخريجين.
وتأتي لائحة الاتهام الفدرالية الجديدة، بعد فشل جهود مكتب الادعاء العام في ميشيغن بملاحقة الناشطين المؤيدين للقضية الفلسطينية في «جامعة ميشيغن»، حيث اضطرت المدعية العامة دانا نسل، في أيار (مايو) 2025، إلى إسقاط جميع التهم التي أصدرتها بحق 11 شخصاً على صلة بالمخيم التضامني مع غزة في حرم «جامعة ميشيغن» خلال ربيع العام 2024.
وقال جون فيلو، من «مركز شوغر للقانون من أجل العدالة الاقتصادية والاجتماعية» في ديترويت، إن «جوهر لائحة الاتهام سببه موقف المتهمين المناهض لإسرائيل». وأضاف: «إنهم لا يلاحقونهم بسبب فعل كتابة الغرافيتي، بل يلاحقونهم لأن العبارة المكتوبة كانت: فلسطين حرة».
وأشار فيلو إلى أن الادعاء العام الفدرالي لم يذكر في ملف الشكوى، العدوان الإسرائيلي الانتقامي أو الحصار اللاإنساني الذي أدى إلى مقتل عشرات آلاف المدنيين في قطاع غزة، ولكنه حرص على ذكر الهجوم الذي قادته حركة «حماس» ضد إسرائيل ضمن عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وأضاف: «أنا لا أبرر أي أعمال تخريب مزعومة وردت في لائحة الاتهام، ولكن لماذا نصعّد الأمر الآن لنصنفه كتآمر، ولماذا نسعى لربط وجهة نظر معينة وبين الإرهاب؟».







Leave a Reply