إبتسام خنافر
لا أعرف متى بدأنا نحفظ أسعار الأشياء. متى أصبحنا نتذكر كم كان سعر وجبة البرغر قبل سنوات، وكم كنا ندفع مقابل عربة ممتلئة في متجر البقالة، وكم كان يكلفنا الخروج مع العائلة من دون أن نحسب ثمن كل خطوة؟
في ما مضى، كنا نحفظ الأشياء التي نحبها. أما اليوم فبات علينا أن نحفظ أسعارها أولاً.
نقف أمام رف في متجر ونقول: «كان هذا أرخص». نحمل منتجاً، نتفقد سعره، ثم نعيده إلى مكانه وكأننا لم نكن نريده. نملأ خزان السيارة ونراقب الأرقام. نفتح فاتورة التأمين والكهرباء والمياه… ونتساءل ما الذي تغير.
يصل الراتب، فنطمئن للحظات، ثم تتوالى الفواتير واحدة بعد الأخرى، حتى بات الشهر يبدأ بسؤال كان يأتي عادة في نهايته: كم بقي؟
والغريب أننا لم نتوقف عن العمل قط. فالجهد الذي نبذله هو ذاته، ولكن نسبة القلق والتوتر أصبحت أعلى بدرجات.
نستيقظ، نذهب إلى وظائفنا، نعود متعبين، ونكرر الأمر نفسه في اليوم التالي. البعض يعمل ساعات إضافية، والبعض يبحث عن مصدر دخل آخر. نعمل أكثر، ونحسب أكثر، وفي نهاية الشهر نشعر أننا نجري في المكان نفسه.
هي ليست حكاية الفقير وحده. إنها حكاية من كان حتى الأمس يعيش مرتاحاً. من كان يدخر فأصبح يحاول حماية ما تبقى من مدخراته. من كان يخرج مع عائلته من دون مناسبة، أصبح يتهيب الخروج. ومن كان يقول لأولاده «نعم» بسهولة، أصبح الآن يقول: ليس الآن!
حتى الأطفال الذين لا يعرفون معنى التضخم يشعرون بنتائجه. يعرفونها من الأشياء التي اختفت من عربة التسوق ومن الرحلات التي قلّت إلى رفوف الحلوى في محطات الوقود… قد لا يعرف الطفل قيمة الفاتورة، لكنه يعرف ملامح والديه عندما تكون أكبر مما توقعا.
ولدى المهاجر، هناك دائماً حساب آخر لا يظهر في فواتير الحياة الأميركية.
فالإنسان عندما يهاجر لا يترك خلفه من يحب. يحمل أماً كبرت وهو بعيد عنها، وأباً ينتظر صوته، وأخاً قد تضيق به الظروف، وأختاً قد تحتاج إليه. يحمل بيتاً ترك فيه جزءاً من عمره، وأرضاً اشتراها وهو يحلم أن يبني عليها منزلاً يعود إليه يوماً.
لسنوات، عمل كثير من العرب في أميركا من أجل حياتين: حياة يعيشونها هنا، وحياة يحاولون أن يجعلوها أسهل لمن بقي هناك.
وكان المال الذي يُرسل إلى الوطن الأم أكثر من تحويل مالي. كان دواءً لوالد وحاجة لوالدة وقسطاً جامعياً وعلاجاً وجزءاً من بيت يُبنى. وكان أحياناً طريقة المهاجر في القول: أنا بعيد، لكنني ما زلت معكم.
اليوم، أصبح الأمر صعباً. فهناك ألم لا يعرفه إلا من اعتاد أن يعطي دون حساب ثم اكتشف أنه لم يعد قادراً على العطاء.
من الصعب أن تسمع صوت والدتك عبر الهاتف وأنت تعرف أنها تحتاج إلى شيء ما ولكنها تمتنع عن طلبه منك… أن يخبرك أخوك عن ضائقة، فتستمع إليه وتبدأ الأرقام والحسابات تدور في رأسك… أن تنظر إلى صورة البيت الذي بدأت ببنائه في الضيعة، وتقول مرة أخرى: ربما في السنة القادمة.. أن تخفض المبلغ الذي اعتدت إرساله إلى أهلك، فيقولوا لك: «لا تقلق علينا»، فتقلق أكثر… وأن تضطر يوماً إلى القول لشخص تحبّه: لا أستطيع هذه المرّة.
هنا لا يضغط الغلاء على المحفظة والحساب المصرفي وخطط المستقبل، بل يتحول إلى ضغط نفسي يومي، يعود مع الإنسان إلى بيته ويجلس معه إلى المائدة، وينغّص عليه فراشه: ماذا لو تعطلت السيارة؟ ماذا لو ارتفع الإيجار؟ ماذا لو مرض أحد؟ ماذا لو فقدت عملي؟ وماذا لو احتاجني أهلي في الوقت الذي لا أستطيع فيه مساعدتهم؟
مع الوقت، يتعب شيء في داخلنا. نصبح أقل صبراً. نقلل الزيارات، نؤجل المكالمات، نعتذر عن حضور المناسبات، ونعتزل أصدقاءنا رغم حاجتنا إليهم، لا لشيء سوى لأننا نعرف أن لديهم ما يكفيهم.
ثم نقول في قرارة أنفسنا: الناس أتعبتهم الحياة وتغيروا!
ومن هنا يأتي السؤال: أيهما أقسى، غلاء المعيشة أم غلاء المشاعر؟
يمكننا أن نستغني عن وجبة أصبحت غالية، ونؤجل سفراً، ونشتري أقل، وننتظر عاماً آخر لتحقيق حلم بعيد، لكنني أخشى أن نتقن الاستغناء إلى درجة نتخلى فيها عن بعضنا.
فغلاء السوق هو أن تقف أمام شيء تريده وتقول: لا أستطيع شراءه. أما غلاء المشاعر، فهو أن يقف أمامك إنسان تحبه، يحتاج إلى وقتك أو حضورك أو مساعدتك… فتكتشف أنك أهدرت كل طاقتك في جريك وراء متطلبات العيش، ولم يعد لديك ما يكفي لمنحه.





Leave a Reply