محمد العزير
تكشف المواجهة الأخيرة التي شهدتها ديربورن، حاضرة العرب في ولاية ميشيغن، يوم 18 آب (أغسطس) الجاري، بين المتطرّف العنصري جاك لانغ الذي قاد مع القس الأفريقي الأميركي المتعصب لورنزو سيويل وآخرون، «حملة صليبية» ضد المدينة لـ«منع أسلمة أميركا»، وبين المحتجين من العرب الأميركيين، الذين فضّلت قلة قليلة منهم، عدم التجاوب مع نداءات المسؤولين المحليين والشرطة لالتزام الهدوء، وعدم الاستجابة لاستفزازات المتظاهرين والتصدّي المباشر لهم أمام مقرّ المجلس البلدي في المجمع الحكومي، عمق الهوّة التي بلغها الشأن العام في زمن دونالد ترامب وفي ظلّ تغوّل اليمين الديني الملبّد بالمهووسين وشذّاذ الأفاق.
لم تكن تلك المواجهة، الأولى من نوعها في المدينة التي حوّلها لانغ وأشباهه إلى «قبلة» للمتعصبين الذين يريدون استهداف العرب الأميركيين والمسلمين من أجل مصالح سياسية وانتخابية بطرق كيدية، فقبل أسبوعين حاول لانغ اقتحام مسيرة دينية لمناسبة أربعينية الإمام الحسين، لاستفزاز الآلاف المشاركين المنحدرين خصوصاً من العراق ولبنان، وأقدم على إشعال النار في نسخة يحملها من القرآن، قبل أن يتصدى له عدد من المشاركين ويشتبكوا معه بالأيدي ما أسفر عن اصابته بجروح واعتقال ثلاثة من مهاجميه، وسبق له أن قام بدخول المدينة للاستفزاز والتشهير مرتين قبل ذلك، وقد أدت المواجهة الأخيرة إلى اعتقال 22 شخصاً بينهم لانغ نفسه، وعدد من أبناء المدينة.
أولى الملاحظات على حملة لانغ «الصليبية» كما أسماها بنفسه، أنه، وهو يدعي نصرة المسيحيين في أميركا والدفاع عن مصالحهم «الوطنية»، من أصل يهودي، نشأ وترعرع في كنف أسرة يهودية احتفلت ببلوغه سن التكليف (13 سنة، حسب التقليد اليهودي) وأقامت له حفلة «بار ميتزفا»، ولم يعرف عنه ارتياد أي قداديس، ولا معلومات عامة حول اعتناقه الديانة المسيحية أو أية كنيسة ينتمي إليها.
الملاحظة الثانية، هي محاولته تحويل «غزواته» لديربورن إلى حالة سياسية محلية مستدامة من خلال التنسيق مع شخصيات محلية تحقق له هدفين مهمين الأول تحويل منطقة ديترويت الكبرى إلى حلبة مواجهة مستمرة يمكن استثمارها في الانتخابات والحملات السياسية المحلية، والثاني، إبعاد صبغة العنصرية والتمييز عنه من خلال العمل مع أمثال القس الأسود لورنزو سيويل، والمعروف بعدائه المزمن للعرب الأميركيين والتحريض ضد مصالحهم التجارية في ديترويت، فضلاً عن دعمه المطلق لترامب، وكذلك استقطاب بعض ذوي الأصول العربية لإظهار انفتاح حملته على الآخرين، وفي ظل عدم وجود أي شخصية وازنة اكتفى بـ«فرسان» حملة منع الكتب في مدارس ومكتبات ديربورن، الذين ادّعوا حينها حرصهم على الأخلاق (الإسلامية)، والذين يقفون اليوم خلف من يدعو إلى تحرير أميركا من المسلمين!
الملاحظة الثالثة، هي أن لانغ لا يصر على اختيار ديربورن بسبب مواصفاتها الدينية والديموغرافية والسياسية، هناك العديد من المدن التي تحتضن كثافات سكانية عربية وإسلامية وازنة في مختلف الولايات الأميركية، وهناك مدن فيها مساجد وحسينيات وأنشطة دينية، وهناك مدن يتولى رئاسة أو عضوية بلدياتها عرب ومسلمون، لكن ديربورن مفضّلة لدى لانغ لأنه يجد فيها ما يبحث عنه، وهو المواجهة. المواجهة العنيفة وحدها تحقق للانغ غايته، فهي تظهره كبطل أو شهيد (لا فارق)، والأهم أنها تظهر للجمهور صوابية ادعاءاته عن ميل العرب إلى العنف، فبصرف النظر عن مدى الاستفزاز أو التطاول أو الحنق الذي يؤجّجه، سينصبّ الاهتمام الإعلامي في نهاية المطاف على ردّ الفعل، وهو ما حصل فعلاً خصوصاً في المرتين الماضيتين، حين عزز صورته كمدافع أول في وجه الإسلام العنيف.
من المفيد هنا الإشارة إلى تجربة لانغ مع مدينة أخرى وهي مينيابولس في ولاية مينيسوتا، التي تضم مجتمعاً عربياً أميركياً نشطاً ووازناً، ما جعلها هدفاً أثيراً لدى اليمين المتطرف خصوصاً وأن لديها ميزة تفضيلية غير موجودة في ديربورن وهي البشرة السمراء لأبنائه المنحدرين من الصومال، وهو ما يجعل التصويب عليها يحوز «الترايفكتا» الدين والإثنية واللون، والمدينة ممثلة في الكونغرس بنجمة التيار الليبرالي «المحجّبة» إلهان عمر، والتي جعل ترامب منها هدفاً دائماً للتهجم والإساءة والشتم، هي ومن تمثل.
وقد حاول لانغ أن يفعل الأمر نفسه في ولاية مينيسوتا خلال العام الحالي أيضاً، ففي كانون الثاني (يناير)، قاد مسيرة شارك فيها عشرة أشخاص فقط، وفي آذار (مارس) كرر المحاولة داخل مقر مجلس الولاية التشريعي فتم اعتقاله وتوجيه تهم جنائية إليه، وبعد «غزوة» ديربورن الأخيرة، توجه لانغ إلى مينيابويس مرة أخرى محاولاً تكرار المواجهة لكن النتيجة اختلفت حين تعرض للاعتقال مرة ثانية وبتهم أشد خطورة.
يستفاد من هذا الدرس أن تجاهل لانغ وأمثاله، أفضل وأنسب، وأن ترك الأمور للشرطة والقوى الأمنية المعنية يسهل عليها التعامل معه ويحرمه من الهمروجة الإعلامية التي يحققها في ديربورن. فالمزاودة في هذا المجال لا تغني ولا تسمن، والحماس الزائد «المشفوع» بحرمة المسّ بالمقدسات يتحوّل كل مرة إلى حالات تهوّر تؤدي دائماً إلى عكس المطلوب.
صحيح أن الإجماع مستحيل في أي مجتمع، وصحيح ألا مقاس يناسب الجميع، ولا يمكن لرأي واحد أن يسود، لكن في المواقف العامة، وفي التصدي للشأن العام لا يجوز أن تتوقف المصلحة العامة على رأي شاذ، كما حصل مع الذي أصر على حق لانغ في حرق القرآن وعلى إقامة مشاوي خنازير أمام المركز الإسلامي في أميركا، أو على رأي صبياني مستمد من ثقافة «الزعران» في الأحياء الشعبية، كما حصل مع العديد من الأشخاص الذين كانوا يحرضون (لا يبادرون، بل يحرضون) الشباب على اجتياز العوازل الأمنية التي أقامتها الشرطة لضرب لانغ وأنصاره وتكسير رؤوسهم «لأننا لسنا مكسر عصا».
العرب الأميركيون في ديربورن أو غيرها ليسوا مكسر عصا، هم مثل أية جماعة إثنية أو دينية أو وطنية في المجتمع الأميركي، هم عرضة للصور النمطية والتمييز والحملات الإعلامية والسياسية في سياق لعبة سياسية ازدادت رداءة وبؤساً في العقدين الأخيرين، ولكن في ديربورن بالتحديد حيث رئيس البلدية ورئيس المجلس البلدي وأكثرية أعضاء المجلس ورئيس المحكمة الجنائية عرب أميركيون، لا خوف عليهم من ذلك، وجدير بهم أن يتركوا الأمور لأصحابها. بالطبع ليس المطلوب البقاء في بيوتهم، والدعوة التي تمت بهذه الصيغة، شابها عيب تعبيري فسّره البعض على أنه دعوة لعدم الاهتمام بالأمر، والمؤكد أن المقصود هو ترك مسألة ضبط الأمن وحماية الحريات للجهات المختصة.
كالعادة، وفي كل محطة تتجلى الحلول المبدعة لدى الشباب، ولم يخيب الشباب العربي الأميركي الأمل هذه المرة أيضاً، بادروا بلا اجتماعات مسبقة ولا ترتيبات ولا حسابات قطرية أو مذهبية أو مناطقية إلى التصدّي للغزوة على طريقتهم، أطلقوا الموسيقى وعقدوا حلقات الدبكة والرقص أمام «الغزاة» الغاضبين، قالوا في بادرتهم بدون كلام كثير، ما لا يمكن لتحليل سياسي أن يقول، أجابوا على أسئلة الغاضبين وشبهاتهم، وتمكنوا خلال دقائق قليلة من استمالة عدد لا بأس به من الذين أتوا إلى ديربورن بهمّة لانغ، فيما نجح آخرون منهم في فتح نقاشات فورية مع مشاركين آخرين ووجهوا لهم دعوات صادقة لوجبة أو فنجان قهوة في مطعم عربي، وتمكنوا في فترة وجيزة أن يمسحوا من أذهان شبان متحمسين سنوات من الأضاليل والتعبئة والتحريض، فقط لأنهم يؤمنون أنهم فعلاً أميركيون يعتزون بأصلهم.
لانغ ليس أول «الغزاة» ولن يكون آخرهم قبله بخمس عشرة سنة، قصد ديربورن قس مهووس يدعى تيري جونز، جاء في مهمة بسيطة، إحراق القرآن أمام المركز الإسلامي… وسرعان ما قادته مسيرته المتزمتة إلى السجن بعد انكشاف خطة كان يعدها لتفجير مسجد إسلامي.
كثيرون سيركبون الموجة، لكن العرب الأميركيين باقون حيث هم، والتصرف على هذا الأساس واجب.





Leave a Reply